من سايغون إلى كابول: لم تتعلم أمريكا من دروس الهزيمة ولا عزاء للأفغان الذين وثقوا بها فسلمتهم لطالبان

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

إلى أين تتجه أفغانستان بعد انتصار طالبان في الحرب التي استمرت عقدين في البلد مع القوات الأمريكية والغربية المتحالفة معها؟ وما هي خطة حركة طالبان لتحقيق الاستقرار في البلاد وإنهاء حرب أهلية امتدت على أربعة عقود؟
وفي ظل الانتصار الحاسم والسريع لطالبان وانهيار الحكومة الأفغانية وتفكك الجيش الذي أنفقت عليه الولايات المتحدة مليارات الدولارات هناك القليل مما يمكن الحديث عنه الآن.
ووسط صور الجموع الراغبة بالهروب من حكم طالبان، لا أحد في العالم الغربي يهتم بوجهة طالبان واستقرار أفغانستان التي عانى شعبها على مدى العقود الماضية. وما تسمعه اليوم من تصريحات الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن هو التأكيد على عملية إجلاء كل الأمريكيين والمتعاونين الأفغان معهم، بمن فيهم العائلات. ويحاول الرئيس الأمريكي الذي فوجئ وأركان إدارته بسرعة ذوبان القوات الأفغانية وفرار الرئيس أشرف غني وحسم طالبان المعركة في مدى 10 أيام التعامل مع تداعيات الأزمة، بالسيطرة على مطار كابول وإرسال أكثر من خمسة آلاف جندي وتكثيف الرحلات الجوية على أمل الانتهاء من المهمة ونسيان الرأي العام مشاهد الفوضى في مطار كابول، والتي أعادت للأذهان صورا أخرى عاشتها أمريكا بعد هزيمتها فيتنام عام 1975.
فرغم استبعاد الرئيس نفسه سيناريو سايغون إلا إنه حدث بالفعل، وكان نتاجا لأخطاء متراكمة في عملية الغزو الأمريكي لأفغانستان في 2001 انتقاما لهجمات 9/11 وتوابع الغزو الذي أنتج ثلاث حروب أخرى فاشلة في العراق وليبيا وضد تنظيم الدولة الإسلامية.
وعلى الجانب الآخر لم تنجح تطمينات طالبان للرأي العام العالمي بأنها تغيرت وأنها وضعت مسافة بينها والحركة الأولى التي حكمت أفغانستان حتى هجمات 9/11. والمتابع لتصريحات المحللين الغربيين والمنفيين الأفغان والصحافة الغربية يقرأ تركيزا على ما يقال إنها انتهاكات طالبان لحقوق الإنسان، وبدأنا نسمع حتى قبل أن تعلن طالبان شكل حكومتها رسميا في البلاد عن التعذيب ومنع من تعاون مع القوات الغربية الخروج. وانتشرت تقارير عن تفتيش عناصر الحركة البيوت وعمليات كوماندو أمريكية وغربية أخرى في داخل أراضي طالبان وهي كل أفغانستان باستثناء مطار كابول لنقل غربيين وأفغان وإخراجهم من البلاد. ولم يتوقف الحديث عن موقف طالبان من تعليم المرأة وحرية الصحافة وما حققه الأفغان رغم فساد حكومتهم من مكاسب في مجال حرية الرأي ومشاركة المرأة في الحياة العامة. ففي تقرير بصحيفة «الغارديان» (20/8/2021) قالت فيه إن مقاتلي طالبان عذبوا رجالا من الهزارا (شيعة أفغانستان) للموت. وسنقرأ الكثير من هذه التقارير عن وضع المرأة وحقوق الإنسان والأقليات الدينية وحرية الصحافة وغير ذلك.
لن ينفع
وفي الوقت نفسه سارعت الحكومات الغربية بتجميد مساعداتها لأفغانستان، كورقة ضغط على النظام الجديد. مع أن الباحثين الاقتصاديين المختصين في الشأن الأفغاني غرايم مانسفيلد وديفيد مانسفيلد في صحيفة «نيويورك تايمز» (18/8/2021) قللا من أهمية الضغوط المالية الغربية لسبب واضح وهو أن طالبان سيطرت على معابر التجارة والتي تشكل نقاط اختناق مرورية لجنوب آسيا، وهي شبكة من الطرق السريعة والجسور والمعابر الحدودية التي تمثل مصادر للثروة المالية وتعزلها عن الضغط الدولي، مع وجود دول بالمنطقة مثل الصين وباكستان راغبة بالتعاون التجاري مع طالبان. وناقش الكاتبان أن الدول المانحة عادة ما تضخم من أهمية مساعداتها لأفغانستان، نظرا لعدم معرفتها بحركة المال غير الرسمية من وإلى أفغانستان. فعمليات تهريب المخدرات ومتعلقاتها ليست التجارة الكبرى التي تحدث عبر الحدود بل وحركة البضائع المهربة من الوقود والمواد الغذائية. ففي دراسة لهما صدرت هذا الشهر عن معبر نمروز وجدا أن الضرائب غير الرسمية، وهي الأموال التي جمعها المسلحون وصلت إلى 235 مليون دولار ذهبت إلى طالبان وشخصيات موالية للحكومة في وقت لم تحصل فيه الولاية إلا على 20 مليون دولار. وأشار الباحثان إلى مدينة زارنج القريبة من الحدود الإيرانية التي كانت أول المدن التي سقطت بيد طالبان، فالموارد المالية منها في عام 2020 وصلت إلى 43.2 مليون من الجمارك بالإضافة إلى 50 مليون دولار من الضرائب المباشرة. وقالا إن دولا مثل إيران ستواجه معضلة استمرار التعامل مع طالبان حتى لا تخسر التجارة العابرة بينهما أو قطع العلاقة معها. وردت إدارة بايدن على انتصار طالبان بتجميد الأصول المالية الأفغانية، في وقت قال فيه مستشار الأمن القومي جيك سوليفان إن الضغط الأمريكي على طالبان سيأتي من أمور تتعلق بالعقوبات، لكن الحركة لن تتأثر نتيجة للموارد المالية التي تحصل عليها من التجارة العابرة للحدود، بل وستجعلها طرفا مهما في التجارة في جنوب آسيا. وبالتالي فالأساليب التي تستخدمها أمريكا لإخضاع الدول المارقة لن تنجح مع طالبان.

بناء أفغانستان

ولكن الحديث المتكرر عن الإنجازات التي حققتها أفغانستان خلال العشرين عاما، والانتقائية في التركيز على ما ينظر إليه كنجاح يخفي وراءه سلسلة من الأخطاء الفادحة، كما كشفت صحيفة «واشنطن بوست» في عدد من المقالات التي أعدها غريغ ويتلوك عن الأخطاء التي رافقت عملية الغزو الأمريكي. ونقل عن مسؤول سابق في الخارجية قوله إن استراتيجية الولايات المتحدة قامت على إنشاء حكومة مركزية قوية مع أن الفكرة حمقاء نظرا لعدم ظهور واحدة في أفغانستان، والوقت الذي تحتاجه، في وقت كانت فيه واشنطن متعجلة لإنجاز المهمة والخروج. ومع تزايد المال الأمريكي زادت معدلات الفساد بين النخب الأفغانية التي جلبتها أمريكا للحكم، في وقت تم فيه غض الطرف عن الفساد المستشري داخل مؤسسات الدولة. وهو ما أثر بالضرورة على مواقف الافغان ورؤيتهم عن مستقبل البلاد. فمنذ عام 2004 تجري «مؤسسة آسيا» استطلاعا مسحيا حول وجهة البلاد ومواقف الأفغان، ففي استطلاع عام 2019 قالت غالبية المشاركين إن بلادهم تسير في الاتجاه الخطأ. فقد بدأت الآمال ببناء دولة قوية حديثة بالتراجع منذ عام 2006 وتزايدت بعد الانتخابات التي شابها الفساد والتزوير في 2014. ولاحظ هنري أولسين في صحيفة «واشنطن بوست» (20/8/2021) أن استطلاعات الرأي لم تسجل في الحقيقة ما يعبر عنه الأفغان، ولكنها سجلت مواقف سكان المدن وعدد محدود من القرى، هذا إن أخذنا بعين الاعتبار أن أفغانستان تظل مجتمعا ريفيا لم تتغير مواقفه من دور المرأة. وقال أولسين أن خروج بايدن الفوضوي من أفغانستان يجب ألا يعمي عن الواقع الحقيقي وهو أن البلاد لم تتغير بعد 20 عاما من الغزو الأمريكي، رغم ما يقال في الصحافة عن إنجازات العقدين الماضيين. فالتجربة الأفغانية كما تقول كاثرين باركر في «واشنطن بوست» (20/8/2021) تظهر أنه لا يمكن لأي أمة تشكيل أمة أخرى على صورتها، فالحرب في أفغانستان وإن كانت ضرورة إلا أنها تتشابه مع فيتنام في الصور والنتائج الكارثية، أي تداعى النظام الذي أقامته أمريكا في كليهما بعد فترة قصيرة من جلاء القوات العسكرية، مع أن كابول سقطت قبل خروج آخر جندي أمريكي. في فيتنام رفض السفير الأمريكي غراهام مارتين، في سايغون إجلاء مبكرا للرعايا الأمريكيين على أمل انتصار الجنوبيين على الفيتكونغ، أما في أفغانستان فقد أكد بايدن وبحس الواثق أن الخروج سيكون منظما وأن بلاده لديها الوسائل لمنع الإنهيار، فقد دربت الجيش الأفغاني وسلحته بأحدث الأسلحة وهو قادر على منع سيطرة طالبان، لكنه اختفى ولم تطلق طالبان ولا رصاصة واحدة كما لاحظت مراسلة «سي أن أن» بل وعلق فرانك بروني في «نيويورك تايمز» (19/8/2021) ساخرا أن أمريكا سلحت الجيش الأفغاني بالرايات البيض، مشيرا إلى أن ثقة بايدن بنفسه تعبير عن الغطرسة الأمريكية التي ترفض التعلم من الدروس. وهو ما دعا الصحافية المعروفة روبن رايت للقول بمجلة «نيويوركر» (15/8/2021) إن الهزيمة الأمريكية في أفغانستان ستؤثر على موقف أمريكا العالمي بطريقة لن تتعافى منها وللأبد. وقدمت عرضا لأخطاء أمريكا من فيتنام ولبنان والعراق والآن في أفغانستان، مشيرة إلى أن هذه الأخطاء المتكررة تمثل تحديا لأسس صناعة القرار في واشنطن وكذلك قدرات الولايات المتحدة العسكرية والأمنية. وتساءلت «لماذا لم يتم توقع هذه الكارثة التي تلوح بالأفق أو أية كوارث حدثت في الماضي؟» والجواب نابع من حس الثقة بالنفس وقدرات أمريكا الفائقة، أي الغطرسة التي تم تحديها في عدد من الأمكنة وآخرها أفغانستان.

نهاية أم فصل جديد
وتقول مجلة «إيكونوميست»(21/8/2021) إن انتصار طالبان سيترك تداعيات على العالم ولا تعرف إن كان حسمها للمعركة فصل في تاريخ أفغانستان أم الفصل الأخير بمعاناة البلد الذي فقد منذ 2000 أكثر من 117.000 أفغاني. ويمكن لأفقر بلد في العالم أن يخسر أبسط الأشياء مثل تعليم الفتيات، علاوة على خسارة الدعم من الدول المانحة، وكل شيء يعتمد على الطريقة التي ستحكم فيها طالبان. وقالت إن الحركة تحاول أن تقدم صورة مختلفة عن تلك التي أخذت عنها أثناء حكمها لأفغانستان في القرن الماضي وحتى 2001، فقد ظهر واحد من مسؤوليها في 17 آب/أغسطس على واحدة من القنوات الرئيسية في كابول وقابلته امرأة. وعبر محاضر في جامعة كابول عن اندهاشه من انضباط قوات طالبان واحترامهم للسكان الذين كانوا يتوقعون الأسوأ. وعلى خلاف قوات الأمن الأفغانية السابقة التي كانت تخيف المواطنين بإطلاق صفارات السيارات حتى يفتحوا لها الطريق، لم يصدر عن طالبان تصرف مثل هذا. ويعتبر الحفاظ على مؤسسات الدولة أولوية كبرى للحركة التي أصدرت عفوا عاما عن موظفي الدولة وحثتهم للعودة إلى أعمالهم. ويقول أنطونيو غويستوزي من كينغز كوليج في لندن إن قادة الحركة عقدوا صفقات مع صلاح الدين رباني، وزير الخارجية السابق وحامد كرزاي، أول رئيس لأفغانستان بعد الغزو الأمريكي واستعانوا بخبراء لإدارة المعدات العسكرية التي غنموها ويحاولون جذب الطيارين العسكريين. ويمكن أن يعطي تصرف طالبان في المناطق الريفية التي سيطرت عليها مدة طويلة صورة عن حكمها المقبل، فقد سمحت للمدرسين والأطباء وموظفي الخدمة المدنية ممارسة أعمالهم طالما التزموا بقواعدها. وتقول أشلي جاكسون من معهد التنمية فيما وراء البحار في لندن إن طالبان ستركز على الاستقرار في المرحلة الحالية ولن تقوم بإحداث ثورة من أي نوع.
وسيحاول قادة طالبان بناء توازن بين ما رغبة عدد كبير من أتباعهم حول الحفاظ على النقاء الأيديولوجي ومتطلبات التعليم حتى بين الطبقات المحافظة من المجتمع الأفغاني. وسيظل السؤال حول مدى قدرة طالبان الحفاظ على براغماتيتها هذه.
وتقول المجلة إن التقارير القادمة من الأقاليم غير مشجعة، فقد أمرت الفتيات اللاتي يشكلن نسبة 60 في المئة من طلاب الجامعات بالعودة إلى بيوتهن. وطلب من النساء العاملات بالتخلي عن وظائفهن للرجال. ولم يخدع الكثير من الأفغان بتطمينات ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم الحركة في مؤتمره الصحافي الأول عن حرية الصحافة طالما لم تتناقض مع القيم الإسلامية. كما ولم يقتنع الكثيرون بوعد الحركة عدم ملاحقة من تعاونوا مع النظام السابق. فبعد سيطرتها على سبين بولداك، القريبة من باكستان، تمت ملاحقة عدد من موظفي الحكومة وقتلهم. وفي قندهار قتل الكوميدي نزار محمد. وتخشى النساء العاملات بالقضاء من ممارسات انتقامية.
سر انتصار طالبان
يقوم نجاح طالبان على ذكائها بقدر ما تلقته من مساعدة باكستان وحرف أمريكا نظرها للعراق والأموال التي حصلت عليها الحركة بطرق غير شرعية وفساد الحكومة. فقد طبقت طالبان قاعدة صن تزو في فنون الحرب وهي «إخضاع العدو بدون قتال» وتم هذا عبر الاتفاقيات التي عقدتها مع قادة القبائل والمسؤولين المحليين بحيث لم يترك أي مجال سوى استسلام الجيش الأفغاني. جاء النجاح نتيجة لغضب القبائل المحلية على خطط الحكومة المركزية تجريدها من سلطاتها، فغني، المسؤول السابق في البنك الدولي ومؤلف كتاب «إصلاح الدول الفاشلة» كان يؤمن بالحكومة المركزية القوية، لكنه انفصل عن مطالب الأقاليم. فهرب وانهار جيشه الذي لم يكن مؤهلا لحرب العصابات وانهارت معنوياته بعد القرار الأمريكي بمغادرة أفغانستان وانقطاع التسلسل القيادي والدعم اللوجيستي. وتقول المجلة إن الضغط الدبلوماسي الغربي على النظام الجديد في كابول لن يكون ناجعا لأن أصدقاءها في المنطقة سارعوا بالترحيب بها، روسيا وباكستان وإيران والصين. مشيرة إلى أن تعاون هذه الدول سيظل مشروطا بعلاقاتها مع الحركات الجهادية. فالصين مثلا لا تريد نشاطا للجهاديين من إقليم تشنجيانغ. وفي الوقت الذي حاول فيه مجاهد تطمين الدول بأن بلاده لن تصبح قاعدة جديدة للجهاديين، إلا ان تقارير عن الأمم المتحدة وعن المخابرات الأمريكية أكدت استمرارا للقاعدة في أفغانستان، مع تكهنات بوجود أيمن الظواهري، زعيم القاعدة فيها. وبعد انتصار طالبان أفرجت عن آلاف المعتقلين في السجون بمن فيهم سجناء قاعدة باغرام. وتعتقد إدارة بايدن أنها قادرة على معالجة الخطر الأمني عن بعد. وبدون قاعدة وتعاون مع باكستان التي انهارت علاقاتها مع واشنطن فالمخاطر تظل قائمة.

بين سايغون وكابول

ورغم مقاومة بايدن المقاربة بين أفغانستان وفيتنام، إلا أن التشابه واضح مع أن الفشل في أفغانستان كان فظيعا. فجيش شمال فيتنام كان مسلحا بعتاد حديث وتدعمه قوى كبرى، مقارنة مع طالبان. لكن الأخيرة استطاعت السيطرة على مناطق أكبر من جنوب فيتنام. وتظل خسائر أمريكا في الأخيرة ضعف خسائرها في أفغانستان بـ25 مرة، وكانت حربا قسمت الشعب الأمريكي. ولا ننسى لعبة الخداع التي مارسها الساسة في واشنطن في الحربين.
وعلى العموم أفرح انتصار طالبان أعداء أمريكا وأغضب حلفاءها في أوروبا الذي تذمروا من عدم استشارتهم بشأن الانسحاب. إلا أن أمريكا وبعد 15 عاما من هزيمة فيتنام فككت الاتحاد السوفييتي وأصبحت فيتنام اليوم دولة حليفة لها، ولا عزاء للأفغان الذين وثقوا بها لحمايتهم وتركتهم في عهدة طالبان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية