لندن – “القدس العربي”: أجمعت جُل الصحف والمواقع الرياضية التي تحظى بمصداقية لا بأس بها في إنكلترا، على أن المدرب الإسباني أوناي إيميري يعيش أسوأ أيامه مع آرسنال، بعد التعادل المخيب لآمال مشجعي المدفعجية مع الجار اللندني الجنوبي كريستال بالاس 2/2 في واحدة من مواجهات الجولة العاشرة للدوري الإنكليزي، لينقلب عشاق النادي على المدرب بطريقة غير مسبوقة منذ توليه المهمة خلفا للبروفيسور آرسين فينغر في صيف العام الماضي، تجلت بوضوح في الضغط الكبير على الإدارة لإقالة المدرب، والأعجب من ذلك، ما ذكرته صحيفة “ميرور” عن تمني شريحة عريضة من الجمهور أن يتعرض للهزيمة أمام ليفربول في مباراة دور الـ16 لكأس المحترفين، لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير ويرحل بعدها، وقد تحققت نصف أمنيتهم الأولى.
الأرقام لا تكذب
ويرى كثير من النقاد والمتابعين، أن مدرب باريس سان جيرمان السابق يريد السير على خطى أصحاب المدارس الحديثة في البريميرليغ، والإشارة إلى الفيلسوف الكتالوني بيب غوارديولا وآينشتاين الكرة الألمانية يورغن كلوب، وذلك في الوقت الذي لا يملك فيه المدرب الإسباني لا جودة ولا مقاومات مانشستر سيتي وليفربول، خصوصا على مستوى الدفاع والوسط، مقارنة بالأسماء التي يمتلكها الثنائي المنافس على لقب الدوري آخر موسمين، حتى الهجوم تأثر كثيرا بإصابة الفرنسي ألكسندر لاكازيت، الذي كان يشكل ثنائيا مخيفا برفقة الغابوني بيير إيمريك أوباميانغ، والدليل على ذلك، أرقام الفريق المتواضعة للغاية في الربع الأول من الموسم، باحتلال المركز السادس بجمع 16 نقطة، بمعدل تسجيل 15 هدفا مقابل استقبال 14، المحصلة +1، أقل حتى من إحصائية مانشستر يونايتد، الذي رغم تخبطه مع أولي غونار سولشاير، لديه +3 أهداف، ناهيك عن تأخره بنقطتين وستة أهداف عن تشلسي الرابع ومثلهما و16 هدف عن ليستر.
مشروع هش
وإحصائية بسيطة كهذه، تعكس مدى تدهور أوضاع آرسنال مع أوناي إيمري، حتى بعد دعم الإدارة السخي، الذي خالف كل التوقعات، بكسر حاجز الـ150 مليون جنيه إسترليني في فترة انتقالات واحدة، على النقيض من الشائعات التي كانت متداولة في بداية فصل الصيف، أن الإدارة ستكتفي بتمويل إيمري بـ50 مليونا، وفي الأخير لم يحقق الأهداف المنتظرة منه في الربع الأول من الموسم، رغم امتلاكه جواهر من النوع النفيس من نوعية نيكولاس بيبي والواعد غابرييل مارتينيلي وقبلهما ثنائي الهجوم الفتاك، أضف إلى ذلك افتقار الفريق الصلابة الدفاعية اللازمة التي تمكنه من الصمود أمام ضغط المنافسين، مثل ليفربول قبل قدوم فيرجيل فان دايك واليونايتد قبل ضم آرون بيساكا وهاري ماغواير، بل بدون مبالغة أكثر سوءا وسذاجة في ما يخص الأخطاء الفردية الكوميدية التي يتسابق عليها دافيد لويز وسوكراتيس وقبلهما شكوردان موستافي، بجانب ذلك معاناة الفريق في تحضير الكرة من الخلف إلى الأمام. دائما يجد آرسنال صعوبة بالغة في اللعب من الخلف كما يفعل كلوب وغوارديولا، وهذا يرجع في الأساس لضعف وقلة جودة المدافعين ولاعبي الوسط، مع عقلية “جيل الآيفون”، التي ظهرت بوضوح في مشهد صدام القائد غرانيت تشاكا مع الجمهور في دربي كريستال بالاس، قبل أن يأتي الدور على المدرب، ليظهر انحيازه للاعبه على حساب المشجعين في حديثه مع الصحافيين قبل مباراة ليفربول، ما ضاعف ثورة الغضب ضد إيمري، وبالتبعية فجر موجة جديدة من الشائعات والتقارير عن اقترابه من الرحيل، يقابلها تحديثات لا تتوقف عن خليفته المنتظر آجلاً أو عاجلاً.
العدو القديم
واحد من أبرز وأكثر الأسماء المطروحة في وسائل الإعلام البريطانية لخلافة أوناي إيميري، هو العدو القديم جوزيه مورينيو، وبحسب ما ذكرته صحيفة “مترو” فإن طموح “سبيشال وان” في العودة لأعرق ملاعب العالم، يتماشى مع رغبات رجال الأعمال المستحوذين على أسهم الغانرز، ويُقال إن المو، نفد صبره من طول انتظار العودة لناديه السابق ريال مدريد، خاصة بعد هروب زيدان من الاختبارات الأخيرة التي كانت تهدد ولايته الثانية، وبناء عليه قد يستمع للعرض اللندني، أولاً، لأن اسم آرسنال من الصعب رفضه حتى لو كان في أسوأ حالاته، ثانيا وهو الأهم، جوع مورينيو للعودة للتدريب مرة أخرى، بعد اقترابه من دخول عامه الأول بلا وظيفة، وهذا أمر لم يحدث معه منذ ظهوره على الساحة مع بورتو في بداية القرن الجديد. وبالنظر إلى الخيار والفكرة برمتها، فيمكن القول بأنه الاختيار شبه المثالي للفريق اللندني في المرحلة الحالية أو المستقبل، لامتلاكه الحلول والأفكار اللازمة للقضاء على أزمة هشاشة الدفاع، التي جعلت آرسنال صاحب أسوأ خط دفاع في الخمسة الأوائل الموسم الماضي، باستقبال 51 هدفا في 38 مباراة، وهذا الموسم أيضا اهتزت الشباك 15 مرة، بمعدل أكثر من هدف في المباراة الواحدة، بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الحارس الألماني بيرند لينو، من أكثر حراس مرمى البريميرليغ تصديا للفرص بجانب تيم كرول ومات ريان ومارتن دوبرافكا، كل حارس تصدى لـ37 فرصة محققة، ومع وصول حافلة مورينيو، ستختفي هذه الظاهرة، أو على الأقل لن يكون الدفاع مستباحا وهشا بهذه الطريقة.
فرصة مثالية للطرفين
في الوقت الذي يبحث فيه آرسنال عن استعادة الأيام الخوالي والعودة للبطولات الغائبة منذ آخر فوز بجائزة الاتحاد الإنكليزي، أيضا مورينيو يبحث عن استعادة سمعته كمدرب من صفوة مدربي العالم ولقبه الشهير “صائد البطولات”، بعدما فقد جزءا كبيرا من هذه السمعة في آخر تجربتين مع تشلسي ومانشستر يونايتد، خصوصا مع الشياطين الحمر، بصورة مغايرة عن وضعه مع ريال مدريد، حيث قدم مع الملكي كرة قدم من كوكب آخر في بعض الفترات، قبل يتراجع النسق في الموسم الثالث والأخير، لذا توليه تدريب فريق بحجم وشعبية آرسنال، سيكون بمثابة الفرصة المثالية، لإسكات منتقديه بعد اتهامه بالإفلاس الكروي في السنوات القليلة الماضية، ومنها أيضا سيثب بشكل عملي أنه لا يقود إلا الفرق الكبرى، بعد ارتباط اسمه بأندية لا تتماشى مع سمعته وتاريخه، كما أن صرامته وانضباطه والكاريزما المعروفة عنه، ستخلص النادي وجمهوره من أزمة رفاهية وتراخي اللاعبين. ولا يخفى على أحد أن ضعف ولاء اللاعبين وعدم اهتمامهم بمصلحة النادي، من أكثر الأشياء التي جعلت الجمهور لا يثق في الفريق، كما كان في زمن المحاربين القدماء أمثال تيري هنري ومارتن كيون وهؤلاء الذين كانوا يبذلون كل قطرة عرق في حالة الفوز والخسارة، أما الآن، يعاني الفريق من أزمة ثقة واضحة وضوح الشمس، والسبب الفصول الباردة لهذا الجيل من اللاعبين، الذي يقوده لاعب لا يعرف معنى الضغط الجماهيري، فبدلاً من الركض بسرعة عند استبداله بساكا للحفاظ على الوقت، فضل الدخول في صدام مع المشجعين وهم في قمة غضبهم. وبطبيعة الحال، في وجود مدرب بقيمة وشخصية مورينيو، ستكون هذه المشاهد من الماضي لأن كل فريق يعبر عن شخصية مدربه، وما فعله تشاكا عبر عن شخصية إيمري، وأيضا كشف سر حالة اللا مبالاة للاعبين بعدم التعلم من درس الحفاظ على تقدمهم أمام المنافسين، حتى لو كان بفارق أكثر من هدفين كما حدث في مباراة كريستال بالاس وتكرر بعد أيام قليلة أمام ليفربول في كأس المحترفين، والسؤال لك عزيزي مشجع آرسنال: هل تعتقد أن مورينيو سيسمح بهكذا مهازل؟ ولا تنسى أنه حتى في أسوأ أيامه وحالاته يجب أن يفوز بالبطولات، ولنا في تجربته مع مانشستر يونايتد خير دليل، باقتناص كأس الرابطة واليوربا ليغ في موسمه الأول، وبدون أكثر من نصف لاعبيه الأساسيين.
أستاذ التكتيك
المدرب الإيطالي الشهير ماسيميليانو أليغري، هو الآخر من الأسماء المرشحة فوق العادة لخلافة المدرب الإسباني في ملعب “الإمارات”، لمّ لا وهو أحد أنجح مدربي يوفنتوس في العصر الحديث، بقيادة الفريق للاحتفاظ بلقب الاسكوديتو 5 مرات متتالية، وكأس إيطاليا 4 مرات، بجانب وصوله لنهائي دوري أبطال أوروبا مرتين، وبعيدا عن إنجازاته، فهو مدرب براغماتي بامتياز على طريقة مورينيو، وفي نفس الوقت يعتمد على أكثر من أسلوب بحسب قوة المنافس، وشاهدنا مع ميلان، اليوفي يلعب أحيانا بأسلوب 3-3-3، وأحيانا أخرى 4-2-3-1 مع الطريقة الإيطالية الأصل بثلاثة في خط الدفاع بكل مشتقاتها، وأليغري مدرب متحفظ بطبعه، على عكس إيمري 180 درجة، من النوع الذي يبني إستراتيجيته على دفاع قوي، مثل أنطونيو كونتي وأبناء جلدته المتمسكين بالمدرسة الإيطالية القديمة، التي تعتمد في الأساس على تفادي استقبال الأهداف، مع الهدوء من منطلق “الهدف سيأتي مع الوقت”، كما أنه ليس بالمدرب الذي يتقدم بالنتيجة 2-0 أو 3-0 ثم يسمح للمنافس بالعودة، بل العكس تماما، فقط يكفيه التقدم على خصمه بهدف نظيف لأنه يملك من التكتيك والأفكار ما يكفي لغلق كل متر أمام الفريق الآخر، كما فعلها عشرات المرات في تجربته الاستثنائية مع البانكونيري وقبله ميلان، الذي فاز معه بآخر لقب كالتشيو دخل خزائن “سان سيرو”، غير أنه يتمتع بالكاريزما التي تمكنه وتؤهله للسيطرة على غرفة خلع ملابس فريق المدفعجية كما تريد الجماهير، والمبشر لآرسنال، أن أليغري لديه رغبة حقيقية في العودة لمجال التدريب وفي بلاد الضباب بالتحديد، كما أقر في آخر حوار صحافي بأنه يتعلم اللغة الإنكليزية، وذلك بطبيعة الحال تمهيدا لحصوله على وظيفة في مكان يليق باسمه وتاريخه.
الخيار الثالث
لا شك أبدا أن هناك مدربين بالجملة بلا عمل في الوقت الراهن، من السهل كتابة عشرات الأسماء، لكن وضع آرسنال المأساوي يجعله بحاجة لنوعية خاصة جدا من المدربين، وبالنظر إلى أفضل اختيار ممكن بعد مورينيو وأليغري، سنجد أنه صاحب الخبرة العريضة في البريميرليغ رافا بينيتز، المعروف عنه صرامته وانضباطه بدرجة لا تقل كثيرا عن الآخرين، وهذا في حد ذاته قد يحل معضلة غياب الصلابة الدفاعية، وهذه الأزمة بالذات سبق لرافا أن نجح في حلها مع تشلسي عندما قاده خلفا للإيطالي روبرتو دي ماتيو وأيضا فعلها مع نيوكاسل، قبل أن ينفصل عنه ويخوض تجربته الصينية الحالية. وفي أسوأ الأحوال، سيكون مدرب الريال ونابولي السابق اختيارا لا بأس به ولو بعقد قصير الأجل، لأسلوبه المتوازن بين الدفاع والهجوم وميزته في معالجة عيوب فرقه والتعامل مع الغيابات بشكل جيد، بجانب تفننه في استغلال نقاط ضعف المنافسين، وهذه واحدة من أهم الأشياء التي يحتاجها آرسنال في الوقت الراهن، للتغلب على نقاط ضعفه الدفاعية وحل مشكلة تباعد الخطوط الثلاثة عن بعضها بعضا، فقط مشكلته الوحيدة تكمن في التنازل عن الملايين الطائلة التي يتقاضها في الصين ليعود مرة أخرى للبريميرليغ، ولو أن إغراء تدريب آرسنال لا يفوت وبنسبة كبيرة لن يرفضه لأنه يدرك ويفهم جيدا أن الوظيفة مع أحد كبار الدوري الأكثر شهرة وتنافسية في العالم لا تتكرر كل يوم، فهل سيقع اختيار الإدارة على واحدة من هؤلاء أم ستتجدد الثقة في المدرب الحالي حتى إشعار آخر؟ هذا ما سنعرفه في المستقبل القريب جدا.