من شارع القيادة العامة للجيش السوداني: تأريخ جديد

محمد غلامابي 
حجم الخط
0

في الطريق إلى شارع القيادة العامة للجيش السوداني شرقي العاصمة السودانية الخرطوم حيث يعتصم السودانيون منذ السادس من نيسان/ابريل الجاري وحتى لحظة الكتابة هذه ثمة مظاهر تشي بما يحدث هناك، فالجدران جميعها تنطق بلسان المعتصمين، تحمل شعارات ثورتهم التي انطلقت في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر الماضي ضد نظام عمر البشير، وهي شعارات عديدة ومتنوعة، ومتجددة كذلك بتجدد وتواصل الاعتصام، وحيثما ارتفعت الحناجر بالهتافات جاوبتها من الجدران قلوب وآذان، فشعارات مثل “تسقط بس” و “حرية..سلام..وعدالة..والثورة خيار الشعب” هما من الأشهر والتي وجدت حظها من الذيوع والانتشار، كما النار في الهشيم، ساعدت في ذلك دون شك تكنولوجيا الاتصالات، ومواقع التواصل الاجتماعي التي كانت ولا تزال هي الإعلام البديل الذي أفلح فيه السودانيون بامتياز، وفشلت فيه سلطة الرئيس المخلوع عمر البشير، فتداول السودانيون بكثافة وتشاركوا تسجيلات وفيديوهات وصور توثق لحظة بلحظة مسار ثورتهم، بشعاراتها، ومطالبها، بآمالها، وأحلامها، بنجاحاتها، واخفاقاتها، ترصد في ذلك وبدقة انتهاكات الأجهزة الأمنية المختلفة، التي سحلت، وقتلت، واعتقلت، واقتحمت حرمات البيوت والأسر، فلم يغنها كل ذلك من غضبة السادس من نيسان/ابريل.

ربما لم يكن تجمع المهنيين السودانيين المحرك والداعي الرئيس للاحتجاجات ضد نظام البشير، قد توقع هذا التجاوب من السودانيين لاعتصام شارع القيادة العامة للجيش السوداني، فالمواكب كانت تأتي إلى ساحة الاعتصام من كل فج عميق راكبة وراجلة، من العاصمة ومدن السودان المختلفة.

“القدس العربي” شهدت كل ذلك، وتجولت بين القطاعات المختلفة المكونة لتجمع السودانيين المهنيين، من صيادلة، وصحافيين، ومسرحيين، ومغنين، وموسيقيين، وتنظيمات أخرى عديدة، طرحت عليهم أسئلتها: ما هي مطالبكم كمعتصمين؟ ما الذي تحقق، والذي لم يتحقق؟ وما إذا كان الاعتصام هو الآلية الوحيدة لتحقيق تلك المطالب؟ وسألناهم كذلك: كيف يرون ساحة الاعتصام؟ تكاد تكون الإجابات متطابقة ومؤكدة أن السودانيين يصنعون ثورتهم هم، ثورة للإنسانية جمعاء، ثورة لحياة جديدة، أو هي حياة السودانيين التي غيبتها ثلاثة عقود من الذل، والقهر، والاستبداد، والديكتاتورية، واهدار الكرامة الإنسانية، هي نظام المخلوع عمر البشير.

ذاكرة عصية على التغييب

الإعلامي محمد فرح وهبي قال: “الميدان هو بعث لحياة جديدة للكيان الجمعي للسودانيين، بعد ثلاثين عاما من الموات، سرقها نظام البشير من حياتنا، والميدان هو الرحم الوحيد والشرعي الذي ولد ثورة السودانيين ويرعاها” ويواصل وهبي “عندما أحضر هنا أشعر أنني استحم في نهر الحياة، ورأيت وأرى كيف القيم السودانية كانت عبارة عن ذاكرة يحملها السودانيون عبر الحكي، والقص، لكنها تجلت تماما في الميدان، ابت الخفوت، ابت الزوال”.

وعن مطالب المعتصمين اختار فرح تفكيك شعار ما سماه شعار الثورة “حرية…سلام…وعدالة…والثورة خيار الشعب” فقال” ظلت الحريات جميعها في حالة مصادرة، والعدالة هي شرط وجودنا الإنساني، والسلام كشعار حققناه كسلام اجتماعي عشناه هنا في ساحة الاعتصام، حيث تنام إلى جانب أناس لا تعرفهم ولا يعرفونك، تصحو لتجد نفسك وسط عائلتك تماما، تنعم بالدفء، والأمان، والمحبة الغامرة، سلام يتجاوز عقدة اللون والجهة، بل والنوع كذلك”. وختم وهبي حديثه لـ”القدس العربي” قائلا: “عندما انتبه السودانيون لحياتهم الحقيقة، كان البشير في سجن كوبر المكان الذي يستحقه تماما”.

وتحدث من ميدان الاعتصام عبد الله ديدان رئيس المجلس الأربعيني لمؤتمر خريجي جامعة الخرطوم وقال “مطالب المعتصمين ترتكز بالأساس على إزالة النظام بشكل كلي، وتكوين حكومة مدنية انتقالية، بفترة تمتد من سنتين لأربع سنوات، وضرورة تكوين مجلس سيادي من المدنيين بتمثيل للجيش، وتصفية مؤسسات المؤتمر الوطني، واعتقال قادته لتتم محاسبتهم على كل الجرائم التي ارتكبوها في كل الوطن، وإعادة هيكلة جهاز الأمن، وحل كل المليشيات التي أنشأها المؤتمر الوطني، مضافا إلى ذلك الشروع فورا في تسوية سلمية مع الحركات المسلحة لتكون جزءا أصيلا من عملية التغيير، ومعالجة أوضاع النازحين، واللاجئين، وقد صاغت قوى إعلان الحرية والتغيير كل تلك المطالب وغيرها ووضعتها أمام المجلس العسكري”. ودعا ديدان إلى ضرورة وضع دستور مستدام يستلهم قيم السودانيين وملتحقا بالحداثة، وعن الاعتصام قال: سيستمر الاعتصام حتى تحقيق كل المطالب. ونوه إلى ان الميدان ليس حصرا على ميدان قيادة في الخرطوم، بل يعتصم السودانيون أمام مقار قيادة الجيش في العديد من المدن مثل بورتسودان، مدني، عطبرة، الفاشر، وكوستي، والجنينة، وغيرها.

الخدمات الطبية للمعتصمين

وقال الدكتور صلاح جعفر رئيس المكتب السياسي لتجمع الصيادلة المهنيين، والناطق الرسمي باسمهم ان الخدمات الطبية والصيدلانية التي تقدم للمعتصمين مرضية، كاشفا عن عدد من العيادات الميدانية التي تقدم الخدمات لمن يطلبها، وعن أكثر الحالات التي تصلهم قال: هي حالات الهبوط، والاعياء الشديد، لكننا نجتهد بتكاتفنا جميعا لمواجهة ذلك ولأكثر. وعن الاعتصام قال: مرتب، ومنظم، ولن ينفض إلا بتحقيق كل مطالب المعتصمين التي على رأسها تسليم السلطة لحكومة مدنية انتقالية، وغيرها من المطالب التي نص عليها إعلان قوى الحرية والتغيير، ويضيف: الميدان يشبه تماما دولة المؤسسات التي ننشدها، كل يعمل في مجاله، ووفقا لتخصصه وأدواره، والاعتصام هو حلمنا جميعا كسودانيين بالتغيير.

صوت الضمير صوتي

الفنان والموسيقار شمت محمد نور العضو المؤسس بفرقة “عقد الجلاد” الغنائية، والتي تغني في ساحة الاعتصام ترحم في البداية على أرواح الشهداء الذين سقطوا طوال حقبة البشير، وقال: ظلت “عقد الجلاد” تمثل نصا موازيا تماما لذلك الذي حاول غسل أدمغة السودانيين، فغنت لحميد “لا درادر…لا عساكر…لا مظاليم…لا مظالم”.

وغنت للوحدة، والسلام نصوص مثل “أم آدم، طواقي الخوف، نتمناك موحد” ظلت عقد الجلاد صوتا مقاوما، وداعما للثورة السودانية، والتي أسهم فيها شعراء كثر تغنت لهم عقد الجلاد مثل محجوب شريف، والقدال، وحميد، وعاطف خيري، وعثمان بشرى، ومجدي النور، وقاسم أبو زيد، وغيرها من الأسماء.

ثورة الشباب دون منازع

الفنان المسرحي ميرغني كرار قال لـ”القدس العربي” الكلمات تعجز عن ما دار منذ التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر الماضي، فقد أكد الشباب أن جينات السودانيين مخزونة فيهم، شباب بصدور عارية وحناجر عالية تمكنت من إزالة طغمة مكنت لنفسها ثلاثين عاما، وعلى المجلس العسكري الاستجابة لمطالب المعتصمين، فهم أصحاب رؤية واضحة، ومتقدمة، وعصرية. ووصف كرار الثورة الحالية بانها ثورة الشباب بامتياز، هم من صنعوها، والآن يحمونها، وقد تعلمنا نحن منهم، واثبتوا انهم هم الكبار موقفا، وقولا، وفعلا.

“اوروباب” الجنوب حاضرة

الفنان استيفن اوفير اوشيلا قائد فرقة “اوروباب” الغنائية الاستعراضية قال: مشاركة اوروباب هي لدعم الشعب السوداني في ثورته المجيدة، فقد افتقدنا لزمن طويل هذه الروح التي لدى السودانيين اليوم، روح محبة للوطن، تتقبل الآخر، تتعاضد وتتكاتف بشكل مذهل، وانا في هذا البلد اتولدت، وعشت، وخلقت صلات أنسانية عميقة، بالتالي ما يمس هذا البلد يمسني، ما يسعده يسعدني، وانا حضرت من جوبا ليس كجنوب سوداني، بل كفنان، وكما تعلم فالفنان لا وطن له، وجدانه ووطنه هو الإنسانية جمعاء. وعن ملاحظاته على الاعتصام والمعتصمين قال: ما لحظته هو محافظة السودانيين على تقاليدهم وموروثاتهم وتقديمها كمادة غنية وثرية لكل العالم، كذلك لفت انتباهي التنظيم الدقيق للاعتصام، والاحترام الكبير الذي يبديه المعتصمون لكل الفئات الاجتماعية التي تقصد الميدان، واثبتوا انهم جيل عظيم صنع ثورة عظيمة.

“سقطت..ما سقطت..صابنها”

يعبر الشعار “سقطت ..ما سقطت ..صابنها” عن رؤية المعتصمين الآن في ميدان القيادة العامة للجيش السوداني، فهم لا يتحدثون عن مكاسب جزئية، وان اسقاط الطاغية عمر البشير ليس هو غاية مبتغاهم، وانهم يثقون في ثباتهم الميداني كآلية وحيدة لتحقيق كافة مطالبهم، وليس ذهاب البشير فقط.

يستقبلك الشباب والشابات عند “المتاريس” والحواجز التي أقاموها قبل دخولك الميدان بعبارات غاية في اللطف مثل “ارفع بدك فوووق..والتفتيش بالذوق” ثم يهتفون في وجهك كمن يسألك سر الليل “سقطت..ما سقطتت” ويسكتون لتكمل الشعار “صابنها”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية