د. بشير موسى نافع
في رده على التهديد الذي وجهه له وزير الخارجية التركي بأنه يوشك مواجهة مصير صدام حسين أو القذافي، وعد الرئيس السوري بوضع نهاية سريعة للعنف الذي تمارسه أجهزته الأمنية وقوات الجيش ضد الشعب السوري، وبالإعلان قريباً عن حزمة إصلاحات جذرية في بنية الحكم الدستورية والسياسية. ولكن مصداقية الرئيس الأسد لم تصل يوماً إلى أدنى ما هي عليه الآن. لا شعبه يأخذ الوعود التي يطلقها مأخذ الجد، ولا دول العالم الأخرى تراه قادراً على إصلاح نظامه. الحقيقة، أن السوريين تخطوا سقف الإصلاح منذ أسابيع، سيما بعد مجازر الأسبوع الأول من رمضان، ولم يعد يرضيهم أقل من إسقاط النظام. الرئيس الأسد على الأرجح لم يزل يأمل في أن فسحة أخرى من الزمن، فسحة أخرى من ارتباك القوى الدولية والتردد التركي والعربي، ستتيح له إيقاع الهزيمة بالحركة الشعبية وإعادة ميزان القوى بين النظام والشعب إلى مستوى قريب لما كان عليه قبل منتصف آذار/مارس.
ما لا يدركه الرئيس السوري أن ما تعيشه بلاده، ما يعيشه المجال العربي ككل، من فاس إلى صلالة ومن إدلب إلى تعز، هو بداية حركة تصحيح كبرى لمسار التاريخ العربي في القرن العشرين، المسار الذي أوقع منذ نهاية الحرب العالمية الأولى آلاماً هائلة بالروح العربية، بمقدرات العرب ومصالحهم، بوجودهم وكينونتهم، بصورتهم في العالم وبتصورهم لأنفسهم، وأوصل أوطانهم ودولهم إلى حكم أنظمة من قبيل الأنظمة التي حكمتهم خلال العقود القليلة الماضية. المجزرة التي ترتكب في سورية على يد أجهزة النظام وقوات الجيش الموالية له لن تفعل سوى تأخير حركة التصحيح الكبرى هذه لبعض الوقت، ولكنها لن توقف عجلة التغيير، مهما بلغت وحشية النظام وقواته. بضغط من المجتمع الدولي أو بدونه، بموقف عربي مساند أو بدونه، بتحمل تركيا لمسؤولياتها أو بدونه، ستمضي سورية في طريق التغيير، لأن الشعب السوري يريد هذا التغيير، ولأن الشعب على استعداد لدفع ثمن التغيير مهما كبرت التضحيات.
لم تتعرض أمة خلال ما يقارب القرن الذي تلا نهاية الحرب العالمية الأولى لمثل ما تعرض له العرب. حتى قبل اندلاع الحرب الأولى والانهيار العثماني، كانت القوى الإمبرالية تفترس منطقة وراء الأخرى من بلاد المجال العربي – العثماني، مرة بدوافع أمن طرق الإمبراطورية، ومرة بالسعي وراء المواد الخام للآلة الصناعية الغربية، ومرة للبحث عن فضاء استيطاني جديد للعرق الأوروبي، ومرة بمبررات تاريخية – دينية عارية. وما أن أطيح بالرابطة العثمانية، حتى افترس ما تبقى من البلاد العربية في صفقة إمبريالية فجة وصريحة، جرى تسويغها القانوني فيما بعد في إطار عصبة الأمم، المنظمة الدولية التي أقامتها الدول الإمبريالية نفسها. كان الوعي العربي بهوية عربية جامعة قد أخذ في التبلور منذ نهاية القرن التاسع عشر؛ وفي لحظة الانحدار العثماني المؤلم، ساهم تدافع الهويات القومية في تعظيم آلام الانحدار. ولكن حتى هذا التدافع وما ولده من انقسام تركي عربي، وتحالف بعض العرب مع القوى الغربية، لم يغفر للعرب ضعفهم. وبدلاً من أن يتاح للعرب فرصة بناء إطار سياسي جامع لشعوبهم، وتطوير ثقافة سياسية وقانونية لرابطتهم الجديدة، قسمت الولايات العربية العثمانية السابقة أجزاءً ودولاً وكيانات. وكان طبيعياً أن تنتهي الكيانات العربية، الضعيفة المتهالكة، المرتبطة بقوى الخارج، والتي سلمت مقاليدها لفئات حاكمة ضعيفة، وأنانية، وقصيرة النظر، في صراعات مستديمة مع بعضها البعض.
ولم يقل إجهاض أحلام الاستقلال ألماً وقسوة وباعثاً على القصور الذاتي. ليس ثمة دولة عربية واحدة أجبرت جيوش الاحتلال الأجنبية وحققت الاستقلال بدون تضحيات كبرى، تجاوزت المليون شهيد في الحالة الجزائرية. وليس ثمة حركة استقلال وطني عربية واحدة لم يخضها الشعب بأكمله، أعيانه وفلاحوه، طلابه وعلماؤه، نساؤه ورجاله. من قرى أسيوط والمنيا، إلى حواضر الدار البيضاء والقاهرة والإسكندرية، ومن جبال الشرق الجزائري إلى أزقة حي القصبة، ومن بيوتات القدس القديمة إلى قرى نابلس وجنين، ومن أحياء دمشق المملوكية العثمانية إلى قرى اللاذقية ودير الزور وبادية العراق وريفه، دفع جيل بأكمله من العرب، فوجا وراء فوج، ثمن النضال من أجل الحرية والاستقلال، من أجل حياة أفضل، حياة اعتقدوا أنها لابد أن تليق بهم وتعنيهم جميعاً. ولكن سنوات الاستقلال لم تكن أقل وطأة من سنوات الاحتلال.
لم تستطع نخب ما بعد استقلال الدولة العربية الحديثة تحقيق واحدة فقط من المهمات التي كانت يتوجب أن تحققها. في ضوء الصحراء البائسة من القهر والانحطاط الاقتصادي والتعليمي الذي وصلت إليه البلاد العربية في ظل أنظمة ما بعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967، ثمة نوستالجيا وبائية لذكرى القيادات والشخصيات، التي حكمت دولة ما بعد الاستقلال، تهيمن على الروح العربية منذ عدة عقود. وربما هناك ما يسوغ مثل هذه النوستالجيا؛ فمهما بلغ إخفاق وتخبط وعجز القوتلي والأتاسي ومردم، جميل المدفعي ونوري السعيد وتوفيق السويدي، مصطفى النحاس ومحمود فهمي النقراشي وعلي ماهر، فمن الظلم أن مقارنة التزام أعيان حقبة ما بين الحربين الوطني، الطيبة والتسامح الشخصيين للكثيرين بينهم، ونزاهة أغلبيتهم العظمى، بأنظمة الإقصاء والمجازر والنهب والخراب المنظم الذي مارسته الطبقات الحاكمة في عهد الدولة العربية الحديثة الثانية. ولكن الحقيقة أن أصل الداء يعود إلى السنوات الأولى لما بعد الاستقلال.
أدار أبناء طبقة الأعيان العثمانية السابقة البلاد وكأنها إقطاعيات موروثة لأسرهم. كانوا ليبراليين وديمقراطيين بمعنى ديمقراطية وليبرالية الطبقة التي ولدوا فيها وانتموا إليها؛ بينما أسس لشعورهم بالمسؤولية نمط من الرؤية الأبوية التي ورثوها للعلاقة مع عموم الشعب. كان من المفترض باعتبارهم رواد الفكرة العربية وحراسها الأوائل أن يخوضوا نضالاً مريراً من أجل إعادة بناء المجال العربي السياسي، وكسر الأسوار التي بنتها القوى الإمبريالية ولم تترسخ أسسها بعد. ولكنهم أضاعوا المشروع العربي في محاور متصارعة، مرة بين معسكر الهاشميين والسعوديين، ومرة بين محور مصري وآخر عراقي. وكان من المفترض وهم أول من تعرف على مؤسسات الاجتماع السياسي الحديث، أن يعملوا على نقل البلاد، تعليمياً وصناعياً، ثقافياً وسياسياً، إلى مناخ ومستوى تحقيق شروط الدولة الحديثة. ولكنهم لم يترددوا في بناء تحالفات قبلية وطائفية من أجل دحر الخصوم وتحقيق المكاسب الشخصية في الحكم والسلطة. وكان المفترض وهم أبناء أسر محافظة وتقليدية أن يتحسسوا منظومة القيم التي يمكن أن تعيد بناء الإجماع وتحفظ وحدة المجتمعات واستقرارها. ولكنهم جميعاً وبلا استثناء تقريباً وقعوا فريسة إغراء الصلات التي ربطتهم بالعواصم الغربية وأنماط الحياة في لندن ونابولي وباريس. وعندما واجهوا أول تحد وطني – قومي في مواجهة المشروع الصهيوني، لم يستطيعوا حتى الخروج بهزيمة مشرفة قليلاً.
خلال العقدين التاليين لقيام الدولة العبرية، كانت أعمدة شرعية أبناء أعيان المدن العربية القديمة تسقط، الواحد منها وراء الآخر، ليحل محلهم في النهاية حكام جدد من ضباط الجيش أو خريجي الجامعات والمهن الحديثة من أبناء النجوع والقرى البعيدة، أبناء الطوائف المهمشة والأسر الريفية من أعلى المرتفعات أو على حافة الصحراء. ولم يجد هؤلاء أنفسهم مدينين لمن كان قبلهم بشيء، لا لعروبتهم الجامعة، ولا لتقاليدهم، لا لليبراليتهم، ولا لتسامحهم. الفاشلون لا يورثون شيئاً من مآثرهم، أو أن أحداً لا يريد أن يرث شيئاً من مآثرهم مهما كانت هذه المآثر. بعض القادة الجدد جاء إلى الحكم محمولاً على تيارات أيديولوجية مغلقة، وبعضهم على موجة من المثل والطموحات غير الواقعية؛ وآخرون برغبة كيدية صارخة للوصول إلى الحكم، ما دام الحكم متاحاً لكل من لديه الاستعداد لتحمل مخاطر المحاولة. هذا هو عصر ضباط مصر الأحرار، عبد الكريم قاسم وصدام حسين، هواري بومدين وحفنات الضباط التي تلته، أمين الحافظ وصلاح جديد وأسرة الأسد الكريمة، والحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، والجيل الثاني من وزراء ورؤساء وزرارات وضباط الملكيات العربية.
كما أسلافهم من رجال الاتحاد والترقي، لم يكن لدى حكام أنظمة الدولة العربية الثانية من تسامح ولا حكمة ولا معرفة أصيلة بشؤون الدولة التي تولوا أمرها، أو بالقوى الغربية التي خاضوا ضدها المعارك والحروب أو عقدوا معها التحالفات. ولم تساعد خلفياتهم الاجتماعية المتواضعة في المحافظة على طهارة اليد. ولأن شعوراً بالنبوة والعصمة والإلهام الإلهي سيطر على أغلبهم، لم تؤد طموحاتهم الكبرى في أغلب الأحيان سوى إلى تدمير منهجي للذات ومقدرات البلاد. ليس فيهم واحد إلا واعتقد أنه الأجدر بقيادة العرب جميعاً إلى شاطىء الخلاص، ليزداد في عهدهم انقسام العرب على أنفسهم، وإضاعة مقدراتهم في التحالفات الخارجية لحماية النظام وحكامه الملهمين. وليس فيهم واحد إلا واعتقد أنه الأجدر بقيادة المجتمع والشعب في طريق التنمية والنهضة والازدهار، لتصبح الشعوب العربية في عهدهم أكثر فقراً وأقل تعليماً وأكثر اعتماداً على الخارج. والحق، أن تدخلات العواصم الغربية المباشرة في شؤون الحكومات العربية باتت أقل بكثير من العهود السابقة. ولكن، ما الذي يدفع للتدخل إن كانت الأنظمة الحاكمة ترتكب بإرادتها الخالصة كل ما يخدم مصالح الإمبرياليات السابقة. لم يعد هناك من هوة بعد الهوة التي انحدرت إليها شعوب هذه المنطقة عميقة الجذور والتاريخ من العالم، ولم يعد هناك من خراب بعد هذا الخراب الذي عاشته في العقود القليلة الماضية. هنا تقع جذور حركة الثورة العربية اليوم؛ وهذا ما يجب أن يراه حكام مثل الأسد وصالح والقذافي، وبدرجة باتت ضرورية أيضاً السبسي والمجلس العسكري في مصر. ولكن عجز هؤلاء عن رؤية حركة الثورة ودورها في تاريخ العرب الحديث، لا يعني أن هذه الثورات يمكن أن تسرق أو تجهض أو تخفق. حجم الحراك الجماهيري بات من الضخامة والوعي والتصميم ما يجعل حركة تصحيح السياق التاريخي بقوة الفعل التاريخي نفسه: الوقوف في مواجهته بمثابة الانتحار. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث