د. سعيد الشهابي
قبل عامين أطلقت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الامريكية في القاهرة تصريحات اعتبرها البعض مؤشرا علي جدية الولايات المتحدة الامريكية في دمقرطة الشرق الاوسط: علي مدي ستين عاما، التزمت بلادي، الولايات المتحدة، بمبدأ الاستقرار علي حساب الديمقراطية في هذه المنطقة… ولم نحقق أيا منهما… اننا الآن ملتزمون بنهج آخر، بدعم التطلعات الديمقراطية لجميع الشعوب ذلك الالتزام الامريكي لم يدم طويلا. فبعد ان حقق الاخوان المسلمون نجاحات في الانتخابات البرلمانية المصرية اللاحقة، وبعد انتصار حماس في الانتخابات البرلمانية في المناطق الفلسطينية العام الماضي، تراجعت واشنطن عن المشروع الديمقراطي. وجاءت الزيارة الاخيرة لوزيرة الخارجية الامريكية للمنطقة الاسبوع الماضي لتؤكد تمسك واشنطن بسياسة دعم قوي الاعتدال في المنطقة، المتجسدة في انظمة الحكم الحليفة للولايات المتحدة. لم يبق سوي عام واحد من الفترة الرئاسية لجورج بوش، ولكن معالم هذه الحقبة القصيرة المقبلة اتضحت بتلك التصريحات، فهي تهدف لتقوية حكم الرئيس مبارك، والنظام السعودي، والاستمرار في توفير دعم غير المحدود للكيان الصهيوني، من خلال صفقات عسكرية عملاقة بعشرات المليارات من الدولارات. انها عودة الي البدء، وفي البدء كان مبدأ عسكرة الاوضاع هو العنوان الاوضح للمشروع الامريكي في الشرق الاوسط. والواضح ايضا ان استعمال المصطلحات الديمقراطية انما كان طارئا علي لغة الخطاب الامريكي، ولا يمثل تغيرا جوهريا في الاستراتيجية الامريكية التي كانت وما تزال تعتمد علي خيار القوة وفرض الامر الواقع، والاستعداد لتحمل نتائج ذلك مهما كانت دموية. في الاسابيع الاخيرة، اتصلت السفارة الامريكية في البحرين (وربما في بلدان اخري) بعدد من النشطاء السياسيين المعنيين بالتطور الديمقراطي وحقوق الانسان، لتخبرهم بالغاء تأشيرات سفرهم الي الولايات المتحدة. وتم ايقاف ناشط حقوقي مرموق في مطار واشنطن، والتحقيق معه بشكل مطول، ثم منعه من دخول الاراضي الامريكية. كان واضحا ان هناك تراجعا ليس عن دعم المشروع الديمقراطي فحسب، بل حتي عن الاستماع لنشطائه. انها عودة قوية للسياسة الامريكية القديمة ـ الجديدة، التي تدعم الاستبداد السلطوي في العالم العربي، والاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية. وهي تكريس للاحتلال الأمريكي للعراق بصورة مقززة. ولم يعد مستبعدا أبدا حدوث انقلاب سياسي مدعوم بقوي الاحتلال العسكرية، في العراق، لتحجيم التيارات ذات الاتجاه الاسلامي. ويتوقع ان تعمل واشنطن علي محورين: فاما تغيير النظام السياسي في بغداد بما يخدم الاستراتيجية الامريكية، او تقسيم العراق لمنع تحوله الي تجربة ديمقراطية رائدة في المنطقة. لقد جسد وضع العراق ساحة صراع سياسي ـ ايديولوجي اختلطت فيه التناقضات وتداخلت الاهواء والاتجاهات. وعلي مدي الاعوام الاربعة الاخيرة، تحول ذلك البلد الي مختبر للتجارب العسكرية والامنية والسياسية، فتفاعلت فيه التيارات الاسلامية المعتدلة، شيعية وسنية، ونشطت فيه المجموعات المتطرفة والارهابية، واختلطت فيه القيم الاسلامية بالاطروحات الامريكية، وتسابقت القوي الاقليمية لاقتسام النفوذ فيه. كانت واشنطن تأمل ان يؤدي ذلك التداخل والاختلاط العجيب لصيغة سياسية عملية تخضع لنفوذها وتسمح بوجودها العسكري الطويل المدي، والهيمنة علي منابع النفط العراقية، والتأثير السياسي في داخل العراق وخارجه. كان واضحا منذ البداية ان الوجود الامريكي جاء ليبقي، وتم توفير بعض أسباب ذلك الاستمرار، ولكن التطورات توحي بعدم امكانه، خصوصا اذا ما عاد الامن والاستقرار الي ربوعه، واستطاعت النخب الحاكمة الافلات من الهيمنة الامريكية، واعادة صياغة العلاقات في ما بينها علي اسس من الانتماء الوطني البعيد عن التدخلات الخارجية. ومع تطور الامور اصبح الآن واضحا ان المفاصلة بين النظام السياسي في العراق، والاحتلال الانكلو ـ أمريكي مسألة وقت، وان التجربة اثبتت غياب ارضية التوافق بينهما. يؤكد ذلك الاتهامات المتبادلة حول الامن والعلاقات الخارجية، وسياسات الانتاج النفطي، والوجود العسكري الامريكي من خلال القواعد العسكرية الامريكية العملاقة. ويمكن القول ان ما حدث في العراق يمثل الارضية التي تم فحص الاستراتيجية الامريكية عليها. فمنذ اسقاط النظام السابق في 2003، تحول العراق الي ساحة تجارب للجميع. وربما كانت واشنطن تعتقد ان هيمنتها المطلقة علي العراق ستجعلها في موقع أقوي وهي تتعاطي مع الدول الاقليمية الاخري، خصوصا مصر والسعودية وسورية و اسرائيل. وكان اسقاط النظام يقتضي تبريرا آخر، غير وجود اسلحة الدمار الشامل، خصوصا بعد ان تأكد عدم توفر العراق علي شيء منها لاحقا. فطرح المشروع الديمقراطي لتبرير الحرب، وطرح الوضع العراقي نموذجا لهذا التحول المزعوم في السياسة الخارجية الامريكية. وتصاعدت التصريحات التي توحي بان ادارة بوش، المدعومة والمدفوعة من قبل المحافظين الجدد، عازمة فعلا علي احداث تغير ديمقراطي في المنطقة العربية. فبموازاة ما أسمته الحرب ضد الارهاب طرح المشروع الديمقراطي بقوة غير مسبوقة. فصدرت التصريحات علي لسان بوش ومساعديه، وعقدت المؤتمرات في العواصم الكبري في الدول العربية والاسلامية حول مفاهيم الديمقراطية، وانفقت الاموال لجذب التيارات الاسلامية لصالح المشروع الديمقراطي المزعوم، وتوسعت مشاريع ابتعاث نشطاء الديمقراطية وحقوق الانسان من الدول العربية للمدن الامريكية للاطلاع عن قرب علي الواحة الديمقراطية وتم تمويل المجموعات الناشطة في الدول العربية في المجال الديمقراطي. في البداية شعرت الانظمة، خصوصا في السعودية ومصر، بانها مستهدفة بهذه الاستراتيجية الامريكية الجديدة. اما اليوم فقد تجلي الوضع بشكل لا يقبل التأويل بان ما عاشته المنطقة والعالم منذ 2003 لم يكن سوي حلم مؤقت، وان الولايات المتحدة لا يمكن ان تتغير بالشكل الذي اوحي به ساستها للعالم. يمكن اعتبار زيارة رايس الاخيرة للمنطقة ليس تحولا جذريا في السياسة الخارجية، بل عودة للسياق التاريخي لتلك السياسة القائمة علي مبدأين متلازمين: دعم انظمة الاستبداد والقمع وضمان التفوق العسكري الاسرائيلي. هذان المساران ميزا السياسة الامريكية في الشرق الاوسط منذ عقود، وهما السببان اللذان كانا مصدر الغضب الشعبي والنزعة نحو التطرف والعنف. فهل يعني تلك العودة ان الحرب ضد الارهاب قد حسمت لصالح واشنطن، وانها تنطلق بنشوة الانتصار وعدم الخشية مما تنطوي عليه نزعات التطرف والعنف تجاهها؟ هل فرضته الضغوط السياسية المباشرة (من اسرائيل ومصر والسعودية) وغير المباشرة (توسع دائرة الاسلاميين، وصعود اسعار النفط وفشل الحرب ضد الارهاب) ام انه العودة للحالة الطبيعية للاستراتيجية الامريكية؟ الرئيس بوش اعلن انه سيدعم اسرائيل عسكريا بـ 30 مليار دولار علي مدي السنوات العشر المقبلة، ومصر بـ 13 مليار دولار، وانه سوف يوقع مع السعودية صفقات سلاح عملاقة تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار. ليس هناك جديد في كل ذلك لأمور عديدة. اولها ان الدعم الامريكي لهذه الانظمة الثلاثة ليس جديدا، ولم يتوقف يوما. ثانيها: ان صعود اسعار النفط وتوفر وفرة مالية لدي الحكومات الخليجية يقتضي، كما كان الحال عليه دائما، اعادة شطر كبير من هذه الاموال الي الاقتصاد الغربي عبر صفقات سلاح عملاقة. ثالثا: ان امريكا تشعر اليوم انها اقرب للقضاء علي الارهاب من وجهة نظرها، اي حصر فعاليات تنظيم القاعدة مثلا باعمال العنف داخل البلدان العربية والاسلامية (العراق، افغانستان، باكستان، الجزائر وربما تمتد الي تركيا ومصر لاحقا) وابعاد الاراضي الامريكية والاوروبية عن دائرة نشاط تلك المجموعات. رابعا: ان المشروع الديمقراطي، فيما لو دعم، سوف يضعف الانظمة الصديقة، ويقوي نفوذ الاسلاميين، كما حدث في مصر وفلسطين والعراق، الامر الذي تعتبره واشنطن، مناقضا لاستراتيجيتها. خامسا: انها تسعي للتفرغ لتحديات أكبر، تتمثل بالتحول النووي في العديد من الدول الاسلامية، وذلك يقتضي التصدي لايران وباكستان علي وجه الخصوص، وهو امر لا يمكن تحقيقه في ظل الشد والجذب مع الانظمة الصديقة كالسعودية ومصر. سادسا: تشعر واشنطن ان مشروع التفتيت الطائفي في العراق لم يحقق الكثير، وان العالم الاسلامي لم ينقسم علي نفسه علي اسس الانتماء الطائفي برغم الجهود السرية من قبل اجهزة الاستخبارات الغربية والاسرائيلية لاذكاء الطائفية والتشطير المذهبي. وكما يقال، فرب ضارة نافعة. فظهور السياسة الامريكية علي وجهها الحقيقي، وتخلي واشنطن علنا عن المشروع الديمقراطي الذي خدرت به الكثيرين، قد يدفع الحركات الاسلامية ونشطاء الديمقراطية وحقوق الانسان لاعادة تقييم اوضاعهم، وانتهاج اساليب جديدة في النضال من اجل الاصلاح في بلدانهم. وفي الوقت نفسه فان هذا الطرح، ومبررات الدعم العسكري لمصر والسعودية و اسرائيل فيما لو قرأه النشطاء بدقة وحزم، سوف يؤدي الي حالة استقطاب جديدة أكثر جدوي للنشطاء الحقوقيين والديمقراطيين والاسلاميين. فقد بررت صفقات التسلح بانها تهدف لـ تقوية قوي الاعتدال ومواجهة قوي التطرف المتمثلة بايران وسورية وحزب الله. هذا في الوقت الذي لا يري فيه الرأي العام العربي ايا من هذه الاطراف، متطرفا. يقول السيد ضياء رشوان، الخبير بمركز الاهرام في القاهرة ان الدعم العسكري الامريكي مؤسس علي فهم خاطئ لطبيعة التهديد الاستراتيجي: ان الطرف الوحيد الذي يتحدث عن تهديد ايراني هم الاسرائيليون واللوبي الاسرائيلي. انه تنازل للنظرة الاسرائيلية، وليس نظرة امريكية واضحة. وبرغم تضخيم الخطر الايراني، سواء علي الصعيد النووي، ام علي صعيد التدخل في العراق، ام تهديد دول الخليج الاخري، فلن يستطيع الامريكيون تسويق رؤيتهم وتبريراتهم للرأي العام العربي والاسلامي. واذا كان استطلاع معهد بيو الاخير حول توجهات الرأي العام العربي والاسلامي تجاه العنف والاحتلال، قد كشف رفض المسلمين كليهما، مؤكدا غياب اية شعبية تذكر للسياسات الامريكية، فان الرئيس جورج بوش لم يفشل في احداث تأثير ايجابي في الموقف ازاء ادارته فحسب، بل جعل المسلمين أكثر تحسسا ورفضا لسياساته. وربما هذه الحقيقة اقنعته بعدم امكان مواءمة الموقفين الاسلامي والامريكي، وان من الافضل الحفاظ علي العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة من جهة والاسرائيليين وانظمة الحكم الاستبدادية من جهة اخري، فهذه الاستطلاعات تؤكد ليس فشل الامريكيين في التأثير علي المتطرفين فحسب، بل انهم لم يحققوا تقدما يذكر مع المعتدلين. انها عودة الي الحرب الباردة التي كان تحكم العلاقة بين واشنطن والرأي العام في العالم الاسلامي. حسابات واشنطن تقول لها ان ميزان الربح والخسارة لن يتغير كثيرا بالعودة لدعم الانظمة الاستبدادية في مصر والسعودية. لكنها تتجاهل ان استمرار حالة التوتر في العلاقات والتشكيك المتواصل في النوايا لا يمكن ان يبقي وضعا راهنا، بل انه مرشح للتغير، كما حدث في العقود الاخيرة، نحو الأسوأ، وان المصالح الامريكية ستكون مهددة من قبل عناصر يدفعها اليأس لاتخاذ اساليب العنف والمواجهة. لقد كان الاستبداد سيد الموقف منذ عقود، الا انه غير مرشح للاستمرار طويلا، وان الدعم الامريكي لهذا الاستبداد سوف يؤثر سلبا علي المصالح الامريكية علي المدي البعيد. فكما حدث في ايران، فقد كان الدعم الامريكي غير المحدود لنظام الشاه من اهم الاسباب التي ادت الي تدهور العلاقات مع ايران الثورة، وهو تدهور لم يتحسن حتي الآن. فهل هذا ما تريده امريكا في تعاملها مع شعوب العالم الاسلامي كلها؟ فمن اندونيسيا الي باكستان ومصر والجزائر والسودان، هناك خيط واحد يجمع مشاعر الشعوب، وهو الغضب ازاء السياسات الامريكية خصوصا في مجال دعمها للاحتلال الاسرائيلي وانظمة الحكم الاستبدادية. وقد جاء احتلال العراق ليزيد الوضع تعقيدا وليكرس الشعور السلبي تجاه واشنطن وحلفائها في المنطقة. لقد غرست رايس، مجددا، بذورا جديدة في حقل شائك من العلاقات المتوترة بين العالم الاسلامي والولايات المتحدة. أليس في هذا البلد الامريكي العملاق رجل رشيد يقدم النصيحة والمشورة لهذه الادارة بعدم جدوي الاعتماد علي فئات حاكمة صغيرة، فاقدة للشرعية وعازمة علي ممارسة كافة الشرور ضد شعوبها؟ أليس هناك من يهمس في أذني الرئيس بوش بالقول: كفي هذه المغامرات الصبيانية، ولتعد الولايات المتحدة الي رشدها وتتخلي عن دعم الظلم والديكتاتورية لان ذلك الدعم هو الطريق الي الهاوية؟ 9