من رواية التاريخ الي أُقصوصته!!
خيري منصور من رواية التاريخ الي أُقصوصته!!اذا كانت تلك الرواية العظمي للتاريخ قد حملت اسم قصة الحضارة، كتوأم لما سماه المؤلف نفسه ويل ديورانت قصة الفلسفة، فان الملخص الذي اعده ديورانت قبيل رحيله للتاريخ هو أقصوصة الحضارة. وتلك واحدة من المرات النادرة التي يتولي بها المؤلف اختزال مشروع كبير، وما كان يحدث هو ان يتولي محترفون مثل هذا الاختزال، سواء بهدف التبسيط المدرسي او بهدف تقديم خلاصات تليق بما يسمي جزافا عصر السرعة.وقد ينطبق علي ملفات ديورانت ما قيل قبل عقدين من الزمن عن روايات من طراز الحرب والسلام لتولستوي او الاخوة كرامازوف لديستويفسكي، حيث شاع بين القراء ان مثل هذه الاسفار تتطلب فراغا لم يعد متاحا للبشر، اللهم الا اذا قرروا التفرغ للاقامة في السرير كما علق احد الساخرين ليقرأوا الروايات فقط!وقد يكون عنوان قصة او أقصوصة علي الحضارة والفلسفة هو بحد ذاته تبسيط، يقصد منه اجتذاب القارئ العادي، لكن بشباك أخري غير تلك التي تحدثت عنها فرجينيا وولف في كتابها الشهير القارئ العادي .فالقصة تعد قارئها بسرد لا يتطلب منه تحليلا او مشاركة، وقد ينصرف ذهن بعض القراء الي الامتاع، وتزجية الوقت، واذا صح هذا الي حد ما مع التاريخ… فانه يصبح أكثر تعقيدا مع الفلسفات، وان كان ويل ديورانت قد امتاز كمؤرخ باسلوب شائق، يقدم افلاطون مثلا كبطل روائي فيما يلعب الحواريون دور الكومبارس او الشخوص الثانويين الذين يتم استخدامهم كأبواق فقط!واخطر ما في تحويل التاريخ الي قصة، ومن ثم الي اقصوصة، هو اشباع فضول القارئ وارضاء خياله بوجبة سريعة، بحيث تصبح الحياة الذاتية لبطل او فيلسوف مجرد سيرة عابرة لزواج وطلاق او لتفاصيل حياتية منقطعة عن الجذور المعرفية والهواجس !وان كان لي ان اعقد مقارنة اولية بين قصة الحضارة ذات المجلدات العديدة وبين اقصوصتها المترجمة حديثا الي العربية، فليكن المدخل تجربة قرائية شخصية.في التجربة الاولي، وهي قراءة قصة الحضارة، وعند الاعلان عن صدورها مترجمة الي العربية كان يصعب علي امثالنا اقتناؤها، لهذا سارع السنوبيون الي ملء رفوف البيوت الانيقة بها، أو تزيين مدفأة الحائط بمجلداتها الانيقة/ ويعود الفضل بالنسبة لي كقارئ الي برنامج تلفزيوني، كان يقدم لضيوفه هدايا من الكتب بدل المال، وظفرت بمجلدات تلك القصة الطويلة قبل ثلاثين عاما، مما أتاح لي أن أقرأها… وكان الفراغ وعافية الروح وبراءة الاسئلة تعين جيلنا علي تحقيق مثل هذه الرغائب التي تبدو الان بالغة الصعوبة!لهذا لا أجد حرجا لدي مقارنة القصة بالأقصوصة عند تعلقهما بمؤرخ كبير مثل ويل ديورانت في القول بأن الاقصوصة نتفت ريش القصة كما يحدث لطاووس مثلا، او انها أجرت جراحة اختزالية أودت بوقائع وتحليلات وتفاصيل، فالتاريخ ليس قابلا للاختصار الا اذا كانت حياة الانسان نفسه قابلة لهذا.. بحيث يقال ان فلانا ولد وحبا وسعي ومات…هذا بالاضافة الي ان بعض المؤرخين تجتذبهم مهنة غالبا ما تدرك المشتغلين فيها في خريفهم، وهي استرضاء الذائقة العامة، والميل الي شخصنة التاريخ والوقائع، بحيث يبدو التاريخ برمته سِيَراً لأبطال، وكل ما عداهم مجرد اصداء لهم، او تكريس لاستثنائيتهم، وكانت هذه الاشكالية المتعلقة بالتاريخ، وما اذا كان حصادا لمغامرات ابطال او ذا نواميس وقوانين تحكمه مثارا لمساجلات لا حصر لها بين المشتغلين في مهنة التأريخ…ومنهم من رأي ان البطل مجرد يافطة علي حدث وأن افرازه كان يحتاج الي قابلة فقط، كي تستولده من الرحم وتسميه!لكن مؤرخا آخر من سلالة ديورانت كان قد ألف كتابا طريفا بعنوان (لو) ملأه بالاسئلة من طراز ما الذي كان سيحدث لو ان كارل ماركس مات طفلا بالحصبة الالمانية!وما الذي كان سيحدث لو ان ونستون تشرشل دهسته سيارة وهو في العاشرة من العمر، او ما الذي كا سيؤول اليه التاريخ الفرنسي المعاصر لو ان الفلاحين الفرنسيين لم يقبضوا علي آخر لويس من اسرة بوربون مع زوجته؟ومن حق اي قارئ ان يجيب علي هذه الاسئلة كما يشاء، لكن الاجابات ستكون محكومة بل مشروطة بمستوي الوعي، والاحاطة بسياقات تاريخية تتجاوز السِير الذاتية او الموضوعية لمن يسمون ابطال التاريخ ، وغالبا ما تروج كتب التاريخ الحكائي والمؤسطر في أزمنة يسود فيها الاحساس بعدمية غامضة قد لا يستشعرها ويدركها الا أفراد قلائل في أزمنة كهذه يصبح البطل الغائب مطلبا وطنيا ومعرفيا للخلاص، بحيث يتم التعويل علي قدراته الفذة والاستثنائية التي لا يمتلكها القطيع، لهذا تتجه الاشواق الشعبية الي أحد مصدرين لابتكار الابطال، الاول هو المقابر والثاني هو المهود…ابطال المقابر هم غابرون يسود الاعتقاد لدي ورثتهم بأنهم رحلوا قبل الاوان، وان الحاجة الي امثالهم قد أصبحت ماسة في فراغ شامل وبطالة تاريخية تشل الارادة !اما أبطال المهود فهم القادمون من المستقبل، والذين يتولي الخيال تلفيقهم من حكايات مبعثرة في الذاكرة. لأن الخيال في نهاية المطاف هو ذاكرة أخري لكن اعيد انتاجها واضيفت اليها مساحيق تجميل، ونبتت لها أجنحة، حتي لو كانت من السلالات الزواحفية!نذكر علي سبيل المثال ان كتاب كارلايل عن الابطال في التاريخ تحول الي انجيل شعبي في فترة ما، ولم تعد الوقائع هي المهمة بل من أحدثوها واقترنت بأسمائهم، وقد نجد استشهادات لا حصر لها بكتاب كارلايل خصوصا في الثقافة العربية، لأنه أنصف أبطالا من التراث العربي ـ الاسلامي .وبهذا المقياس غدت معظم الكتب المتعلقة بالتاريخ في النصف الثاني من القرن العشرين وكأنها سِيَر ذاتية للرباعي الباترياركي المؤلف من موسوليني وهتلر وستالين وديغول، مما دفع مؤرخا الي القول عشية رحيل ديغول بأن عصر الأبطال قد ولي الي الأبد!من جانب آخر، لعله الجانب المهمل والمسكوت عنه في الثقافة الرائجة، انتقل المؤرخ الكلاسيكي من موقع السارد والراوي الي موقع المحلل، وهذا ما يسمي فلسفة التاريخ، علي سبيل التفريق بين اتجاهين أحدهما غنائي الرؤي، وأفقي، والآخر مركب، وبانورامي… وكان المستشرق غرونباوم قد تنبه الي ظاهرة ما يسمي المؤرخ الغنائي في قراءته لبعض المؤرخين العرب ومنهم ابن الاثير.. وان كان ابن اياس في بدائع الزهور قد اوغل في هذه الغنائية، بحيث يجدر ان يكون الامثولة وليس المثال فقط!الغنائية اندفاع منفعل وراء الواقعة، وعزف متكرر علي الوتر ذاته، بحيث ينسي المؤرخ السياق الحدثي الذي يرصده، ويجد نفسه مستطردا في اضافة انفعالاته ورغائبه واسقاطاته علي حدث بعينه!وهنا نتذكر اطروحة فريدة في مجال التاريخ وشجونه، فقد تساءل مؤرخ حديث عن تاريخ التاريخ… قائلا ان الناس عبر اجيالهم المتعاقبة يروون حكاية التاريخ، فمتي يتولي هو رواية روايته ؟وحقيقة الامر ان هذا السؤال يعود الي اسطورة سادت زمنا عن عجوز تقمصت التاريخ وقررت اعادة الاعتبار اليه، لأنه متعدد بعدد المؤرخين، وهذا أمر معروف، خصوصا اذا تذكرنا بأن هناك اكثر من ثلاثين بسمارك وخمسين هتلر وعشرة ستالينات، فمن كتبوا عن هؤلاء لم يغرفوا من نبع واحد، ومنهم من برأ ومنهم من أدان، بحث اصبحت مقولة برنارد شو الشهيرة عن المسيح بأنه ليس مسيحيا قابلة للتأويل، فماركس ليس ماركسيا وناصر ليس ناصريا وديغول ليس ديغوليا…وبالعودة الي اقصوصة ديورانت، التي تختزل القصة الكبري، فان المحذوف بممحاة المؤرخ ذاته اضعاف ما تبقي، والخطورة هنا هي في الانتقاء، وما يحب حذفه وإبقاءه، وان كان من حق قارئ ما ان يتساءل: اذا كانت الأقصوصة تكفي فلماذا كانت القصة ومن قبلها الرواية كلها؟وان كان الفارق بين اختزال يقوم به المؤلف واختزالات المحترفين يبقي جوهريا، الا ان الخسائر قد لا تتفاوت كثيرا، وقد عرف عصرنا الحديث تجارب من طراز تجربة دار النشر رد بوك حاولت تقديم ملخصات لأهم روايات القرنين التاسع عشر والعشرين، وكان القاص والروائي الفرنسي سومرست موم قد احترف الاختزال في مرحلة ما من مراحل حياته، وان كان هناك من سخر من تلك المحاولة، فقد علق كاتب فرنسي علي محاولات (موم) تلك قائلا انها تعود عليه بعشرين فرنكا في الدقيقة الواحدة !!!ان بامكان من يشكون من ضيق الوقت ان يقرأوا الصفحات القليلة التي يتكون منها البيان الشيــــوعي مثلا، ويقولوا بعد ذلك انهم ليسوا بحاجة الي قراءة كتاب رأس المال…وبامكان من لا يســـــعفهم الفراغ الكافي ان يقرأوا كلمة الناشر علي غلاف رواية الزمن الضائع لمارسيل بروست ويكتفوا بذلك..ان الزعم الدائم بأن عصرنا هو عصر السرعة والاختزال، هو دفاع عن كسل ذهني، وما يسمي حرق المراحل لا يليق علي الاطلاق بمسألتين جوهريتين في التجربة البشرية، الاولي روحية معرفية تتعلق بالابداع، والاخري تتعلق بالديموقراطيات ونموها عبر تربويات وثقافات.واذا قبلنا بفلسفة الاختزال، فان علينا ان ننتظر جراحات موسيقية لسيمفونيات، وتحويل فهود الروايات الي قطط…وأسوأ ما تفعله ازمنة الانحطاط هو افقار الماضي بالاستلاف الدائم منه، واحيانا التمدد السرطاني الي المستقبل لمصادرته واجهاضه!ويبدو اننا بعد عدة ألفيات من ابطال الاغريق القدماء ومن تلك النقوش علي رخام اضرحتهم بحاجة الي اعادة تعريف مفهوم التاريخ… ومن هو البطل؟0