ليس حرق المدن بدم مثلج ولذة متعتعة جديدا في تاريخ البشرية فأسلاف نيرون حرقوا قرطاج الفينيقية بمن فيها وما فيها وهو نفسه ( نيرون ) أشعل عاصمته روما مستمتعا بمشهد اللهب يشوي الأجساد، وأحفاده الصليبيون حرقوا أكثر من مدينة فلسطينية، وهولاكو أتي علي بغداد تدميرا وحرقا علي نخب الجواري والغلمان والحلفاء في الحرب العالمية الثانية نسفوا برلين وحرقوها حرقا، وزعيمتهم أبادت مدينتين بأفتك سلاح عرفه التاريخ والقائمة تطول. وإنما الجديد لدي أحفاد نيرون المتأخرين المشبعين حتي التخمة تحضّرا وديمقراطية وحقوق إنسان توسيع مجال الحرائق وتنويع أنماطها ومضاعفة فاعليتها بما يملكون من وسائل حرق حديثة لا تبقي ولا تذر، كل ذلك تحت شعارات حضارية مبهرة لأهلهم: مساعدة ضحايا الحرق علي الانخراط في درب الحضارة وتصفية رافضي الحرق باعتبارهم دكتاتوريين فاشيين ومنعهم من امتلاك القوة الاقتصادية والعلمية والتنويه ببطولات المشجعين علي إضرام الحرائق في أوطانهم وجيرانهم باعتبار هؤلاء بنائين مهرة وتابعين بررة.
إن توسيع مدي الحرائق مكانا ليس في حاجة إلي تدليل فالعراق بأكمله محرقة كبري مستمرة بل يزداد لهيبها وضحاياها بما يصبّ عليها من القنابل الناسفة الحارقة وما يدسّ في أوصالها من نعرات الطائفية والعنصرية والمذهبية… وفلسطين يقتـّـل شعبها ويحاصر ويجوّع ويدسّ في ثناياه المؤامرات وأفغانستان تحترق… ولبنان يدكّ بأعتي الأسلحة لأن شعبه ينشد الكرامة.
إن منطقتنا العربية حريق كبير متّسع ملتهب وصانعوه يتباهون بعملهم الإنساني الحضاري ووكلاؤهم يرمون القش خفية علي أطراف النار علّ مضرميها يرضون عنهم غير أن التاريخ قد علـّمنا أن لا نجاة لحارق مهما كبر وطغا أو صغر وخفي وأن لا موت لوطن أحرق لأن الأوطان الحية تخصب وتزهر وتثمر وتشرس مقاومة إثر كل عدوان عليها بالحرق أو غيره أما عشّاق الحرائق فهم فمجرمون شواذ ّ متعصبون مصيرهم كمصير جدّهم نيرون الذي قال وهو في النزع الأخير بفعل طعنة مستضعف خرج من الرماد ماردا: سيخسر العالم أعظم وغد مهرج معقد.
د. الضاوي خوالدية قفصة تونس [email protected]