من «شانيل» إلى «ريدوان»: تهديد من الجمهور وسطو وسخرية

مما أتت به رياح «الربيع العربي» أن أدخلت الكائن الذي يسكن على الأرض الممتدة من المحيط حتى الخليج في رعب متعاظم، وفزع دائم من أي ذكر أمريكي، حتى في المغرب العربي الذي كان حتى وقت قريب منطقة نفوذ قوى استعمارية أوروبية تقليدية. يشهد العقد ونصف العقد الأخيران حالة تحول عميقة طوعت اللسان العربي واستبدلت قاموس العنتريات، الذي ساهم في صوغه خطباء كبار (أو متهورون) كرؤساء عرب سابقين (ذهبوا مع الريح)، إلى كتيب نحو وصرف يحوي جميع أفعال الكلام الخاضعة يمكن تلمسها بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي.

تونس والورطة مع أمريكا وإيران

تحول اسم النائب الأمريكي الجمهوري «جو ويلسون» إلى تريند خلال الأيام الأخيرة في تونس، بعد أن تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي تغريدات متكررة للرجل يتهم فيها رئيس البلاد بالديكتاتورية، يطالب في بعض منها بتحرير تونس، وتوقيف المساعدات عن بلد الياسمين لمواقفه المعادية من الولايات المتحدة الأمريكية واصطفافه لجانب قوى الشر وعلى رأسها إيران. تكرار التغريدات المعادية في وقت قصير جعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي يدخلون أشبه بحالة هيستيريا جعلت كثرا يتناسون زيارة وزير خارجية بريطانيا للبلاد. رغم رفض واسع للكثير من التيارات الحقوقية لـ«جزرة المساعدات» مقابل تصدير الحدود التي جاء بها ممثل المملكة المتحدة، إلا أن تهديدات النائب في كونغرس «الفتوة» بدت تهديدا أكثر جدية (ووجودية) مع الفصل الجديد الذي يخطه «الرجل البرتقالي».
تراوحت تعليقات التونسيين بين تفاؤل حذر، محاولة تفسير وسخرية. «عشنا سنين طويلة دون مساعدة من أحد، لماذا سنحتاج مساعدات أمريكية اليوم؟»، «تونس تدفع ثمن مواقفها الداعمة لفلسطين والمناهضة للاحتلال الصهيوني» ردد كثر، التضرع الذي لا يغيب عن اللسان الشعبي التونسي انعكس في أمنيات المتفاعلين حملوها للسماء، في حين تساءل كثر عن المستفيد من كل ما من شأنه أن يمس بلد الياسمين، «صندوق النقد الدولي هو السبب، يريدون نموذجا اقتصاديا في تونس على مقاسهم»، أما النكات السياسية الساخرة والتي غدا يتميز بها التونسيون دون غيرهم خلال العقود الأخيرة فتساءلت عن الأسلحة التي سيواجهون بها أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، ووجدت في تطويع «الحجارة والألسنة التونسية السليطة» أفضل الحلول.

سطو في بورصة التريند في الجزائر

إذا أردت أن تحجز لك مكانا في بورصة التريند في الجزائر فإليك ورقة طريق: تزوج (أو تطلق)، ادخل حملة ضد قوى معادية (لك مطلق الحرية في ابتداعها) أو اقترب من «التراث».
إن تنوعت وتعددت التعريفات حول التراث عامة، وعلاقته بالزمن والإنجاز، فهو بالنسبة للجزائري ما ورثه من أسلافه. بعد جدل حاد مع المغرب الشقيق حول القفطان وأصله، والذي بدا شعبيا أنه حسم في اليونسكو بعد تسجيل نوع جزائري ثان منه منذ أشهر، رغم التقارب البديهي والمبرر للأزياء في فضاء جغرافي متلاصق ثقافيا وإثنيا، يخوض الجزائريون حملة دونكيشوتية جديدة منذ أيام ضد «دار شانيل للأزياء الفاخرة» هذه المرة، والسبب عرض أخير تضمن قطعة مستوحاة على ما يبدو من فستان تقليدي شهير ومميز لنسوة قبيلة «أولاد نايل» التي تمتد على مساحات كبيرة وسط البلاد وإلى جنوبها، وجد فيه رواد مواقع التواصل الاجتماعي «سطوا ثقافيا» خصوصا في غياب إشارة إلى «أصل القطعة التاريخي». «سرقة القرن»، «علينا رفع دعوى قضائية»، «الأساس في الاقتباس ذكر المصادر»، «علينا أن نخوض مواجهات لاسترداد أشيائنا في كل مرة»، كرر أكثر المتعصبين المتحمسين من رواد السوشيال ميديا في البلاد. «أزياؤنا تلهم العالم»، «فخر لنا أن تستلهم أزياءنا دور عالمية»، «يمتلكون أجزاء كبيرة من أرشيفنا» برر الأكثر تفاءلا، مطالبين بتحرك رسمي لحماية المزيد من عناصر الثقافة الوطنية المادية واللامادية. رغم السعي الرسمي الحثيث لتسجيل عناصر الموروث الثقافي الجزائري، خصوصا في السنوات الأخيرة، إلا أن الاهتمام بالتنقيب والبحث والتدوين حول هذا الموروث يظل حبيس «ثقافة المشافهة» (هي عنصر ثقافي مؤسس للشخصية العربية عامة والجزائرية خاصة) لا يخرج غالبا عن استراتيجيات رد الفعل.

سخرية من أغنية كأس افريقيا

لا تزال ارتدادات مجريات حفل سحب قرعة كأس إفريقيا للأمم المقبلة تهز رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب. السبب: هزال وركاكة مختلف فقرات الحفل، خصوصا الفنية منها، والتي لم ترق إلى مستوى تطور وروح ثقافة البلد، وإشعاعه الحضاري، حسب المغاربة. بعيدا عن جهوزية البلد لاستقبال الحدث الأهم قاريا، كأس إفريقيا للأمم، التي لا تزال تطرح تساؤلات هنا وهناك خصوصا بعدما تم تأجيل انطلاقها لشهر ديسمبر/ كانون الأول المقبل، ولا الرسائل السياسية التي استغرق في بثها مسؤولو الكرة في البلاد واغتنموا فرصة حفل سحب القرعة لتوجيهها، والتي نالت شيئا من الامتنان والثناء من جماهير البلد، للدور الفعال لما اعتبروه «دبلوماسية رياضية ناعمة»، سيطرت حالة غضب واستياء واسعة ضد الفقرات الموسيقية، كما الإخراج العام للحفل.
يعد «نادر خياط» أو «ريدوان»، الموزع والمغني» أحد أهم الأسماء الموسيقية المغربية الذي تمكن من احتلال مكانة محترمة بين صناع موسيقى البوب خلال العقد الأخير بعد تعاون مميز مع أسماء كبيرة كـ«ليدي غاغا»و«جينيفر لوبيز» كما أثمر تعاونه مع «الشاب خالد» في ألبوم «سي لا في» عن نجاح كبير وعودة «حاج إبراهيم» إلى تصدر المشهد الموسيقي في عدة بقاع من العالم.
«مغربي، مغربي» أو «مرفوع الراس»، التي استوحاها الدي جي المغربي – السويدي من «أهازيج الألتراس في الملاعب» حسب تصريحاته، تعرضت لحملة واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة، بل أن كثرا ذهبوا حد اعتبار اختيار المغربي الأشهر في صناعة الموسيقى، خطأ وسوء تقدير، بل سوء تسيير وفساد وتبديدا للمال العام. «ريدوان خارج المملكة مختلف عن داخلها» كانت قراءة «ألتراس حراسة النوايا» في البلد، «الأغنية جميلة لكنها فقيرة فنيا» تعليقات عكست التذمر من فنان انتظر منه الكثير على ما يبدو. «هي موجهة للجماهير ليس إلا، ليست بالأغنية الرسمية للبطولة» برر البعض، «ذلك مستواه وهذا جزاء تهميش مواهب البلد»، تذمر كثيرون.

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية