للمصادفات أحكام قد لا تنفع معها، في حالات عديدة، طرائق تحكيم المنطق العام السائد، أو ربما المسيّد؛ كما حين تتزامن الانتخابات التشريعية الراهنة في العراق، مع رحيل ديك شيني نائب الرئيس الأمريكي الأسبق وأحد كبار مهندسي اجتياح العراق 2003. وعلى خلفية التزامن هذا مفيد، إذن، أن يعيد المرء استذكار أكاذيب شيني الكبرى الممهدة لغزو العراق: «ليس ثمة شك في أنّ صدّام حسين يملك اليوم أسلحة دمار شامل. ليس ثمة شك في أنه يكدسها لاستخدامها ضدّ أصدقائنا، وضدّ حلفائنا، وضدّنا نحن أيضاً».
ليس أقلّ فائدة، ولكنه في المقابل أوضح مغزى، أن تكدّس وقائعُ الانتخابات التشريعية مزيداً من البراهين على سلسلة من أبشع جرائم ذلك الغزو: إفقار العراق، البلد النفطي بامتياز، عبر أنساق لا حصر لها من النهب والفساد؛ وتمكين إيران من بسط نفوذ متعاظم مستدام، عبر ميليشيات وفصائل مذهبية تأتمر بإرادة المرشد الأعلى في طهران؛ وترسيخ أسباب الفرقة والتفتت والانقسامات، على أصعدة وطنية شتى…
وليس خافياً على أيّ مراقب نزيه أن يسجّل مقدار اختلاط الإحباط بالعزوف عن السياسة واليأس من الساسة في السلطة، وافتضاح هيمنة الفساد والإفساد على صناديق الاقتراع، واليقين المسبق حول أصناف اللائي والذين سيشغلون المقاعد الـ329 في البرلمان المقبل. كانت خمس جولات، إذْ هذه الدورة هي السادسة، كافية كي يتأكد المواطن العراقي أنّ من الغفلة، وقسط غير قليل من الحماقة، أن يعيد تجريب المجرَّب، أياً كان التغيّر وكيفما اتفق.
وفي عداد المساهمات الأحدث التي ترسم مشهد العراق الراهن عموماً، وذاك الذي سوف يتوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري خصوصاً؛ طلع جعفر الحسيني، الناطق العسكري باسم حزب الله العراقي، بتصريح يقول فيه: «للشيعة الوصاية الكاملة على العراق، شاء من شاء وأبى من أبى»، مذكّراً الجميع (خاصة «أحفاد آكلة الأكباد» كما قال، قاصداً سنّة العراق)، بأنّ الوصاية هنا هي لسلاح الحزب الذي لن يُنتزَع مطلقاً، لأنه «لم يصدأ» على غرار أسلحة أخرى لقوى أو فصائل من غير أهل الوصاية.
وقد يكون شيني غادر عالمنا قبل أن يُنقل إليه تصريح ناريّ مثل هذا، ولكن المؤكد في المقابل أنه أصغى ــ طويلاً ومراراً وعلى امتداد 22 سنة أعقبت اجتياح العراق ــ إلى تنويعات لا عدّ لها ولا حصر، تعيد إنتاج الخلاصة ذاتها: أنّ مشروع جورج بوش الابن/ ديك شيني في غزو هذا البلد، أسفر عن تسليمه لقمة سائغة إلى آيات الله في إيران. مؤكد كذلك أنه، وسيّده بوش وسائر رهط «المحافظين الجدد» مهندسي اجتياح العراق، راقبوا طويلاً أيضاً ما ارتكبه أحد رجالهم (نوري المالكي) من كوارث، قبيل انضوائه بدوره في صفّ المرشد الأعلى؛ وليس ابتداء بجرائم جيش مزوّر انسحب من الموصل وأسلمها من دون حرب إلى الخليفة البغدادي وجحافل «داعش».
من جانبها كانت شركة هالبرتن العملاقة، ذات الارتباطات الوثقى مع شيني، تواصل نهب عشرات المليارات من ثروات الشعب العراقي، ولسوف يكتشف الكونغرس، بعد شريط مايكل مور الوثائقي «فهرنهايت 11/9»، أنّ أكثر من 108,4 مليار دولار أمريكي دخلت خزائن الشركة التكساسية؛ بعضها، للمفارقة، كان يتوجب أن يغطي قسطاً من نفقات البنتاغون في العراق! ولأنّ المالكي كان مرتهناً لمعادلات حزبية وبرلمانية ومذهبية ضيقة ولاوطنية داخلية، وأخرى خارجية إيرانية؛ فإنّ ثقافة النهب التي دشّنها الاحتلال الامريكي للعراق تكاملت منطقياً، وسريعاً، على أيدي أتباع الاحتلال من ساسة العراق، وتتواصل اليوم.
للنهب وصايته، إذن، متعامدة تماماً مع التبعية والتشظي وفوضى السلاح ومساخر البرلمان؛ ثمّ جولة انتخابات تشريعية سادسة تجدد الوصاية؛ سواء صدأت البنادق أم تعالى أزيزُها.