عزت القمحاوي
من محاسن الصُدف أنني لم أكن أحمل مسدساً بالأمس، والا كنت ارتكبت جريمة قتل كغريب كامي. وقد اكتشفت أخيراً سبب حبي لهذه الرواية الكئيبة عندما وجدتني تحت حر عاناه بطلها أكثر مما عاني أي شيء آخر في حياته العبثية. كان جسر أكتوبر بأكمله يرتعد بفعل الشمس التي ترتطم أسياخها بقطرانه وترتد لتحرق وجهي وتعتصر قطرات العرق المالحة من حاجبي فتسيل الي داخل عيني. في السيارة جهاز تكييف، لكنه ضعيف مثلها لايستطيع أن يجعل من الجحيم فردوساً فقررت أن أفتح الشباك، وكانت أشعة الشمس تنعكس فوق زجاج ومعدن السيارات الأخري فتتحول الي نصل أطول كثيراً من سكين العربي التي أعطي التماعها اشارة الانطلاق لرصاصات الغريب! لا أحد استطاع أن يصور الصيف الذي نصطلي بناره، ولا عبثية قتل الغريب مثلما فعل ألبير كامي، ولعل النقيصة الأساسية التي يمكن أن تصم الف ليلة وليلة هي خلوها التام من الاشارة الي المناخ، وقد سارت الرواية العربية علي هذه السنة غير الحميدة، حيث تبدو عشرات الروايات مكتوبة في اللامكان، لاتشعر بحر الشمس فيها أو بهبة ريح أو بعبور غمامة أو حمامة في السماء!
وعلي الرغم من انبهارنا بسرد العباقرة المجهولين الذين أبدعوا ألف ليلة متضامنين، فاننا لا نعرف في أي مناخ ارتكب الملك شهريار جريمة القتل الأولي، فقد رأي بعينيه حفل الجنس الصاخب الذي أقامته زوجته مع العبيد، وكان بوسعه الانتقام الفوري، ولو من العبد مسعود الذي واقع زوجته، ومع ذلك تماسك وخرج مع أخيه لينظرا ان كان هناك من جري له مثلهما، واذا به يشهد خيانة المرأة للعفريت، وكان المنطق يقتضي أن يلتمس العذر لزوجته، لأن هناك من هي أخون منها، ولأن الوقت بين مشاهدته خيانتها ولحظة القتل يكفي لمزيد من تهدئة خاطره، لكن الذي حدث أنه ضرب عنقها فور عودته، مما يرجح أن الحر كان دافعه الي القتل.
لديّ شاهد اثبات علي أثر الحر المدمر من جاري علي الجسر، وقد زحف بسيارته الفاخرة حتي حاذاني وقال بكل لطف انني تراجعت من دون أن أشعر وحككت بوز سيارته، ثم أضاف مبتسماً: خلاص، لي عندك حكة! كان يتحدث بلطف ولديه قدرة علي الابتسام، نعم رأيته يبتسم أريحية وليس سخرية، بينما كان يضغط الزر معيداً غلق زجاج سيارته، ليحافظ علي تكييفها القوي الذي صان أعصابه، بينما تحول اطار نظارتي الي سيخ محمي من أسياخ عفاريت ألف ليلة فرفعتها عن وجهي، وتناولت منديلاً ملتهباً أمسح الملح من عيني فكاد يشتعل عند ملامسة بشرتي، بينما كنت سارحاً في أمر رواة ألف ليلة الذين لم يخبرونا شيئاً عن ملابسات القتل أو ظروف التي عاش فيها الملك ما يقرب من ثلاث سنوات مع شهرزاد، لم نلمس فيها حركة تململ واحدة من الراوية أوالمروي عليه الجاهز للقتل عند أول منعطف، والأدهي أن مساعدتها دنيا زاد تحملت كل هذا وهي لابدة في موقعها تحت السرير. مرت علي الثلاثة ثلاثة أصياف، واكتشفنا في نهاية الليالي أن لشهرزاد ثلاثة من الأبناء، متي حبلت بهم ومتي أنجبت؟ وكيف تحمل الملك الملول الحر مع متاعب حملها؟ وهل واصلت الحكايات في ليالي الطلق والولادة أم تولت دنيا زاد ذلك من الكمبوشة (حفرة الملقن) في المسرح؟ أسئلة لاتجيب عنها الليالي، ويبقي الصبر الذي تحلي به الملك سراً محيراً. وليس لدينا مومياء للملكة المقتولة ولا للملكة الناجية ولا للملك القاتل ليخضعها زاهي حواس لتحليل الـ DNA فنعرف الظروف التي جعلت هذه القصة الاطار ممكنة. كما أن أحداث الليالي المروية علي لسان شهرزاد تدور بين مصر وبغداد وجزائر الهند واسطنبول وبلاد ماوراء العالم، ولاتشير مطلقاً الي المناخ في هذه البلاد، والأبطال الذين يشيلهم عفريت وعفريت يحطهم ينزلون من قمة جبل الي داخل بستان ويخوضون في بحيرات الماء المسحورة، الي جبال القصدير، ومنها الي غابة الأبنوس من دون أن نري حبة عرق واحدة علي جبين أي منهم، مثلما هي مالحة علي جبيني أنا المستعد للقتل، فلست استثناء في هذه المنطقة. بطل رواية كامي ارتكب جريمته في الحر، وكل ثوراتنا تقريبا تمت في الحر (الآن نفكر كيف كان من الممكن أن يكون شكل بلادنا لو أن هذه الثورات لم تقم أصلاً) كل الفتن الطائفية، وحتي صراع الفصائل الفلسطينية تمدد ووصل الي هذه الدرجة من السخف في الحر. وأين حر الشاطيء الجزائري من حر قولة حرب في غزة اليوم، وأين منه حرب مدينة مثل القاهرة يتقاتل فيها البشر والمركبات في مسيرات احتجاج صامتة، يلهث الناس، وتلهث السيارات قبل أن تدوخ وتنطرح علي جانبي الجسر، وتلمع تحت سياط الشمس حتي ليخيل لمن يمرون بصعوبة من جوارها أنها تبتسم سخرية منهم، وعليهم أن يبذلوا مجهوداً خارقاً لضبط النفس حتي لايقتلون المشاة أو يصطدمون بسيارات أخري تلمع بالسخرية منهم.
علي أية حال فقد نجوت، وأنا الآن رهين غرفتي والحمام، أكتب هذه السطور، ولدي وعد من الأرصاد المصرية بانتهاء الموجة الحارة اليوم، لكن الثقة بتحقيق أي وعد في مصر معدومة، وحتي لو تحقق انكسار الحر وتلطف الجو فان لطفه مثل نصر عابر لايدوم. أعرف أن ما تعانيه القاهرة تكابده فاس، وليرحم الله أهل بغداد ودارفور، الله أهل دارفور، ولا أعرف ما حاجتنا الي الحرب مع هذا الحر! ولم أعرف من هو أكثر حمقاً من غريب كامي سوي بوش الذي حمل جنوده الي حر وحرب بلادنا. وليس هناك أتعس منا نحن وبلير الذي خرج من حر العراق الي حر غزة والضفة. ولا أعرف ان كان اقتراح تعيينه مبعوثاً للسلام (تخيلوا للسلام!) عقوبة لنا بالابقاء علي يدي غلام الحرب مبسوطة في شؤوننا أم عقوبة له برده الي حر بلادنا. أكاد أري ابتسامة بوش وهو يقترح اسم صديقه مبعوثاً للسلام، وأكاد أبتسم، لكن الشماتة في بلير لايمكن أن تحملني علي التخلي عن أمنيتي الصيفية التي تتكرر كل عام، بأن تمتد يد جراح ماهر، وتقص هذه الأشهر الثلاثة وتلقي بها الي البحر! في النظام القضائي المصري تحتسب سنة السجن تسعة أشهر، وكلنا مساجين وأسري، فلماذا لايكون عامنا تسعة أشهر ليس بينها حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) وآب (أغسطس)؟!