من رمل أو طين: حمد الجاسر ورسائل النسب في الجزيرة العربية

أشار عدد من الأنثروبولوجيين في السنوات الأخيرة من أمثال ديل أيكلمان وهشام داوود إلى أن استمرار آليات النسب والقرابة القبلية ليومنا هذا، لا تعكس بالضرورة وجودا فاعلا للقبائل، أو دليلاً على دورها الواسع، فهذه المكونات، وعلى الرغم من استمرار بعض شبكاتها وصورها، إلا أنها في المقابل رضيت، كما يؤكد أيكلمان بدورها المكمل للدولة والملتصق بسياساتها. وربما الأمر ذاته هو الذي ينطبق على بلدان الخليج العربي، فمع بقاء البعد القبلي ماثلا في حياة هذه البلدان وطقوسها الرسمية، لكن بعض الدراسات والكتب أظهرت أن هذا الاستمرارية لا تعني بالأساس وجود هوية تاريخية قبلية عبر الأزل، وفشل هذه المجتمعات في تحقيق الحداثة، وإنما يأتي التركيز أحيانا على الطقوس القبلية، كردة فعل على الحداثة نفسها التي عرفتها غالبية بلدان الخليج، أو لأن اعتماد التقسيم القبلي غدا أكثر نجاعة لإدارة ملفات الدولة، مقارنة بالتقسيم المديني الواسع والمعقد.
ومن بين الكتب الأخيرة التي حاولت تفكيك صعود البعد القبلي في الحياة الرسمية الخليجية، كتاب الأنثروبولوجي الأمريكي ناداف سامين «من رمل أو طين.. الأنساب والانتماء القبلي في المملكة العربية السعودية» ترجمته فاطمة الشملان عن دار جداول. في هذا الكتاب، سينشغل سامين بالسؤال حول فكرة القبيلة والأنساب في السعودية، فهو يرى وخلافا لما درج من سرديات تقليدية، أنه مع بدايات القرن العشرين لم يكن الاهتمام بالنسب يشغل بال الحضريين من أبناء المدن السعودية، بينما يلاحظ مع السبعينيات من القرن المنصرم، تصاعد نزعة الاهتمام بتوثيق الأنساب لدى هؤلاء الأفراد، الأمر الذي يثير تساؤلات حول أسباب هذا التحول، ولماذا غدا النسب، وليس الهوية المدينية، هو ما يشغل بال هؤلاء الحضريين.
الجديد في هذا الكتاب، أن سامين لن يسير ويعيش مع القبائل، كما فعل غالب الأنثروبولوجيين الذي عرفتهم المملكة في القرنين الأخيرين مثل، دونالد كول، الذي عاش لسنوات طويلة مع قبيلة مرة، وإنما سيكشف عن ميدان آخر، يمكن من خلاله تتبع فكرة وتفاعلات الأنساب بين الأفراد السعوديين الحضريين، وهو الذي يتمثل بمئات الرسائل التي أرسلت للعلامة السعودي حمد الجاسر خلال ثلاثة عقود تقريبا وحفظت في مكتبته، وتدور جميعها حول مدى صحة نسب إحدى العائلات، أو تبحث عن نسبها الضائع، أو نسب الزوج أو الزوجة، ولذلك يمكن القول إن سامين هنا كشف عن وثائق أنثروبولوجية سعودية من نوع آخر.

لكن لماذا حمد الجاسر؟

هناك سؤال قد يطرحه غير المتابع لما كتبه الجاسر، وهو لماذا أرسلت كل هذه الرسائل له للاستفسار عن الأصول والبدايات العائلية والقبلية. هنا يبين سامين من خلال عودة وقراءة جديدة لسيرة الجاسر، التي خطها في «سوانح الذكريات» أن الأخير، وفي ظل تقلبات عديدة في حياته المهنية والفكرية، وبعد ابتعاد دام 13 عاما خارج السعودية، كان قد عاد للرياض في عام 1975، يومها بدت له المدينة كما ذكر في إحدى المقابلات، مدينة تعاني من مخاض النماء القهري، كما لاحظ أن «الأسر قد تفككت عندنا، وأصبح الشخص لا يجتمع بابنه أو قريبه إلا في السنة مرة» ولذلك ورغبة منه بترميم الصلات الأسرية والاجتماعية والفكرية، عكف على إعداد جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد، كما بدا له أن الرد على إثار الفورة النفطية الاجتماعية يكون من خلال الحفاظ على التوازنات بين القبليين، وغير القبليين الذين استفادوا من هذا التطور، كما أن هناك عاملا آخر يبدو أنه أثر في توجهاته تمثل بتولد قناعة لديه بضرورة التركيز على المعرفة المحلية، وأيضا تزايد الاهتمام في البلاد بالمرجعية النصية، عوضا عن السرد الشفهي في ظل الانفجار التعليمي الذي عرفته البلاد في الخمسينيات، وما أفرزته من ظهور نخب جماهيرية جديدة، بدت تميل لثقافة النصوص المكتوبة. انطلاقا من هذه الخلفية، يرى سامين أن الجاسر سيتزعم «الصحوة النسبية» في المملكة داخل تخوم منزله العالي في حي الورود شمال الرياض.

العلامة السعودي الراحل أحمد الجاسر

 

تظهر النظرة الأنثروبولوجية لرسائل مكتبة مجلة «العرب» وهي المجلة التي أسسسها في بيروت في عام 1966، وتحديدا تساؤلات الأنساب المبعوثة للجاسر كي يحكم خبرته، بأنها عالم مصغر عن سكان المملكة المتباينين. مئات الرسائل المرسلة من وزراء، وأشخاص عاديين، ونساء، وتساؤلات عن الزواج لتجار حجازيين، وشهادات شيوخ قبائل يصدقون انتماء أسر معينة لقبائلهم، ورسائل إلكترونية بعد وفاة حمد الجاسر موجهة الى مركز حمد الجاسر الثقافي، يطلب فيها الاعتراف بهم ضمن ملخصه للأنساب، وهكذا دواليك، وكانت الرسائل تصل من الرياض، مكة، المدينة، الطائف وباقي المدن والبلدات السعودية.

الأنساب والوهابية

وعودة لفكرة سامين الأساسية حول أن هذا الشغف بالأنساب ليس نابعا عن موقف، أو اهتمام مجتمعي أزلي، بل جراء تطورات جديدة عرفتها المدن السعودية، يعود لتفحص فكرة الاهتمام بالنسب في القرنين التاسع عشر وحتى الثلاثينيات من القرن العشرين. نلاحظ من خلال دراسته للمصادر النجدية، أن التاريخ يزخر بمعلومات نسبية عن الأمراء، القبائل، علماء الدين، وأن مؤرخين كابن غنام، وابن بشر، غالبا ما اعترفوا بأولئك الذين حظوا بدرجة ما من البروز، وبذلك يمكن دمجهم كغرماء أو أعضاء طبقة موالية خلال تقدم نفوذ السعوديين، في حين نجد فئة اجتماعية غائبة من التأريخ وهم البدو، فهم يقعون بالأغلب في خلفية السرد التاريخي الرسمي لمنطقة نجد، ويظهرون فقط كمجندين أو تبع في المصادمات النجدية المحلية، ولذا أقصى المؤرخون العرب الأنساب البدوية، ولم تجر ملاحظة إلا أولئك الذين يستحقون التوثيق التاريخي، أي الشيوخ البدو الذين قادوا المحاربين لمعركة مع أو ضد قاطني البلدات.
المفارقة في هذا السياق، أن الرحالة الغربيين كانوا أكثر انشغالا بسؤال الأنساب مما يملكه النجديون، فقد لاحظ موسيل مثلا أن البدوي يحافظ على المعرفة الأولية بانحداره النسبي إلى جد جده، وإلى ابن عمه من الدرجة الثانية، وهو ما يعني أن معرفة الأنساب لدى البدو بقيت معرفة عملية، وتركز على جمع القرابة الحية والأجداد المتوفين حديثا المتعرف عليهم بشكل محدود، خلافا مثلا لما نراه اليوم من رغبة برسم رابط مع الأسلاف الأسطوريين، يضاف إلى ذلك أن الوهابية ومنذ القرن التاسع عشر كانت ترى مشروعها يقوم على تهذيب البدو عبر الثقافة النصية، كما نظرت للتاريخ بشكل مختلف، إذ يلمح ابن بشر مثلا إلى انشطار الزمن لـ«قبل الوهابية» و«بعد وهابية» كما نظر ابن عبد الوهاب للتحضر بوصفه مرادفا لحياة أخلاقية، فإن تكون حضريا يعني أن تكون متقبلا لكتاب الله، وأن تقبل بأن تعاليمه خيرة وحكيمة، وانطلاقا من هذه القراءة نلاحظ أن فكرة الأنساب قد تراجعت مع بدايات القرن العشرين لصالح تقسيم آخر للماضي (الزمن الوهابي) أو حتى لصالح أبناء الحضر الذين تحسنت أعمالهم في ظل توسع المدن واستقرارها.

لكن لماذا عادت الصحوة النسبية؟

يكمل سامين بحثه في قصص هذه الرسائل، وأصحابها، لنكتشف معه في كل محطة أن هناك سببا أعمق من قدوم الصحوة النسبية التي جاءت بها كتابات ومؤلفات الجاسر، فهؤلاء الحضريون كما سنرى من خلال سرد قصصهم، لم يعكسوا فحسب موقفا قلقا من الحداثة المفرطة، وفق تعبير مارك أوجيه، بل جاءت رسائلهم أحيانا انعكاسا للفضاء السياسي السعودي، خلال الفترة الممتدة بين الستينيات إلى التسعينيات من القرن الفائت، وهو فضاء بدا أنه يثني على الشبكات النسبية، ويعزز منها، ويساهم في تقديم الدعم لها بأشكال عديدة.
لتوضيح هذه الفكرة، يعتمد المؤلف على وثائق حكومية تعود لعام 1933، التي تبين أن البدو بمعظمهم كانوا معفيين من حمل أوراق تعريفية، لأن التابعية (بطاقة التعريف) كثيرا ما كانت تشبه ببطاقة تدعو للتمدن، ولذلك بقي استخدامها شحيحا في المناطق النائية. مع فترة الستينيات، كانت التطورات تدفع إلى اختلاق نظام للشؤون الاجتماعية فسيح للحد من الحركات الشعبية الموالية لجمال عبد الناصر، التي كانت تتكتل داخل المملكة منذ الخمسينيات، فقد بدا لوزارة الداخلية أن تنظيم وتصنيف السكان من خلال الأعراف القبلية، يبقى أكثر نجاعة على مستوى الضبط، كما أن الهجرة الصامتة والطوعية لمئات الآلاف من البدو إلى أطراف المدن والبلدات في النصف الثاني من القرن، هي التي شكلت التغيير الأكثر راديكالية، وقد أشعلت هذه الهجرة للبدو شرارة البداية لنهاية التعايش القبلي، كما أنها أعادت تركيب الأدوار، إذ أخذ شيوخ البدو يتحولون ببطء من شيوخ قبائل إلى رجال بلاط ملكي، فالوجاهة التي تعلقت بكونهم سادة مستقلين استعيض عنها بوجاهة الحضور والدعم المالي والمناصب الرسمية، ولعل هذا التطور هو الذي يفسر انتقال العديد من الشيوخ إلى الرياض في هذه الفترة، خاصة أن الاعتراف بهم كزعماء بدا سبيلا مؤكدا للإعانة من قبل الحكومة.
ترافق هذا التطور مع فكرة جديدة للبطاقة، أو التابعية من خلال تركيبة الاسم الرباعي، المحتوية على الاسم الأول واسم الاب واسم الجد واسم القبيلة، وهو ما سيعني تحول الأنساب إلى جزء من سياسات الحكم والضبط. وبذلك غدت قبيلة الفرد، وليس المدينة أو المهنة هي واجهة الهوية العامة. كما حصل تطور ساهم في زيادة ثقافة الأنساب، ففي عام 1964 باشرت وزارة الداخلية بتعيين موظفين «عرفاء» ممن لهم دراية وإلمام واسع بالقبائل، وقد شكل هؤلاء لجان التعريف، لكن دورهم لن يتوقف هذا الدور، بل غدوا مع نهاية التسعينيات يتدخلون في خطط استيراد العمالة وغيرها من الأعمال التجارية، ما ساهم في زيادة قوتهم في الاقتصاد السعودي الجديد، وبذلك نلاحظ كيف ساهمت السياسات الحكومية في تضخيم صدى أخلاق القبلية النسبية في الحياة المدنية السعودية خلال القرن الماضي، وهو ما عزز ودفع مشروع الجاسر القبلي، ليغدو المشروع الأكثر شهرة له، مع أنه كما ذكر رحمه الله لم يكن الأهم في مسيرته الموسوعية الغنية.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية