محمد عبد الحكم دياببدت مهمة الحكم في مصر هي صناعة الفشل في كافة المجالات، ومن الواضح أن المشروع الإخواني يقوم على الصدام مع كل القوى وضد مؤسسات وسلطات الدولة بلا استثناء، وهذا هو المأزق الحقيقي الآن، وبعيدا عن ‘الجيتو الإخواني’ فالكل مدان وبرسم الاغتيال المعنوي كشرط ضروري للاغتيال المادي، وبدا الإقصاء ‘فرض عين’ يقوم به كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين؛ وهي حالة نادرة في التاريخ، التي يجد فيها المرء حكما لا يفكر إلا في صناعة الأزمات، التي ينسبها للآخرين؛ الملومين دائما، وهي حالة تحد غريبة للمجتمع بمجمله، وكأنها إعلان حرب على الجميع، وهي في الحقيقة حرب الطائفة والمذهب ضد الشعب والدولة، لذا غابت مفردات ومصطلحات الدولة والشعب والوطن عن الخطاب الرسمي، وحلت محلها تعبيرات الأهل والعشيرة والشريعة، في صيغ وعظ وكلام إنشائي ومُرسَل.في مثل هذا المناخ يتحول الخلاف السياسي الى فتنة، ويعتبر الرأي المعارض مؤامرة، وتُفسر المنافسة السياسية بأنها كفر بواح. ويكتشف المرء أن الفتنة والمؤامرة والكفر هي أسلحة ‘مشروع التمكين’، ومنطلقات الحرب الدائرة الآن بين جماعة الإخوان وروافدها، وأضحت تبريرا للقوانين والإجراءات المتخذة لتغيير خريطة الوطن وإعادة تشكيل الدولة وتفتيت المجتمع، و’مشروع التمكين’ أشبه بـ’مشروع التوريث’ بالنسبة لعائلة مبارك، وكانت لا ترى من الشعب إلا شركاء المال والأعمال، وجماعة الإخوان وروافدها لا ترى من الشعب إلا الأهل والعشيرة والشريعة.وحل كابوس الأزمة الاقتصادية الطاحنة، والعقل الحاكم أسير قواعد العمل القديمة؛ معتمدا على وصفات العلاج الغربية، وهيئاتها القابضة على اقتصاديات العالم والمتحكمة في سياساته، وبذلك ازداد تبعية؛ مقارنة بما كان عليه عهد مبارك. والحجة في تفجير المعارك المفتوحة ضد مؤسسات وسلطات الدولة هي انتشار الفساد فيها، وهي حجة حق يراد به باطل؛لإشعال المعارك، وبث الفُرقة، وتحريض الجماعات الطائفية والمذهبية ضد الشعب والمجتمع والدولة.ويعتمد كل هذا على سيادة التعميم في إصدار الأحكام، وبدلا من الحفاظ على مؤسسات وسلطات الدولة يأتي التعميم أساسا لإعلان الحرب المجتمعية الشاملة؛ من دون محاولة إصلاح أو تطهير، وغاب القانون أمام زحف وتحرك الجماعات الطائفية والمليشيات المذهبية في مواجهات مباشرة ضد المؤسسات والعدوان على سلطات الدولة، بغير تحديد الخط الأبيض من الخط الأسود من الفساد. والتعميم هو الباب الملكي للأكاذيب والكلام المرسل، وخلط الفساد بالاستقامة للإدانة وتبرير الحرب المعلنة على تلك المؤسسات والسلطات، والإخوان وهم يملكون السلطة التنفيذية، ويهيمنون على السلطة التشريعية، ويوجهون الصحافة والإعلام الرسمي المضاف إلى صحافتهم وإعلامهم الخاص، ومع ذلك فهم دائمو الشكوى من الصحافة والإعلام المخالف لهم في الرأي والتوجهات.وكنا قد ذكرنا في مقالات سابقة أن الحرب على أشدها ضد أربع سلطات ومؤسسات كبرى (القضاء والإعلام والأزهر والقوات المسلحة)، ومؤخرا أضيفت الشرطة وأجهزة الأمن كمؤسسة خامسة تتعرض للهجوم، الذي زاد بعد إقالة وزير الداخلية أحمد جمال الدين وتعيين وزير جديد يوقف ما بدأه الوزير المقال، وبدت جماعة الإخوان وروافدها غير قادرة على تحمُّل وجود وزير داخليه جاد؛ عمل على تأهيل الوزارة وأجهزتها والعاملين فيها مع المتغيرات الجديدة، وهو من وزراء الداخلية القلائل الذين لا ينحازون للحلول الأمنية، وحين كنت أشاهده وأستمع إليه على الفضائيات كان يترك انطباعا بأن الانفلات الأمني قد وجد طريقه إلى الحل، وكان المرء يجد وزيرا يعترف بالأخطاء، سواء التي سبقت وجوده القصير في الوزارة أو استمرت معه.وبدا أسلوبه غريبا عن وسط وزارة أدنى من مستوى التحديات، وكان من المتوقع ألا يجد وزيرا جادا تعاطفا من داخل وزارته، بسبب ما كانت تتمتع به من نفوذ وقوة وبطش، ومع ذلك وجد مناخا مواتيا، ومن الواضح أن جهاز الشرطة الذي كسرته الثورة تطلع إلى من يغير صورته النمطية المستقرة في النفوس عنه. أحدثت إقالة وزير الداخلية ردود أفعال لم تتوقعها السلطات المعنية، وشهدت البلاد احتجاجات تنتسب لوزارة مهمتها التصدي لتظاهرات واحتجاجات الآخرين، في وقت تستعد فيه البلاد لإحياء الذكرى الثانية للثورة، وهناك تحفز من قوى الثورة للخروج في ذلك اليوم؛ مطالبة باستكمال الثورة وتحقيق أهدافها، وكان وجود وزير بهذه العقلية مخففا من وطأة اليوم المنتظر ومفاجآته، لكن حياد الوزير وإعلانه أن الشرطة تعلمت الدرس واستفادت من خبرة الثورة، ولن تكرر أخطاءها، ولن تكون في مواجهة الشعب. هذا أثار التوجس، خاصة أنها قلصت دورها في مجالات ‘الأمن السياسي’ بعد أن كان مجالا مسيطرا على العمل الأمني، الذي كان قد تحول إلى دولة داخل الدولة، وقصرت الوزارة وظيفتها على الدفاع عن سلطات الدولة ومؤسساتها الحيوية، والأمن العام والمرور والتصدي لتهريب السلاح، بجانب أعمال أخرى تتعلق بأحوال الناس اليومية. وتجدد الموقف المعادي للشرطة منذ وقفت فاصلا بين المحتجين السلميين ومليشيات الإخوان وروافدها المهاجمة على محيط القصر الجمهوري، ويبدو أن المطلوب هو أن تكون الشرطة سندا للمليشيات المعتدية، ولو فعلت لكان حجم الضحايا مضاعفا في ذلك اليوم الدامي، ومن ساعتها وهي تخضع لحملة شرسة من فصائل الإسلام السياسي، وعلى الأخص جماعة ‘حازمون’ التابعة لحازم أبو اسماعيل.وفي رسالة تبين نظرة أنصار الإخوان في خارج مصر إلى ما يجري الآن؛ وتصف الوضع بأن ‘النظام (السابق) نفسه موجود وراسخ وهو الاعلام والشرطة والقضاء’، ولم تُحدد مواطن الفساد ولا رموزه، وربطت بين الشرطة والقضاء والقول: ‘على فكرة دول حاجة واحدة مش حاجتين لان نظام مبارك المجرم قد سمح لضباط الشرطة بالعمل في السلك القضائي، واصبح الضابط يعمل بالنيابة، ويجلس على منصة القضاء، ولهذا السبب لم تصدر أي أحكام على قتلة الثوار، فالذي يجمع الادلة ضابط يقدمها للنيابة ضابط، ثم تعرض على قاض ضابط’، ونسي كاتب الرسالة أن ‘القضاة الضباط’ مقربون من د. مرسي، وإلا ما كان قد اختار نائب رئيس الجمهورية – قبل أن يلغيه في الدستور الجديد المطعون في سلامته – منهم’ إنه المستشار محمود مكي، وكان شرطيا قبل أن ينتقل إلى سلك القضاء، وإذا كان هذا النظام معيبا فمرسي يملك تغييره بالسلطات التشريعية والتنفيذية التي تحت يده، والعملية ليست انتقائية؛ فهم أنبياء حين يخدمون في’بلاط’ مرسي، ويحاربون كشياطين حين يعملون في ‘بلاط’ غيره، ولم تنس الرسالة القوات المسلحة، وقالت: ‘الجيش من أكبر المستفيدين؛ لن ينسى أن قيادة البلد التي كانت بين يديه منذ 60 سنة قد انتزعت منه، ويتمنى فشل التجربة علشان يرجع تـاني ويسانده في ذلك كـل الفاسدين الـذين يتمنون عودة الجيش’.وكأن المجلس العسكري أجبر على ترك الحكم بعد انتخابات الرئاسة. أليس المجلس العسكري هو الذي راهن عليهم وهيأ لهم الفرص التي أوصلتهم إلى الحكم؛ تاركا الثوار في العراء، وتسبب في الغرور الذي ركبهم؛ معتبرين أنفسهم صناع الثورة ومفجريها، وقصة الستين سنة التي تُلاك متعمدة، كي لا يفرق الناس بين مرحلة الثورة والتحرر والاشتراكية بقيادة جمال عبد الناصر، وحقبة الثورة المضادة والصهينة التي أسس لها أنور السادات، وعززتها الدولة البوليسية في فترة حكم حسني مبارك؛ الكنز الاستراتيجي للدولة الصهيونية، وانتهت بالتوريث والحكم العائلي، وشتان بينها لدمجها جميعا في فترة واحدة طولها ستون عاما، وعندما كانت مصلحة الإخوان مع المجلس العسكري شاركوه خطاياه وغطوا على تجاوزاته، حتى أفسحوا الطريق لمليشيات؛ بدأت تستعين بالخبرة الإيرانية في تصفية جيش الشاه وإحلال الحرس الثوري (مليشيا الثورة) محله.كان الجيش الإيراني رديفا للقواعد العسكرية الغربية، وشريكا للدولة الصهيونية، ومن المقبول أن تصفيه الثورة الإيرانية؛ لخطره عليها، أما تاريخ الجيش المصري فمختلف، وما زال المخزون الوطني داخله مؤثرا على مواقفه وتحركاته، وكان موقفه من التوريث سببا في خروجه على حكم مبارك، وعاد إلى ثكناته بعد انتخابات اعتبرت الأنزه، رغم ما جلبته من حكم طائفي ومذهبي، وإذا كان هناك من يطالب القوات المسلحة بدور سياسي انتقالي لوقف البلطجة والفوضى، فالإخوان وروافدهم هم السبب؛ بسوء إدارتهم للبلاد، ودورهم في تقسيمها، ومع ذلك فإن شعور القوات المسلحة بأنها مستهدفة جعلها توجه النداءات المؤكدة لانحيازها للشعب؛ طلبا لدعمه وليس العكس، وذلك الشعور بالخطر دفعها لطلب عون الشعب ضد الهجوم الضاري عليها، والواضح أن الرأي العام الشعبي لن يتوانى في الدفاع عنها إذا تعرضت لمكروه، وكان من المفترض أن يسأل المعنيون لماذا تغير المزاج العام فيطلب دعم القوات المسلحة بعدما كان ناقدا للمجلس العسكري قبل انتخاب مرسي رئيسا للجمهورية؟ ولم تنس الرسالة المواطنين المسيحيين ‘انضم لكل هؤلاء المسيحيين ودي مش محتاجة شرح’، وكانت الرسالة واضحة وهي تحصي من تجب محاربتهم وهم: ‘عائلات القوات المسلحة والانتاج الحربي، القضاء، الشرطة، الاعلاميون، رجال الأعمال، قطاع البترول، الحزب الوطني (3 ملايين) يضاف إليهم المسيحيون.! كل هؤلاء، وهم بالملايين يحاربون حربهم الاخيرة للدفاع عن مصالحهم المباشرة، وآخرون لا نعلمهم الله يعلمهم زي إللى إنبروا للدفاع عن (ô.) ساويرس (صفة يعاقب عليها قانون النشر)، الذى ينفق الملايين ويجند العملاء لاسقاط نظام مرسي’. ووصفت الرسالة المعركة بأنها معركة النهاية، ‘لا مجال فيها للتوافق أو التنسيق’.ومن الواضح أن الحرب الدائرة ضد الدولة والمجتمع لا تستثني أحدا، وإذا ما استمرت فسيبقى الإقصاء والفتنة والتكفير نهجاً للتمكين والتفرد بالسلطة واحتكارها، مع إمكانية إعطاء حصة ما للسفليين – مقابل دورهم في تبني نهج التحريض وإنكار إسلام المسلمين الذين لا يرون رأيهم في الدين والدنيا، فضلاً عن غير المسلمين، الذين يدفعونهم للهجرة، وهي كارثة قومية شاملة تتهدد العرب جميعاً وليس المصريين وحدهم.’ كاتب من مصر يقيم في لندنqraqpt