خالد شوكات فرضت العولمة نفسها على الأمم الصغيرة، بأوجه كثيرة منها ما هو إيجابي كتكريس علوية مبادئ حقوق الإنسان وقيم الحرية وفتح السماوات لتيسير الاتصال وتبادل المعلومات بين بني البشر، ومنها ما هو سلبي كإزاحة الحواجز أمام حركة الشركات الرأسمالية متعددة الجنسيات التي تفوق في ميزانيتها ميزانيات بعض الدول الفقيرة، لتحطيم الصناعات المحلية وزعزعة المنظومات الثقافية الوطنية وتدمير الخصوصيات القومية للشعوب المغلوبة على أمرها. و خلافا لما هو متوقع من حكومة تونسية يقودها حزب حاكم، كل رأسماله دفاعه المفترض عن الهوية واستناده إلى مرجعية فكرية وسياسية طالما تغنت بتصديها للنزعة الغربية التوسعية واعتراضها على الهجمة الثقافية الخارجية، فإن تاريخ الأمة التونسية سيسجل أن حركة النهضة الإسلامية كانت السبب في فتح مجالات تونس الأرضية والجوية والمادية والمعنوية أمام أهم عناوين الهيمنة الأمريكية، ممثلة في سلسلة مطاعم الوجبات السريعة ‘ماكدونالدز’ و’بيرغر كينغ’ و’بيتزا هت’.ويعكف السيدات والسادة أعضاء المجلس التأسيسي التونسي منذ فترة على مشروع قانون مجلة الاستثمار الجديد، الذي سبق لحكومة حمادي الجبالي أن تقدمت به، وكان وزير الاستثمار السابق رياض بالطيب قد أعلن عنه في الإبان، فرحا مزهوا بإنجازه كما لو أنه أقنع شركة ‘آبل’ أو ‘ماكروسفت’ أو ‘جوجل’ بالحلول في البلد السعيد ومساعدة الشعب التونسي على الأخذ بزمام آخر صيحات التكنولوجيا والمعرفة وتقنيات الصناعة الكمبيوترية، أو أنه لم يدرك بأن صنيعه لم يكن سوى فعلة بشعة وجريمة نكراء في حق الاقتصاد الوطني والصحة العامة وجهاز المناعة الثقافية. و لربما اعتقد المتحمسون من قيادات حكم النهضة الإسلامية لهذه المشاريع الاستهلاكية، أنها ستساعد تونس على تشغيل بضعة آلاف من الشباب العاطلين عن العمل، من خلال استيعابهم كعمال نظافة ونادلين وباعة في محلات الماكدولندز والبيتزا هت والبيرغر كينغ، إلا أن الثابت في المقابل أن هذه المحلات ذات القدرات الدعائية والإعلانية العالمية، ستتسبب في تشريد آلاف آخرين من التونسيين سيضطرون إلى غلق محلات ‘الكسكروت’ و’اللبلابي’ و’الصحن التونسي’ الصغيرة التي يملكون، وستقوم بتكديس ثروة كانت تتوزع على أكبر عدد ممكن من عائلاتنا المتوسطة الدخل والفقيرة في أيدي واحد أو اثنين أو ثلاثة ممن سيحظون بحق وكالة هذه الشركات العابرة للقارات، ناهيك عن تحويل جزء من الثروة الوطنية للأمريكيين وغيرهم من ملاك حقوق الماركة الأصلية، ممن لا يستحقون هذا العطف الإسلامي السخي، وليسوا محتاجين لمقاسمة ‘الغلابى’ و’المساكين’ في بلادنا لقمة عيشهم الصغيرة المتواضعة.و قد بينت التقارير الطبية والعلمية أن نفقات الأمراض المصاحبة لوجبات الأكلة السريعة الأمريكية، كالسمنة والسكري وضغط الدم والشرايين وسواها، تكلف الخزينة العامة للدول المعنية بها مئات المليارات من الدولارات، فضلا عن الأخطار بعيدة المدى التي تحملها بين ثناياها وتجعلها مدخلا لشرور كثيرة اجتماعية وثقافية وتربوية.و في ظل محدودية الوعي السياسي لكثير من أعضاء المجلس التأسيسي التونسي، فإن إمكانية انتباهه لمثل هذه القضية الخطيرة ستكون ضيئلة للغاية، وستستغل الأطراف المستفيدة من مثل هذا التوجه هذه الغفلة، لتفيق البلاد على ملهاة تافهة أخرى، تماما كما أفاقت قبل أشهر على ملهاة ‘التكتك’ العجيبة التي لم يكتب لها فيما يبدو أن ترى النور، ربما لأن الهند كانت مصدر الفكرة، أما وقد عادت الولايات المتحدة مصدر الإلهام فسيكون للقصة رواية أخرى، تتناقض تماما مع قصة ‘الشيطان الأكبر’ التي طالما صدع بها الإسلاميون رؤوس مناوئيهم وكانت السيف المسلط على رقبة كل داعية للاستفادة من الأوجه الايجابية في الحضارة الغربية والأمريكية، وليس من بينها طبعا ولا يمكن أن تكون مطاعم الوجبات السريعة المشبعة بالدهون والسموم. و لعل النصيحة حق لهذه الحكومة الجديدة، التي شكلها للتو علي العريض، والتي يرجى أن لا تكون ‘حكومة الماكدونالدز’ بعد أن كانت سلفها ‘حكومة التكتك’ بامتياز، في أن تسارع إلى تقديم قروض صغيرة ميسرة للشباب التونسي الراغب في ذلك، من أجل فتح سلسلة محلات عصرية للأكلات التونسية السريعة ‘البيولوجية’، التي تعتمد على المنتجات الزراعية المحلية فقط، والتي يمكن أن تكون وسيلة التونسيين للعالمية فيصدرون ساعتها لمحيطهم القريب والبعيد ‘الصحة والعافية’ بدل فتح أبوابهم أمام ‘السموم والأوبئة’. ‘ كاتب تونسي qmdqpt