من زمن حروب الإبادة غير البعيد

حجم الخط
1

لم يُسمَّ البلد الذي جرت فيه تلك الحرب، وكذلك لم تُسمّ القرية التي هربت منها العائلة الصغيرة، إلى ما يبدو أنه أبعد مكان في الدنيا. لا تعيين للأماكن إذن، ولا للزمن الذي جرت فيه تلك المآسي. ربما أراد الكاتب من ذلك أن يقول إن ما يرويه قابل للحدوث في كل الأزمنة والأمكنة، لكنه مع ذلك ترك لنا أن نستذكر حروب إبادة عاصرناها. إشارات قليلة قرأناها في مقاطع الكتاب الأولى، تُذكّر بما كان جرى في صربيا. هناك، بحسب ما يوصف في الكتاب، كان جاريا تنظيم الاعتداء على النساء واغتصابهن ليلدن من أعدائهن، ومن ذلك أيضا أن النساء الهاربات من الأعداء كان الحجاب الذي يرتدينه كاشفا لهن في أعين أعدائهن. كان العسكري المسؤول هناك يوزّع الرجال على النساء في المشفى، الذي أُخلي من مرضاه، ويراقبهم، ابتداء من خلعهم الزيّ العسكري حتى خروجهم منتهين مما أُمروا بفعله. وحده ذاك الذي اسمه جوزيف، رفض الاستجابة لذلك. كانت المرأة التي أُمر باغتصابها منهكة من المرض والخوف، وهو راح يحتضنها مواسيا وذارفا الدمع في ما العسكريّ المراقِب، هناك عند الباب، ينهال عليه بالشتم واللعن. وقبل أن يُطرد من تلك الغرفة، متّهَما بانعدام الرجولة، استطاعت المرأة، مارية، أن ترى عينيه الزرقاوين، «الأكثر زرقة من أيّ شيء، وشعره شديد السواد».
من أشتات كلام ترويها الخالة ميرنا، بتقطّع وتباعد، يحاول الشاب إيمانويل أن يتعرّف على نفسه. لم يُزوّد بالكثير عن جوزيف «ذلك الجنديّ الذي استلهمت منه أمي شخص أبي، ذلك الأب المؤلَّف من خواطر مبهمة»، الذي، على أيّ حال، لم يبق منه في ذاكرة الأم مارية إلا زرقة عينيه العصيّة على النسيان. أما الرجل الآخر، الذي دخل إلى تلك الغرفة من بعد جوزيف، فلا أثر له في ذاكرة إيمانويل. وليستعيض عن غياب الأب، ولعدم كونه لاحقا ابنا لأحد، تعلّق الشاب بذكرى خاله، ذاك الذي كان صبيا حين فرّ من الجنود الأعداء، مختبئا في كهف لم تشر الرواية إن كان قد أخرج منه حيا في نهاية أيام اختبائه السبعة، أو أنه مات فيه متيبسا.

الرواية مكتوبة اعتمادا على ذاكرة آخرين، إذ كان إيمانويل طفلا في أيامه الأولى حين صعدت به أمه إلى سطح السفينة، مخلّفة وراءها كل ما يستحقّ أن يُروى.

هي عائلة قليلة الأفراد تلك التي تنقل الروايةُ حكايتها، بعض هؤلاء ما يزال حاضرا وموجودا مثل الخالة ميرنا، وبعضهم غائب (مثل الأب المتوهّم، والآخر غير الموجود، والخال المختفي.. أما الأم فمتراوحة بين الحضور والغياب). ولعجزها عن الكلام لم يرد في الرواية ذكر لشيء قالته، إلا تلك الجملة التي انتظرتها أختها تعليقا على لقائها ذلك الشاب الأسود، وكان الأسود الأول الذي تراه، وهي لذلك مرّرت يدها على خدّه وقالت: «إنه من الفحم، لكن بشرته لا تلوّثنا». هذه الأم الصامتة إذن، لم تترك لابنها الراوي الكثير مما يمكن أن يعينه على أن يتذكر حوادث، أو أخبارا، أو وجوها حقيقية لبشر حقيقيين. أما الخالة، التي لم تحطّمها الحرب، فلم تكن تعرف بماذا عليها أن تعينه على أن يعرف. تقول له بعد طول انتظار منه: «لقد سحلوا النساء وجرجروهنّ إلى الشاحنة يا إيمانويل». لكنه، من قصص كثيرة قرأها، يعرف ما هو أسوأ بكثير. وها هو يُكمل الجملة التي رَوَتها خالته بمشاهد للنساء اللواتي «نقلتهن الحافلاتُ إلى أبنية مهجورة، ومدارس شاغرة، ومشافٍ، وبيوت طرد الجنود ساكنيها حتى يتخذوا منها سكنا وعشّا للكراهية»، ليعترف من ثمّ: «يغلي الدم في عروقي لمرأى أمّي في واحدة من قوافل الجحيم تلك».
الرواية مكتوبة اعتمادا على ذاكرة آخرين، إذ كان إيمانويل طفلا في أيامه الأولى حين صعدت به أمه إلى سطح السفينة، مخلّفة وراءها كل ما يستحقّ أن يُروى. أي أنه، باستثناء الأوهام والتخيّلات، ليس لديه الكثير ليخبّره، ثم أن بعد المسافة الفاصل بينه وبين القرى التي جرت فيها الحرب (بين صربيا والبرازيل على سبيل الافتراض) هائل إلى حدّ يصعّب مهمة التوهم، إذ لا شيء هنا يوحي بما كان هناك. وربما كان لهذا النقصان أثره في فرادة الرواية التي كتبت بصيغة الظنّ والتساؤل. ولنضف إلى ذلك أن شحّ المادة الخبرية مجنّب من الثرثرة. وهكذا تبدو الرواية، أو النوفيلا، القليلة عدد الصفحات، كتبت كلها بالعناية ذاتها التي كتب بها مقطعها الأول، الافتتاحي. كأن روبرتسون فريزيرو، كاتبها، كان يقوم عن طاولته، بعد أن ينجز مقطعا واحدا لكي يكون ما يكتبه، في جلسة الكتابة اللاحقة، أقرب إلى بدء جديد.
كما من خصائص الرواية الأولى، وهذه حال «بعيدا عن القرى»، حيث هي الأولى لكاتبها، إضافة إلى كونها رواية تذكّر، أو محاولات للتذكّر، أن تتفرّق وتتداخل أحداثها وأزمنتها، إذ يكون كاتبها حرا في أن يستأنف الكتابة من حيث يشاء، ساعيا إلى أن تكون المقاطع رسومات يستحق كل منها أن يشاهد منفصلا عن سواه.
*رواية روبرتسون فريزيرو «بعيدا عن القرى» نقلها إلى العربية مارك جمال في تسعين صفحة وصدرت عن «منشورات تكوين» لسنة 2020.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية