ليس ماركوس كلينغبيرغ جاسوسا. فالجاسوس (علي حسب طبعة 2007 من معجم اريئيل) هو عميل سري، أُرسل الي دولة اجنبية لجمع معلومات استخبارية ومعلومات سرية عنها. لم يُرسل كلينغبيرغ الي هنا من قبل أية دولة اجنبية. انه مواطن اسرائيلي، ويهودي، استقر رأيه عن ارادته الحُرة علي خيانة شعبه وبلده.
ليس الفرق بين العملين مسألة لغوية بل مسألة اخلاقية. فالتجسس مهنة مُشتهاة، وبطولية، تكون احيانا ذات بُعد رومانسي، تجعل العاملين الممتازين فيها يحظون بالمجد. والخيانة مهنة حقيرة، توجد حاجة اليها لكن لا كرامة معها، لا في الدولة التي تربح من فعل الخيانة ولا في الدولة التي تتضرر منه.
سلّم كلينغبيرغ الاتحاد السوفييتي أسرار المعهد البيولوجي في نيس تسيونا لمدة تزيد علي عشرين سنة. في جزء كبير من هذه السنين كانت الحكومة السوفييتية تعامل اسرائيل علي أنها عدو مُعلن وقد أُعطيت مصر وسوريا سلاحا سوفييتيا وفيرا ودرب خبراء روس جيوشهما. وتعلم اسرائيليون كثير، أكبروا الدور الذي قام به الاتحاد السوفييتي بمحاربة النازيين واقامة الدولة، تعلموا الحذر بالتدريج. أصبح الاسرائيلي الذي أيد الروس في بداية الخمسينيات ساذجا. وأصبح الاسرائيلي الذي سلّمهم أسرارا في الستينيات والسبعينيات شيئا مقززا.
حُكم علي كلينغبيرغ بالسجن عشرين سنة. مكث 16 سنة في السجن. مع نهاية نضال عام مُحكم، أداره محاميه افيغدور فيلدمان وابنته سيلفيا، أُطلق سراحه من السجن الي اقامة جبرية. كان الزعم انه مريض يوشك أن يموت. تحدث فيلدمان باسم المراعاة الانسانية، وباسم الرحمة. هذا ما يفعله المحامون. ليس فيلدمان مذنبا لكون زبونه بعد يوم واحد من اطلاق سراحه قد عوفي معافاة عجيبة.
لكن فيلدمان، ومساعده وشريكه في السابق ميخائيل سفاراد، لم يُنهيا مهمتهما بذلك. صاحب فيلدمان كلينغبيرغ في باريس لاجراء مقابلة منحها للقناة الثانية. بل بالغ سفاراد في الفعل وكتب مع كلينغبيرغ كتابا يمتدح فيه كلينغبيرغ نفسه وخيانته. هذا كثير بالنسبة لمحامٍ، واكثر من ذلك بالنسبة لمحاميين يتمدحان بأنهما يُمثلان في اسرائيل النضال من اجل حقوق الانسان. توجد للخونة حقوق ايضا. من حق كلينغبيرغ ان يمكث في باريس وان يقص القصص. من بين ما يلمح اليه في الكتاب أنه عرف خونة آخرين عملوا من اجل الاتحاد السوفييتي. لا أسماء ولا حقائق. تلميح ثخين فقط موجه الي أناس توفوا ولم يعودوا علي قيد الحياة. يعلم انه في سن التاسعة والثمانين، في باريس البعيدة، لن يُجهد أحد نفسه في شغل نفسه به. أما فيلدمان وسفاراد فقصة مختلفة.
سفاراد محامٍ عن طائفة من الروابط علي رأسها يوجد حُكم، تحارب عن الفلسطينيين الذين أضر بهم الجيش الاسرائيلي والمستوطنون. وهو يُمثل ايضا جهات في الخارج تناضل قضائيا اعمال الجيش الاسرائيلي في المناطق. بخلاف محامين يُمثلون مخالفين للقانون، يوجد لنضال سفاراد، زيادة علي الارتزاق، وجه عقائدي ايضا. انه مؤمن حقا بالنضال من اجل حقوق الانسان.
يسلك كلينغبيرغ سلوكا معاكسا: فالكتاب الذي كتبه مع سفاراد ينقض بقسوة ما يدعو اليه فيلدمان وسفاراد منذ سنين وهو المراعاة الانسانية. واحترام الانسان. يستطيع كلينغبيرغ وشريكه في الكتاب إبغاض دولة اسرائيل كما يشاءان. ما الذي يريدانه من الموتي.
ناحوم برنياعمحلل رئيس في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 27/8/2007