د. يحيى مصطفى كامل للثورة أطوارها وأحوالها المتقلبة، فهي كأي كائنٍ حي تشب فتنمو ثم تتطور وتتغير… تعرف الفورات والجموح والثقة المفرطة في النفس، تؤمن في يقـــــين بالمستقبل الذي ستطوعه إرادة الثوار؛ تتحرق في لحظات الترقب… كما تعرف فترات الركود… و الملل… ولا ريب في كون الثورة المصرية التي بدأت هادرةً حاشدةً واعدةً بتغييرٍ عميق يحرك المياه الراكدة الآسنة فيرج أعماق مصر ويطال محيطها الإقليمي بأكمله تمر الآن بإحدى مراحل الركود تلك، ولا أبالغ إذ أزعم أن شعوراً عميقاً بالإحباط قد تسلل إلى نفوس قطاعاتٍ عديدة فسيطر عليها من جراء تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين الآمال العريضة التي ولدتها ورعتها الأيام والشهور الأولى من عمر الثورة والقليل جداً بالقياس الذي تحقق على أرض الواقع… غير أن النظام الذي اعتمد استراتيجية قائمةً على محورين متوازيين، أولهما يتمثل في مسيرةٍ سياسيةٍ متعثرةٍ ممسوخة أفضت إلى برلمانٍ معدوم الصلاحيات وها هو يعد العدة لانتخاباتٍ رئاسيةٍ يزعم أنها ستصل بمركب الإصلاح السياسي الغارق إلى بحر الأمان وثانيهما استهلاك واستنزاف القوى الثورية الملتزمة بالحراك في الشارع عبر سلسلةٍ من المعارك والمناوشات تشفعها الاعتقالات الإرهابية والمحاكمات العسكرية، هذا النظام فيما يبدو أراد كسر حالة الملل والركود تلك فاستشار أحدهم أو تفتق ذهنه عن مسرحيةٍ هزليةٍ عبثيةٍ تتعلق بمنظمات العمل المدني وما تتلقاه من التمويل.
للمسرحية نجومها بالطبع، وهم (دون الالتزام بترتيب الظهور) النظام ممثلاً في المجلس العسكري الحاكم والإخوان المسلمون والإدارة الأمريكية… أما ممثلو منظمات العمل المدني والعاملون بها من المصريين والأمريكيين فهم ليسوا ممثلين في العمل بالمعنى الدقيق للكلمة وإنما يصح أن نشبههم بالجمهور الذي يتم ضمه إلى نسيج ومتن العمل كما هو معهود في تقنيات المسرح الحديث الذي يسقط الحائط الرابع مدمجاً المتفرجين، غير أنهم لم يُخطروا بدورهم في ذلك العمل ولم يطلعوا مطلقاً على نصه، أو هذا على الأقل ما نستطيع أن نجزم به فيما يتعلق بالمصريين، وإنما تمت جرجرتهم وإهانتهم بصورة متعسفة سريعة الوتيرة ليقتصر أداؤهم على تعبيرٍ مروعٍ يرتسم على وجوههم بالمباغتة الممتزجة بالدهشة والغبن والتمرد عليه.. لقد أُريد لهذا العمل أن يكون ملحمياً، ذا بطولةٍ وحيدة من نصيب المجلس العسكري حيث يسلط الضوء عليه ليبرز أسداً هيصوراً، وطنياً بامتياز، حاسماً، متيقظاً حد التوتر فيما يتعلق بمصلحة الوطن وأمنه وسيادته… بالتأكيد أن أعضاء المجلس تصلهم التقارير عبر أجهزة الأمن والاستخبار التي لا حصر لها (والتي يعلم القاصي والداني أنها ربما تكون قد اهتزت إلا أن كل الشواهد تثبت أنها لم تمس) تفيدهم بفقدانهم الاحترام والشعبية التي تمتعوا بها لفترة وجيزة إبان خلع مبارك وظهورهم بمظهر نصير الثورة… لا يخفى عليهم كراهية الشارع لهم، لذا لم يجدوا محيصاً عن حركةٍ مسرحيةٍ كتلك تنفى عنهم تهمة التواطؤ مع الثورة المضادة، وتشكك في وطنية الفصائل الأخرى بل تؤكد عمالتها للخارج ولا يعدم الأمر أن يكون تمويهاً على الفشل العام في إدارة البلاد أو إلهاءً للجمهور عن شيءٍ يدبر في صمت… لقد أرادوا المزايدة على الجميع مثبتين أحقية المؤسسة العسكرية وقبل ذلك مشروعيتها في الحكم… في زمنٍ آخر في ظرفٍ آخر كان من الجائز أن تكون تلك المسرحية مقنعة، ولا نعلم إذا ما كانت النهاية الهزلية كانت مقررة في النص الأصلي أم لا؟… وإن كان الجواب لا فمتى تغير المسار؟. على العموم كأي عرضٍ مسرحي لم يخل من شيءٍ من المتعة على سخافته والكثير من الدلالات المهمة.
أولاً، ليس لنظام كامب ديفيد المتشكلة دعائمه وسياساته وانحيازاته على يدي السادات ووريثه الأخيب المخلوع أن يتهم أحداً بتلقي الدعم من الخارج أو يزايد على أي طرفٍ في هذا الشأن هو الذي ارتهن مصر استقلاليةً وقراراً واقتصاداً وتسليحاً وانحيازاً لأمريكا والمعسكر الغربي… ثانياً، لقد أبرزت تلك المسرحية عدة حقائق أساسية غاية في الأهمية، فقد أكدت أن ذلك النظام هو عينه نظام مبارك الذي لم يسقط؛ نظامٌ لا يرتكز على قاعدةٍ شعبية ولا يؤمن بها (ولعله لا يريدها) بينما ترفده أمريكا بشريان حياته الأساسي… نحن هنا لا نعني مبلغ المعونة الهزيل وإنما الاتجاه والرؤية والانحياز الاستراتيجي والطبقي… كنت من أوائل من ذهبوا إلى أن النظام لم يسقط ولم أنِ أكرر أنه إنما تخلص من مبارك وولديه ومشروع التوريث وأوباشه الأبرز لكي يتمكن من الاستمرار، ومن نفس المنطلق تظاهر بحماية ثورةٍ لم يعد لها ولا يؤمن بها فجاء اقترانه بجمهورها زواج اضطرار من النوع الأكثر امتلاءً بالمشاكل والأقصر عمراً كما تكشف سريعاً… لقد سعى ذلك النظام في محاولته إعادة إنتاج نفسه أن يبدو عفياً وأكثر صباً، إلا أن الصبغة السوداء والمساحيق، لسوء حظه، لم تؤكد سوى ترهله واستحالة تغييره كما أكدت أن ثوب الثورة لا يلائمه فضفاضٌ عليه للغاية… نظامٌ مازال قائماً قادراً على البطش إلا أنه مسنٌ مرهق… أما أكثر الأدوار إمتاعاً وإدهاشاً فهو موقف الجماعة المحظورة-العلنية… ليس من شك أنهم ذوو تجربةٍ طويلة في عالم السياسة تمكنوا خلالها من الحفاظ على البقاء خلال أحلك العواصف، إلا أنه يبدو أنهم أدمنوا التحالف مع السلطة وتحديداً الرهانات على العسكر كأنهم لا يتعلمون من دروس الماضي… بيد أنهم لم يقفوا عند التحالف مع العسكر فقط وإنما يبدو أنهم تولدت لديهم قناعة أن الممارسة السياسية تعني التحالف مع أي طرف ولأي غرضٍ طالما كفل لهم ذلك الوصول إلى السلطة والبقاء فيها، فها هم يخطون خطوةً صوب أمريكا بالعمل للمساعدة على الإفراج عن رعاياها المحتجزين لكي تقبل أمريكا أوراق اعتمادهم مثبتين بذلك موقفهم المماثل بل المتطابق مع النظام والذي يرى رضا أمريكا مرجعيةً أولى بل ووحيدة، وليؤكد الإخوان للجميع أنهم حقاً رجال هذا العصر وكل العصور… طبعاً فاتهم أن أمريكا قد لا تخفي الصفقة لأنها لا ترى مبرراً لذلك ومرد ذلك كونهم حديثي عهد بالسياسة الدولية، وربما يتعلمون في المستقبل مع المراس… أما أمريكا فقد أثبتت أنها الأنضج والأعقل في هذا العرض الهزلي، ولعلي أدهش البعض بأنني ولأول مرة في حياتي الناضجة أشعر بالتعاطف معهم أو التفهم لموقفهم.
فمما لا شك فيه أن الإدارة الأمريكية قد زُج بها في هذه الأزمة المفتعلة التافهة، ولعلهم للوهلة الأولى لم يفهموا… احتاروا في كيف يقدم ذلك النظام الذي يعتمد عليهم في كل شيء ويستمد مسوغ بقائه الوحيد من دعمهم على تحديهم بتلك الصورة الغير مبررة والمنطقية، وإذ هداهم التحليل العلمي إلى الأسباب كأني بهم يرثون حالهم ويلعنون الزمن الذي أحوجهم و أجبرهم على التعامل مع هكذا أنظمةٍ تافهة. على كلٍ، رحل الأمريكيون إلى ديارهم ولا عزاء للمصريين الذين يقبعون في السجون العطنة انتظاراً للفرج… وليتها حتى ارتقت إلى مستوى الزوبعة في الفنجان.
أنا لا أدعو إلى القطيعة مع أمريكا ولا إلى التصعيد معها، بل ولا أرى مبرراً لكل ما حدث… غاية ما هنالك أنني أدين تلك الحركة التي انتهت ككل تاريخنا بظلم المواطنين الغلابة وأتمنى أن نكف عن تلك العنتريات التي تنتهي بمهازل تتخطى إهانتها وصغارها الأنظمة، المسؤول الوحيد عنها، فتلصق بالشعوب… ولا بد في النهاية من الاعتراف بأن المجلس العسكري وإن فشل فشلاً ذريعاً في الإدارة فإنه عوض ذلك بالنجاح منقطع النظير في الكوميديا.’ كاتب مصري