من شعب رازح تحت الاحتلال لعبد الباري عطوان.. ألف تحية ويد قوية.. تمتد له لمتابعة النضال

حجم الخط
0

عبد الباري عطوان…. قرأ الجميع نص استقالته من رئاسة صحيفة ‘القدس العربي’، ومعظمهم لا يعرفون عبد الباري عطوان الا مـــن خلال قلمه ومداخلاته، كذلك الامر بالنسبة له، فهو لا يعرف معظم المعجبين بقلمه الذين يحترمون في ذلك القلم صدقه وسلامة حسه القومي والوطني.
مرت ثلاثون سنة على معرفتي بعبد الباري عطوان، قبل ان ينتقل ليبحر في محيط الاحداث على متن قارب ‘القدس العربي’. وعندما قرأت استقالته نصا أعدت قراءتها روحا ومضمونا، وتمنيت لو كان محمود درويش ما زال حيا ليقرأ معي تلك الاستقالة ولنفسرها معا.
لم يكن عبد الباري عطوان في تلك الايام (أواخر الثمانينات) سوى مقاتل شجاع يريد أن يستمر في الابحار وقيادة قارب ‘القدس العربي’ من دون محدودية وشروط ومطالب ‘وليد أبو الزلف’ الذي كانت ‘القدس العربي’ مسجلة باسمه في لندن.
محمود درويش وأنا اتخذنا موقفا لا مساومة فيه: استمرار المركب بقيادة المقاتل عبد الباري عطوان. مقاتل من أجل فلسطين أرضا وشعبا..
مقاتل من أجل اعلاء كلمة الحق.. مقاتل من اجل الانسان وحقوقه..
مقاتل لدعم نضال الشعوب التي تقاتل من اجل التخلص من الاحتلال وتقرير مصيرها بنفسها.
رافعا راية الحرية والحق والديمقراطية أبحر عبد الباري عطوان محفوفا بتمنيات القائد الراحل ياسر عرفات بالنجاح والتفوق. القبطان المسلح بالمبادئ كان يمتلك اسلحة اخرى لمواجهة عواصف البحار والمحيطات وما تخبئه من الغام وصخور قاسية لكل من يبحر في مهمة صعبة وشاقة كمهمة عبد الباري عطوان. قاد بقلم وقّاد وخبرة في تحريك الرأي العام. كان يملك السر، ان تمتشق سيف الحق والحقيقة خلال معاركك الى صعوبة المستحيل.
جوع وحق.. شظف وحقيقة.. حصار ودفاع مستميت لا يتوقف عن الحق والحقيقة. وكلما ابحر في ظلمات البحار ازدادت المهمة صعوبة وارتفع مستوى وتأثير نضاله في الابحار، من دون الارتطام بصخور قاسية او الانزلاق في دوامة سوداء. وفيما هو يخوض غمار الموج العاتي ازداد المتلهفون لوصوله سالما، وراحوا يصفقون له عند كل شاطئ وفي كل جزيرة. البحّار الخبير بشؤون الموج والأعاصير كان يملك سر ادارة الشراع، بحيث لا تقتلعه عاصفة وذلك بادارة الشراع بحنكة ليجعل العواصف، كل واحدة من جهتها، تصطدم بالعاصفة الاخرى وينجو الشراع. لم يرهن الشراع لمجرى عواصف واحد، ولم يرتهن لاحد الا للحق والحقيقة.
يودع القبطان اليوم محبيه… يودع موقعه في’القدس العربي’! ولم تفوّت حنكة القبطان فرصة الايحاء بالاسباب. الضغط الذي سلط على شراعه من عاصفة قوية واحدة، أو عاصفتين! ويزاحم سؤال يمر في ذهني أسئلة اخرى ليأخذ الاولوية: كيف سمح القبطان لعاصفة قوية كان يسخرها لدفع الشراع للامام أن تحطم شراعه؟ ويأتي الجواب سريعا: حنكة القبطان اقتضت الا يفصح عن خطته لقيادة سفينته تدافع عن الحق والحقيقة بامانة نحو بر الأمان. فمتى نرى شراعها.
عبد الباري عطوان رجل معطاء لقضايا تشكل بمجموعها ‘قيمة الانسان’.
فهل اراد أعداء الحق والحقيقة أن يدمروا القيمة والقيم، أم ارادوا تهشيم هيبة القبطان الذي قاد القارب الصغير في محيط العواصف؟
لن ينجحوا مع عبد الباري عطوان لأن عبد الباري لم يعد ذلك البحار الشجاع الذي ابحر وحده في شراع صغير في محيط العواصف، أصبح مدرسة لبحارة شجعان يرفعون راية الحق والحقيقة. حيثما كان ذلك القبطان الشجاع (الذي لم أتمكن من الاتصال به حتى الآن) له منا جميعا، من تحت الاحتلال وعواصف التهويد… الف تحية. البعض ومنهم من يثمن عاليا عبد الباري عطوان، كتب بصدق وألم، وجاءت كتاباتهم كمن يرثي شهيدا.
والبعض تحدث عن الفارس المقدام ولكن لينتهي بالقول انه ترجل. اعتقد انني اعرف عبد الباري عطوان معرفة جيدة فهو فارس لم يترجل، بل هو فارس يجيد الكر والفر تماما كما كان يدير دفة القارب ليمكن شراعه الصغير من تفادي العواصف العاتية التي تسعى لالتهامه.
نحن نمد لعبد الباري عطوان اليد، كما مددناها قبل ثلاثين عاما، والفارق أن ياسر عرفات ومحمود درويش يراقبان ما يدور من جنان الخلد.

‘ سياسي فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية