من سيقود أكبر محاكمة لإسرائيل في أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة: تركيا وجنوب أفريقيا أم العرب؟

حسين مجدوبي
حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: من المرتقب أن تتحول أشغال الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة خلال شهر ايلول/سبتمبر المقبل، أي في ظرف ثلاثة أسابيع فقط، إلى أشغال تاريخية ستتميز بالمواجهة بين الجنوب بدعم من الثنائي روسيا والصين في مواجهة دول الغرب، وذلك بسبب حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. يبقى السؤال: هل ستأخذ المبادرة الدول العربية والإسلامية أم ستكون من طرف دول مثل جنوب أفريقيا وتركيا؟

إدانة أممية مسبقة لإسرائيل

وعادة ما تكون أشغال الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة مملة للغاية بسبب غياب قضايا تهم العالم: وتغير الوضع مع حرب روسيا وأوكرانيا في أشغال سنتي 2022 و2023 حيث خلقت هذه الحرب انقساما وسط دول العالم لاسيما بعدما رفضت نسبة هامة من دول الجنوب مسايرة الغرب في إدانة روسيا. وخلال الأشغال المقبلة سيتعاظم الاختلاف بسبب القضية الفلسطينية. ستكون هذه الأشغال أكبر امتحان عسير لدبلوماسية إسرائيل منذ تأسيس الكيان الصهيوني، إذ سيختلف الأمر هذه المرة عن أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة في الماضي. فهذه المرة، أصابع غالبية دول العالم تشير إلى الكيان بأنه يمارس جرائم حرب ضد الإنسانية. ومسبقا، ستجري هذه الأحداث وسط إدانة أممية لإسرائيل. في هذا الصدد، أصدرت محكمة العدل الدولية قرارها يوم 19 تموز/يوليو الماضي الذي يقول «إن تمادي إسرائيل في إساءة استخدام مركزها كقوة احتلال من خلال ضم الأرض الفلسطينية المحتلة وفرض سيطرتها الدائمة عليها، ومن خلال حرمان الشعب الفلسطيني باستمرار من حقه في تقرير المصير، ينتهك مبادئ القانون الدولي ويجعل وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني». كما صدر مؤخرا تقرير عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة يتهم الجيش الإسرائيلي في خلاصاته «بارتكاب جرائم ضد الإنسانية تتمثل في الإبادة والقتل والاضطهاد القائم على أساس الجنس الذي يستهدف الرجال والفتيان الفلسطينيين، والترحيل القسري وأعمال التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والقاسية». ويضاف إلى هذا، تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريش الذي نبه وندد بما يجري في قطاع غزة من جرائم. ولمعرفة النرفزة الإسرائيلية مما قد يجري في الأمم المتحدة، قال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة جلعاد إردان في مقابلة مع صحيفة «معاريف» الإسرائيلية يوم الثلاثاء من الأسبوع الجاري إن مقر الأمم المتحدة في نيويورك «يجب إغلاقه ومحوه من الخريطة».

انقسام العالم

غير أن الاهتمام سيكون منصبا كذلك إلى أي حد ستساهم أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة في تعزيز الشرخ القائم بين أقطاب عالم جديد يتبلور جيوسياسيا ومن يدور في فلك هذه الأقطاب. وعمليا، منذ طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر الماضي، ينقسم العالم إلى قسمين، صغير ومحدود يوالي إسرائيل ويدعمها، وقسم يعاكسها ويرفض ممارستها، وهذا سيكون جليا في أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن ضمن العوامل التي تجعل العالم ينقسم حول القضية الفلسطينية هو الطابع الذي أصبحت عليه، فهي معيار أخلاقي أممي بين الدول الداعية إلى تطبيق القانون الدولي وتلك التي تقوم بتأويل هذا القانون. كما أنها تعكس الصراع الديني بين الإسلام والمسيحية الصهيونية بسبب الرغبة في اقتسام تسيير القدس أو السيطرة عليه كليا بشكل انفرادي من طرف ديانة واحدة. ويضاف إلى هذا، أصبحت مقياسا لقياس مدى اتفاق العالم أو انقسامه حول قضايا رئيسية وحساسة قائمة منذ عقود في الأمم المتحدة ومنذ قرون بين الديانات.

فريق إسرائيل

لن تتعرض إسرائيل لوحدها لامتحان دبلوماسي عسير، بل الدول الغربية الموالية للكيان وعلى رأسها: الولايات المتحدة وألمانيا. وتحاول واشنطن التوصل إلى اتفاق هدنة وسلام بين حركة حماس وإسرائيل، فمن جهة، لتخفيف الضغط من طرف أنصار القضية الفلسطينية وسط الحزب الديمقراطي ووسط الناخبين الأمريكيين الرافضين لوحشية إسرائيل، ومن جهة أخرى لتفادي الانتقادات من باقي دول العالم. إذ لا يمكن للولايات المتحدة رفع شعار احترام حقوق الإنسان لاسيما في مواجهة دول مثل الصين وروسيا وفنزويلا وإيران وهي تغمض عينيها على قتل عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة وأساسا من الأطفال. ومن الدول الأخرى التي ستدافع عن إسرائيل هناك ألمانيا، هذه الأخيرة لم يعد لها ضمير إنساني، بعدما تبين مدى تأييدها الأعمى لسياسة إسرائيل وكأنها تبحث عن مبرر لكي تغتسل من جرائم النازية التي ارتكبتها في حق اليهود إبان الحرب العالمية الثانية. وستبقى الأنظار موجهة إلى موقف فرنسا: هل ستتحلى بالشجاعة للتنديد بإسرائيل أم ستؤكد انخراطها في الموقف الأمريكي. ويعتبر الموقف الفرنسي زئبقيا في القضية الفلسطينية، ومن ضمن تجلياته كيف تعتبر باريس إقامة الدولة الفلسطينية الحل الأمثل، لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عارض منذ شهور إجماعا أوروبيا للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وانتقد موقف دول مثل إسبانيا والنرويج وإيرلندا التي اعترفت بالدولة الفلسطينية.

من سيقود إدانة إسرائيل؟

في المعسكر المضاد لإسرائيل، توجد دول ستتبنى مواقف متباينة في الحدة، بين التنديد القوي والمتوسط. وستبقى الأنظار موجهة إلى الصين وروسيا بحكم قيادتهما للعالم المتعدد الأقطاب الآخذ في التبلور في مواجهة الغرب. وسيكون الموقف الروسي والصيني كلاسيكيا مع ارتفاع نبرة النقد لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، لاسيما وأن الرئيس فلاديمير بوتين اعتبر جرائم الكيان الصهيوني مرفوضة أخلاقيا وقانونيا.
ويبقى الترقب، هل ستتزعم الدول العربية مبادرة إدانة إسرائيل في الأمم المتحدة أم الدول غير العربية؟ ويوجد معسكران عربيان، معسكر التطبيع الذي يهادن إسرائيل رغم جرائمها، ومعسكر التنديد. غير أن الرهان للتنديد بإسرائيل وفضحها على أوسع نطاق ستتولاه دول غير عربية وهي تركيا وكولومبيا وجنوب أفريقيا وفنزويلا وبوليفيا، وهي الدول السباقة إلى اتهام إسرائيل بجرائم ضد الإنسانية في المحافل الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية. وتبدي دبلوماسية إسرائيل قلقا كبيرا من دور هذه الدول أكثر بكثير من الدول العربية وخاصة من تركيا وجنوب أفريقيا. ولهذا، لن يقلقها خطابات رؤساء الدول والحكومات العربية بل ستترقب مضمون خطابات رؤساء مثل الكولومبي غوستافو بيترو والتركي طيب رجب اردوغان وأساسا رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا تحسبا لمبادرات جديدة على شاكلة الدعوى ضدها في محكمة العدل الدولية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية