من رواية الشّذوذ إلي الرّواية الشاذّة

حجم الخط
0

محمّد خريّف

لم يكن الإبداع في السّرديّات مجرّد وهم أو إيهام بالابتكار في غير ابتكار سعيا في دغدغة مشاعر المتلقّي باعتماد أساليب في التّأثير مطروقة قد يكون القارئ الكسول في غني عن معرفة اصحابها الّذين يشهد لهم بالريادة والسبق. ولعل قراء بعض الآثار الموسومة حاليا بالحداثة المفرطة في التّطريب بواسطة اللّعب علي أوتار الجنس ينبهرون بما يقرؤون باللّغة العربيّة أو غيرها من اللغات الأجنبية غير مدركين أو متجاهلين أن النصوص الأبكار التي يحملون لواءها لا تعني شيئا ذا بال أمام نصوص أخري سبقت في الزّمان والمكان ولكنها لا تزال مستقبليّة لأنها من تجربة الوجود الفعليّ. من هذه النصوص بالإضافة إلي نصّ سرفنتس دون كيشوت Don quichoe Cervantٹs الشّهير نصوص صاد Sade السّرديّة المستقبلية التي لا تزال ميدانا فاتنا بالقراءة وإعادة القراءة والكتابة وإعادة الكتابة أو كتابة الكتابة فيتخلخل مفهوم الصّادّيّة Le sadisme الذي تكلّس مفهوما للدّلالة علي الرغبة في القتل وتعذيب الغير فقتلت المفاهيم الأخري الممكنة الدالة علي فرض لغة الطبيعة ولغة الحياة مما يجعل كتب صاد الين وفلكور Aline et Valcour وجرائم الحبّ Les crimes de l’amour أعمالا رائدة مبطلة زعم مدّعي الأمارة في مملكة الرّواية الحديثة وغيرهم من أنصار موجة التّرويج بالجنس وضروب التّهييج الشبقيّ كما هي مبطلة زعم تطاول الثّقافة الإنسانيّة في مراحلها المختلفة علي ثقافة الطّبيعة دون أن ينحاز إلي تصنيف عرقيّ أو مذهبيّ أو حتّي دينيّ وهذا ما يجعل قراءة كتابات صاد تغني عن قراءة عمّا يحاكيها أو لم يتجاوزها شكلا ومضمونا.. وليست كتابة ما بعد الحداثة رواية شذوذ أو قصة سير قد يشترك فيها الناس جميعهم بل هي رواية شاذة شذوذها في نحتها لغتها ومعمارها بشكل شاذ أو مختلف يكون ناحتها مندمجا فيها لا شاهدا عليها أو شاهدة عليه صاد في رواية جوستين Justine رحلة الطّبيعة ترابا وسماء وماء في أضدادها في خيرها اللازم لشرّها وشرّها اللاّزم لخيرها محلّلا علاقة هذه الطّبيعة التي لم تؤمر ليخلقها إله ليست في حاجة ليخلقها ومنطقها يتنافي ومنطق الخلق وما الخلق الا حيلة ركن إليها الإنسان ليواجه خيبته وضعفه ـ استأنفت هذه المرآة الغريبة اعتقد انّه لو كان هناك إله لكان هناك شرّ قليل في الأرض واعتقد أنّ هذا الشرّ إذا ما وجد فيها وهي بما فيها من ضروب الفوضي فان ترتيبه يعاد بفضل هذا الله فنكون حينئذ أمام كائن بربريّ………. اهو كائن يثير الرّعب كائن احيّي فيه عنف الصّاعقة واحتقار القوانين ص311. بهذه اللّغة الجريئة لغة موسيقي السّرد السّارية علي الانا لسان الرّاوي المتسرّب في أسمائه المستعارة مثل تيريز ولاديبوا وفويبيس ورودن ودي جورنوند الشخصيات المتحكمة في النص بفعل طبيعتها المجبولة علي الانحراف في ابشع مظاهره.

الرّاوي ناحت بل راسم شخصياته في أدقّ ملامحها رسما مرعبا رعب الانتشاء لا شيء يرعب مثل وجهه وطول انفه وضخامة ظلمة ملامحه…… ص 230. والرّسم الفاتن للبشاعة عند صاد يعادل رسم الرومانسيين للحـــــسن ضالّته الجريمة لا غير والتهديم تهديم الاخر وبذلك يحصل التّوازن ينبغي للتّوازن أن يحفظ ولا يمكـــــنه أن يكون إلا بالجرائم.

فالجــرائم إذن تخدم الطّبيعة فهي إذ ما خدمتها أو حتمتـــــها أو رغبت فيها اهانتها ومن يقدر علي أن يهان إذا ما لم تكن هي ذاته.. ص 104 . لذا يقول الرّاوي لكن المخلوق الذي سأدمّره هو عمّتي.. ص104 لذلك انبنت الصّاديّة في هذا الكتاب علي تدمير الأقارب وخاصّة الأمّ ذلك الكائن الّذي حملني في احضانه مما يجعل كره الأمّ أمرا ثابتا عند صاد جاء معبّرا عنها في الهامش علي لسان صاد نفسه ليس دم الام هو الذي يكوّن الطفل وإنّما هو دم الاب ص105. بهذا المنطق الشاذّ يبحر صاد في غمار اللّذّة الممنوعة ثقافيّا فتجرّب شخوصة لذّة الانحراف الجنسيّ في أبشع مظاهره فتدور الاحداث وترسم المشاهد داخل الدير ومعابد النساك حيث لا قوّة تضمن الحفاظ علي الفضيلة 160. ولا مجال للشّفقة التي تستر الطبيعة فالمرأة الضحيّة يجب أن تكون عارية في دقيقة واحدة فيقول فيها سيّدها الأعلي مجيلا اصابعه علي كليتيها ـ ها هي مخلوقة حسناء اطلب من الله أن يسحقني إذا ما لم أر البتّة أخري أحسن منها خلقا. يواصل هذا النّاسك قائلا: أحبتي لنضبط سلوكنا انتم تعرفون عبارات التّرحاب عندنا عليها أن تقوم بها كلّها دون ان تستثني واحدة منها في حين تكون في هذا الوقت النساء الثماني الأخريات حولنا للتّكّهن بالحاجات أو بإثارتها. وسرعان ما تكوّن حلقة أوضع في وسطها وهناك مدّة أكثر من ساعتين فأكون موضوع تأمل النّسّاك الأربعة واهتمامهم ولمسهم فيمتحنني كل واحد بدوره سواء بالمدح أو الذّمّ… ص161. بهذا الضّرب من السّرد الرّوائيّ المحيل إلي صور مرعبة تجعل الشّخصيّة وهي تمارس العشق شبيهة بالنمر الذي ينهش فريسته وكل منّا يعمل علي ان يحقّق له متعته المحبّذة.. ص162. وتتكلّم الفريسة أو الضّحيّة في خضمّ الحمّي حمّي الافتراس والاغتصاب وتنهمر دموعي فينهشها ويقبل بالتّناوب ويهدّد لكنّه يواصل الجلد عند علاج واحدة من النساء تهيّجه راكعة أمامه بإحدي يديها تعمل فيه بصفة متنوّعة فكلّما كان عملها أنجع كان للجلدات التي تصيبني عنف اشدّ…. ص163. ومشاهد الانحراف الجنسيّ تتمّ في لهيب الممارسة بين النّساك وضحاياهم من النّساء والرّجال والأطفال وبين الذّكور والذّكور والإناث والإناث وبين الأخت والأخ والأب والبنت وهكذا دواليك وهي مشاهد تشرّعها الطّبيعة بعيدا عن قوانين الأخلاق وثقافة الأديان وكأنّي بصاد يعلن مواقفه المناوئة أو المختلفة مع مبادئ الثّورة الفرنسية وما ينادي به أدباء عصر التّنوير من مثل وقيم ومساواة تناقض واقع الطّبيعة الّتي تقرّ بأحقيّة الأقوي وغلبته مدللا علي ذلك بأمثلة من تاريخ المرأة الذي يجعل منها كائنا ضعيفا محتقرا مستغلاّ، فصاد يفضح كذبة الأدباء ورجال الدين والفلاسفة الذين يخالفون منطق الطّبيعة لكن ليس فقط يا تيريز أن شعوب الأرض كلّها تتمتّع بحقوق أوسع علي نسائها بل يوجد منها من يحكم عليهنّ بالموت ما أن يأتين إلي الدّنيا ولايحتفظ إلا بعدد قليل منهنّ لازم لتكاثر النسل. فالعرب المعروفون باسم القرشيين يئدون بناتهم من سنّ السّابعة علي جبل قريب من مكّة لانّ جنسا علي درجة من السّفالة كان يبدو لهم كما كانوا يقولون لا يستحق أن يري النّور…. ص254. والأمثلة كثيرة عمّا ينتظر المرأة من مظاهر القمع والتّدمير والازدراء حيث تلتقي سنن الكون بقانون الطّبيعة.

وهكذا يبرّر المتكلّم موقفه المعادي لحضارات البشر وفضائلهم أنا اكره بكل صدق حضارتهم وفضائلهم وأربابهم ص 255. ولم يكن شأن صاد في كتابه هذا شأن من يجعل من سخريته نساء قوم دون قوم كمن يسخر من نساء المسلمين ويسكت عن نساء المسيح واليهود من كتّاب الفرنكفونية الرّائجة بل هو لا يستثني نساء مصر القديمة وإفريقيا وروما العاصمة القديمة للعالم. فالرّجال لو كانوا بدون نساء لظلّوا يتحاورون مع الآلهة. اسمع رقيبا أصيل رومة يبدأ خطبته بقوله سادتي لو امكن لنا أن نعيش بدون نساء لأدركنا السّعادة الحقّ واسمع شعراء ينشدون علي مسارح اليونان أوه جوبيتار ما هوالسّبب الّذي اوجب عليك خلق النّساء ص252. ويصل الأمر إلي منع الحمل في جزيرة اوتايتي حسب ما يقول البحّار الكابتن Cook بل يعد الحمل جريمة يؤدي إلي قتل الأم أو الطفل.. ص252. لكن وان كانت استعمالات الزّمن في جوستين تراوح بين الشّرط والمضارع والماضي والحاضر بما يفسح المجال للاحتمال والاقتراض مما يرشّحها بالإحالة إلي نصوص الرّحالة والفلاسفة لان تكون كتابة الافتراض والتخيّل بل كتابة المستقبل مما يجعلها مجازا للتّعبير عن رغبة الكاتب في التّجاوز فتكون الرّواية عنده للإنشاء لا التّقرير قد يجد البعض في الظّروف الموضوعيّة لحياة الكاتب وتجربته المريرة مع اصحاب المثل وحرّاس الأخلاق فجاءت كتابته موحية بخلفيّة السّجن ودوره في خلق عقدة الميل الجنسي الي المثيل أو القريب L’inceste . فهل كان مجاز الجنس عند ابن جلّون ومحمد شكري وحيدر حيدر وحنّا مينا وغيرهم ممّن وجدت دور النّشر في اعمالهم سوقا رائجة أو غير رائجة ما يبرّر نسجهم علي منوال صاد وزمكان سجن هؤلاء غير زمكان سجن صاد. البحث في المسألة معقّد وان لم تكن استعارة الجنس أو المحرّم بمنعدمة في تاريخ الأدب الهامشيّ العربيّ القديم وان لم تصل في الشّذوذ والانحراف إلي ما وصلنه عند صاد في اكثر من كتاب دون تقيّة ولا مواربة.

وان كانت الصّادية كتابة عشق الحياة بفتنة الإبداع في التّصوير بالكلمات 239 تصوير في أبهي صورها الرّومانسيّة المثاليّة وان شوّهت تلك الصّورة آلام العنف والرّعب مما جعل المرأة زنبقة عليها لطخ النّحل والاستعارة لصاد. في هذه الصّفحة العجيبة الدالّة علي جمال التّصوير أو النّحت المنحرف والسّؤال هل أن التّعلّق بمجاز تجربة صاد الذي لا يزال من توابع تجربه كتاب الرواية العرب وزوابعهم يعود إلي أن الزّمكان الثقافي العربي لا يزال متخلفـــا عن الزمكان الثقافي لصاد ممّا يرشّحه لان يكون زمكان غلبة الفضيلة علي الرّذيلــــــة وأمام هذه الغــــلبة يحاول مجاز الرّذيلة أن يقاوم فيفاجأ ويغــــــري فيذهل بقدر من جاذبيّة الغريب أو الشاذّ في وسط ثقافي قلّما يتجــــاوز فيه مجال الفعل مجال القول أو يتجاوز فيه القول القول. وصاد إن كان في حديثه عن الشذوذ ومظاهر الانحراف في اغرب مظاهـــرة راويا واصفا متخيلا وربما لا يكون أو منـحرفا وإنما كان بالفعل سجينا فان هنري ميلرہہہ يشرع لرواية شاذّة يعيش فيها الكاتب شذوذه، لذا شتّان بين رواية الشّذوذ والرواية الشاذّة.

ناقد من تونسصاد جوستين أو مصائب الفضيلة /المكتبة العامّة الفرنسية 1973بسكال فريبوس / في ضيافة ميلر / ترجمة سعيد بوكرامي /أزمنة /الأردن 2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية