الناصرة ـ «القدس العربي»: أعادت «صفقة القرن» شاعر العامية الفلسطيني المعروف سعود الأسدي للمربع الأول للنكبة الفلسطينية التي صعقت طفولته وما زالت ندوبها النفسية داخله.
بحنين وانفعال شديدين يستذكر شاعر الفصحى والقصيدة العامية سعود الأسدي فصلا من روايات التغريبة الفلسطينية وحكايته مع الشعر .
يروي سعود الأسدي (83 عاما) المقيم اليوم في مدينة الناصرة لـ «القدس العربي» كيف حولته قصيدة أرسلها له والده الشاعر الشعبي الراحل محمد أبو السعود الأسدي من معتقل عتليت حينما كان قيد الأسر الإسرائيلي عام 48 إلى شاعر.
في بلدته مسقط رأسه دير الأسد في الجليل حيث «موطن ذكرى الحبيب والمنزل» فاض ينبوع الشاعر سعود الأسدي قصصاً وقصائد ونوادر اختزنتها ذاكرته منذ عقود ولا تزال «طرية ندية « ينتقيها ويقدّمها لسامعه بمتعة كبيرة كأنه يستذكر حبّه الأول رغم تجاوزه الثمانين من عمره.
ويقول الأسدي إن قوات الاحتلال (الهاغاناه) دخلت قريته، دير الأسد من جهة وجمعت أهل القريتين الجارتين دير الأسد والبعنة من الكبير للصغير «لـ المقمّط بالسرير» بجانب المسجد القديم في حاكورة أبو محمد قاسم رشيد ، وضربوا حولهم أسلاكاً شائكة وحذّروهم بمكبر الصوت : أن كل من يهرب يطلق عليه النار. ويشير الأسدي إلى أن عساكر الهاغاناه نسفت في ذاك اليوم دارين في دير الأسد فدوّى صوت التفجير وتردّد صداه في جبل الدير ومغاوره ووصل العجاج عنان السماء فشعر الناس وكأن السماء قد أطبقت على الأرض مما أثار الرعب في نفوس الناس خاصة النساء والأطفال. وينوه الأسدي إلى قيام المحتلين الصهاينة بفصل الرجال عن النساء والأطفال، فاقتادوهم في طابور سيراً على الأقدام ، وسارت مصفحات الجيش من أمامهم وخلفهم ومدافعها الرشّاشة مولّفة لإطلاق النار على من يحاول الهرب.
ونقلا عن والده يشير الأسدي إلى أن الطابور سار على الأقدام نزولا من شارع القرية الترابي إلى الشارع السلطاني العام شارع عكا ـ صفد نحو قرية الرامة، لافتا إلى قيام الجنود بقتل أربعة شباب قبيل مطالبة الأهالي بالنزوح إلى لبنان.
ويتابع «كانت زوجة قاسم أبو زيد الأسدي، قد شاهدت وهي في بيتها المحاذي للطريق عملية القتل من شقّ النافذة ولما سمع الناس إطلاق النار بالأسلحة الأوتوماتيكية أيقنوا أن الشباب الأربعة قد قتلوا فدبّ فيهم الفزع والهلع، وبعدها أمر الجيش الناس أن يهجوا وينصرفوا إلى لبنان بعد اعتقال الكثير من الرجال».
ويشير الأسدي إلى أنه وأخاه أمين كانا في ذاك اليوم يمكثان في أرض لهما حينما جاءهما جدهما حميّد وناداهما من مكان مرتفع عقب قتل الشباب الأربعة واعتقال العشرات وتهجير الآخرين. ويضيف «نهضنا إليه وروى لنا ما حدث، فأحسسنا بصدمة مريعة ولم ننبس بكلمة وتبعناه إلى الجبل لنلتقي بالنازحين إلى جهة الشمال، ولكن أمي لم تكن تعلم أن جدي سبقها لمناداتنا فأتت هي من جهة أخرى ولما رأتها المصفحة الإسرائيلية من بعيد انثنت وهمت باللحاق بها وكانت أمي تحمل على خصرها أخي فيصل وكان الرصاص يتناثر من حولها وعلى جانبيها فألقت بنفسها في حفرة عميقة وغطت رأسها والطفل بنبتة شائكة (بلانة) كانت مقلوعة وكأنما كانت الحفرة والنبتة المقلوعة معدّتين بعناية ربّانية لستر أمي وأخي فلا تكشفهما المصفّحة».
ويستذكر الأسدي أن أهالي قرية يركا المجاورة من بني معروف قد حضروا ليلاً للسؤال عن أصدقائهم الراحلين من دير الأسد منهم الشيخ سليمان غبيش ( أبو نوّاف ) الذي جاء ليسأل عن جدّه حميّد الأسدي. ويضيف «وجدنا مفترشين التراب فأخذ يبكي على ما أصابنا ومنعنا من النزوح إلى لبنان وأخذنا جميعا إلى يركا وآوانا في بيته ريثما تروق الحالة وتستتب الأمور».
ويوضح الأسدي أن دير الأسد أصبحت خالية خاوية إلا من الدجاج السائب والكلاب المتضورة العاوية والحيوانات الجائعة المشرّدة، لافتا إلى أن بعض الأهل كانوا يتسللون إلى القرية ليلا ليأتوا بالحبوب من قمح وعدس وذرة وبرغل وتين مجفّف من أجل القوت. ويشير الشاعر الزجال إلى أنه وأسرته انتظروا خبر الأسرى الذين اعتقلتهم سلطات الاحتلال فور احتلال البلدة كما في بقية البلدات العربية الفلسطينية ثلاثة شهور إلى أن نادى ناطور القرية سعيد بكرية في أحد الأيام: «يا اهل البلد أجت مكاتيب من الأسرى بواسطة الصليب الأحمر».
ويستذكر الأسدي الذي كان في العاشرة من عمره وقتذاك كيف ركض حافيا وركض الكثيرون من الأطفال حفاة إلى بيت عمه أبو جبر قاسم الحسين وحاز على رسالة والده «فتناولتها وكان رأسي يسبق قدميّ إلى البيت» . وفور بلوغه البيت راح يقرأ فيما فاضت دموع جده وأمه وهو يلقي رسالة أبيه الشعرية بعد المقدمة النثرية المطوّلة من التحية والسلام والسؤال عن الأقارب والأصحاب مطلعها
حـنَّ الفؤادُ لرؤيــةِ الأولادِ فبكيتُ أهلي والحمى وبلادي
وطفقتُ في حكْمِ الأسيرِ مغرّداً بالهجـرِ والتقييـدِ والإبعـادِ
وبعد الإفراج عن الأسرى في ربيع 1949 بادره والده بالسؤال خلال استقبال المهنئين من الأقارب والحيران عن القصيدة وسائر الرسائل التي أرسلها من المعتقل فأجاب بأنه لا لزوم لاستحضارها من مخبئها في خزانة والده،» لقد حفظتها عن ظهر قلب». قال مستذكرا القصيدة بلهجة مفعمة بالحنين والاعتداد.
ويشير الأسدي الى أن والده سأله بلغته المحكية: ليش ما ردّيت علي بقصيدة ؟! ولفت إلى أنه لم يجد جوابا ولاذ بالصمت خجلاً، موضحا أنه لا علم له بالشعر يومها. وأضاف «ولكن كلمة والدي ظلت تلازمني وتقرع خزان ذاكرتي بين فترة وأخرى وما لبث أن أشرق وجهه غبطة واعتداداً وقال ضاحكاً : نعم لقد أحسست يومها أن شاعراً ولد في داخلي وعليّ أن أتعهده .
ويقول الأسدي إنه بدأ بقرض الشعر فور اشتداد ساعده حتى فاجأ والده في عام 1978 لا بقصيدة بل بديوان كامل «أغاني من الجليل»، وهو أول ديوان شعر في فلسطين باللغة المحكية أو الزجلية. وأضاف « فقال أبي بدهشة لم تنس الموضوع يا سعود منذ 1948.. طوّلت عليّ بالردّ يا سعود ! فقلت: خير لك ولي أن أردّ بديوان من أن أردّ بقصيدة» .
سعود الأسدي الذي تستفزه تسمية البعض له « أبنودي فلسطين « لأنه يرفض تقليد أي شاعر، يوضح أن والده كان شاعرا شعبيا يقرأ الكتب وخاصة الشعر وفي رمضان يختم القرآن ويجوّده، لافتا إلى أن أولاده اعتبروه معجمًا لمفردات القرآن وآياته حتى كان يعلم أين ترد كل آية في أيّ سورة . حينما لاحظ الأسدي باسترعاء مكتبة والده العامرة بالكتب القيمة النادرة لانتباهنا علق أبو تميم قائلا» أنشأنا والدي على حب شعر المتنبي حتى صار لنا صديقا وزرع احترامنا الكبير لأبو العلاء المعري فأضحى شقيقنا ، فهذا المأمون أخي ينام وديوان اللزوميات إلى جانبه».
واستكمالاً لرواية التغريبة الفلسطينية هذه تؤكد روايات الأسرى أن أبا السعود كان في معسكر عتليت عام 48 شاعر الأسر ومؤذّنه وإمامه، وقد أُعفِيَ من الخروج إلى العمل مع الأسرى نهاراً لكي يؤذّن ويقيم الصلاة للأسرى العاجزين عن العمل، وكان هو وشقيقه قاسم (أبو غازي) يتحاوران بالزجل غناءً للأسرى ليلاً لتخفيف المعاناة داخل الأسر.