من طرد زيلينسكي إلى تمثال غزة الذهبي: ترامب يعيد تشكيل العالم ويلعب دور العميل الروسي وإن على التلفزيون

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

ربما كانت المشادة الحادة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الحدث الأهم الذي أنهى أسبوعا حافلا من اللقاءات التي عقدها الرئيس الأمريكي مع قادة أوروبيين، فقد كان في المكتب البيضاوي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي ظل يتملق للرئيس، ويخاطبه بـ«عزيزي دونالد» محاولا ثنيه عن تغيير موقفه من أوكرانيا.
ثم جاء كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني الذي لعب على نبرة «العلاقة الخاصة» والتاريخية بين البلدين، وقدم لترامب دعوة من الملك تشارلس لزيارة المملكة المتحدة، وهو ما اعتبره ترامب شرفا عظيما لأنه الرئيس الأول الذي يتلقى دعوة ومرتين لزيارة رسمية إلى بريطانيا. لكن زيلينسكي جاء لغرض أراده ترامب ونائبه جي دي فانس، وهو التقليل من أهميته وإجباره على توقيع اتفاقية يعطي فيها حق المعادن الثمينة لأمريكا كتعويض على دعمها لأوكرانيا خلال الحرب التي مضى عليها ثلاثة أعوام. وانتهى اللقاء بـ«طرد» زيلينسكي من البيت الأبيض، حيث اعتبر ترامب ما جرى هو أحسن عرض «تلفزيون واقع» يحدث في أمريكا وأمام العالم والصحافة التي كانت حاضرة.

لم يحدث منذ 250 عاما

وكان من الواضح التناقض في موقف ترامب من أوكرانيا ومن حرب الإبادة على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. والدعوات المستمرة، والتي أصبحت عادية لتهجيرهم وقلب المنطقة العربية رأسا على عقب وتشكيلها حسب رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف المتحالف معه.
ففي غزة انتهت المرحلة الأولى وسط تحضيرات إسرائيلية للعودة إلى الحرب. وشهدت المرحلة هذه عددا من التوترات، ولكنها انتهت بإطلاق سراح 33 أسيرا إسرائيليا مقابل أكثر من1.700 سجين فلسطيني عدد كبير منهم من أصحاب المحكوميات بالمؤبد. ولعل المفارقة في مشادة ترامب- فانس ضد زيلينسكي هو ما أثاره المعلق في صحيفة «نيويورك تايمز»(28/2/2025)، توماس فريدمان، الذي قال إن ما جرى يوم الجمعة في المكتب البيضاوي لم يحدث لأي رئيس أمريكي أبدا. وقال إن ما حدث وهو على ما يبدو «الكمين الذي نصب للرئيس فولوديمير زيلينسكي من قبل الرئيس ترامب ونائبه جي دي فانس، كان شيئا لم يحدث منذ 250 عاما من تاريخ البلد. ففي حرب كبرى تشهدها أوروبا وقف رئيسنا مع المعتدي، الديكتاتور والغازي ضد الديمقراطي ومقاتل الحرب ومن غزيت أرضه». وتساءل «تريد اعتذارا، تخيل لو أخبر ترامب وفانس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الحرب مع حماس استغرقت وقتا طويلا، وفقدت الكثير من الأرواح وتكلف أمريكا الكثير من المال. وعلى بيبي وإسرائيل التعامل مع عدوان حماس». وأشار فريدمان إلى ترامب بدلا من ذلك وقف إلى جانب إسرائيل 110% وبنفس الأمر وقف مع بوتين 110%. ومن الصعب كما يقول النظر بالطريقة التي تحطمت فيها السياسة الخارجية الأمريكية، فأمريكا حسب رواية ترامب وقفت مع أوكرانيا كعمل خيري بدون أن يكون لديها أي مصالح أو أسهم في دعم الحرية ضد الديكتاتورية.
عالم الصفقات
وهذا في النهاية هو شكل النظام العالمي الذي يرسمه ترامب، فهو عالم دون كورليوني، من فيلم العراب الشهير، عن عصابات المافيا الإيطالية في الولايات المتحدة في العقود الأولى من القرن العشرين.
إنه عالم يرى في أوكرانيا وغزة صفقات، ولهذا يؤكد المسؤولون في إداراته على أنه «رجل الصفقات»، واختياراته لمن يمثله في الخارج وخاصة، مبعوثه للشرق الأوسط، هو رجل عقارات، ويرى في غزة منطقة تطوير عقاري يجب أن تكون خالية حتى يتاح بناؤها من جديد، وبدون السؤال عن المسؤول عن هذا الدمار القيامي الذي لا نراه إلا في أفلام نهاية العالم. ورأت مجلة «إيكونوميست» (27/2/2025) أن ترامب بدأ معركة على طريقة المافيا للسيطرة على النظام العالمي. وقالت إن مظاهر التمزق في النظام العالمي الذي نشأ في مرحلة ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 تكتسب زخما. وبدا واضحا في جلسة البيت العاصفة أن ترامب يؤمن بأن القوة هي التي تحدد الحق، فهو يرى أن زيلينسكي لا أوراق لديه، ليرد هذا بأنه لم يحضر إلى أمريكا لكي يلعب «الشدة».
ولكن الرجل الذي قال لماكرون «حياتي كلها صفقات» عازم على المضي في التظلم بأن بأمريكا خدعت من حلفائها ولزمن طويل وأجبرت على القبول بنظام تجاري عالمي لا يخدمها، بل ودفع ثمن الحروب الخارجية. ولهذا السبب يجوب المبعوثون لترامب العالم حول العالم من أجل تحقيق صفقات، كدفع السعودية للتطبيع مع إسرائيل وإعادة تأهيل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فمن محاولة السيطرة على ثروات أوكرانيا، تماما كما فعلت القوى الإمبرياليات السابقة، إلى «ريفييرا» غزة باتت لغة الصفقات هي المبدأ التنظيمي الذي يحكم السياسة الخارجية الأمريكية.
ويشعر ترامب وشركاؤه أنهم معزولون عن تأثيرات سياساتهم من خلال «محيط جميل»، إلا أن «إيكونوميست» تذكره بأن حروب اليوم لا تخاض فقط على الأرض وعبر إرسال الجيوش، بل هي حروب إلكترونية وفضائية، ولهذا فالانفصال المادي ليس ضامنا لسلامة أمريكا وأقل مما كانت عليه عندما ضرب الطيران الياباني بيرل هاربر عام 1941، منهيا عزلة أمريكا. كما ويتعامى ترامب عن حقائق أخرى لها علاقة بالجيوسياسة، فبعد 17 شهرا من الحرب لم تعد الحدود بين لبنان وسوريا وغزة مع إسرائيل نفسها وكذا الضفة الغربية التي أرسلت إليها دبابات الميركافا ولأول مرة من 20 عاما في تطور يهدف لتمكين الاحتلال وتحقيق أكبر قدر من الضرر للفلسطينيين وتدمير رموز عودتهم.

الخطر على الأردن

ومن هنا تساءلت «إيكونوميست» (27/2/2025)، إن كان الأردن سيشهد اضطرابا سياسيا، بسبب العملية العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية. وأشارت إلى لقاء العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مع ترامب في 11 شباط/فبراير، حيث شعر الملك بالإحراج وكان يرمش بسبب طرح ترامب رؤيته لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى الأردن ومصر. وقالت إن الأردنيين خرجوا بعشرات الآلاف من أجل الترحيب بملكهم وعودته الظافرة كبطل. ولكن الصورة تكذب الحال لأن رحلة الملك كانت «كارثة» حسب محلل أردني، كما وانتشرت تعليقات ساخرة على منصات التواصل الاجتماعي.
وتقول المجلة إن سوريا ولبنان شهدا مخاضا سياسيا وتغيرات في الأشهر الأخيرة، وتساءل الأردنيون إن كان بلدهم سيواجه نفس المخاض. إلى جانب هذا، هناك خشية من أن تدفع العملية العسكرية سكان الضفة، وخاصة حملة الجواز الأردني نحو الضفة الشرقية، بشكل يؤدي إلى تحويلها إلى فلسطين. وحتى لو بقي سكان الضفة الغربية وعددهم 3 ملايين نسمة على حالهم، فالحرب المستمرة في غزة منذ 17 شهرا تركت أثرها على السياسة في المملكة. فحماس التي تعرضت لضربة في غزة لا تزال تؤثر على الشارع الأردني. وفاز إسلاميون في سوريا، ولهذا تقول المجلة أن زيارة أحمد الشرع في 26 شباط/فبراير للأردن لم تكن حافلة وأبقيت على مستوى منخفض. وكدليل على تجاهل إدارة الأردن أن وزير الخارجية الأمريكي الجديد، ماركو روبيو عندما زار المنطقة لم يكن الأردن ضمن محطاته.

عودة للفقاعات الإنسانية

ولا يبدو أن لدى إسرائيل أية نية للإنسحاب من غزة، أو المضي في تطبيق المرحلة المقبلة من اتفاق الهدنة. وأشارت صحيفة «الغارديان» (28/2/2025) إلى أن الجيش الإسرائيلي قدم خطة إلى الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لإدارة غزة، يسيطر من خلالها على المساعدات الإنسانية وبطريقة أشد مما كان عليه الحال قبل الحرب. ففي اجتماعات مع ممثلي الأمم المتحدة يوم الأربعاء ومع مسؤولين من وكالات أخرى يوم الخميس، حددت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة، وهي الوحدة العسكرية المكلفة بتسليم المساعدات إلى الأراضي المحتلة، مخططا لتوزيع الإمدادات من خلال مراكز لوجستية مدارة بإحكام على من ترى أنهم يستحقون المساعدة وتم فحصهم.
ويبدو أن المخطط هو نسخة من مخطط تم تجريبه قبل أكثر من عام في غزة، والمعروف باسم «الفقاعات الإنسانية»، والذي ينطوي على توزيع المساعدات من مناطق صغيرة خاضعة لسيطرة شديدة والتي من شأنها أن تتوسع بمرور الوقت. ولكن تم التخلي عن التجربة بعد بضع تجارب في شمال غزة. وقامت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة بإحيائها، في وقت تتفاوض فيه إسرائيل على المرحلة الثانية من الهدنة والتي تشمل انسحابا إسرائيليا كاملا من غزة، لكن الخطة الجديدة تقوم بتشديد الحياة اليومية على الفلسطينيين.
وحسب مصادر في منظمات الإغاثة التي اطلعت على الخطة، فإن «المراكز الإنسانية» ذاتها يمكن تأمينها من قبل شركات أمنية خاصة، ولكنها ستقع في مناطق «تحت السيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلي». فالمدخل الوحيد إلى غزة الذي يسمح بمرور المساعدات بموجب الخطة هو معبر كرم أبو سالم، الذي تسيطر عليه إسرائيل. وسيتم إغلاق معبر رفح بين مصر وغزة بشكل دائم. ويجب أن تكون المنظمات غير الحكومية المسموح لها بالعمل في غزة مسجلة في إسرائيل، ويجب فحص جميع الموظفين العاملين لديها أو لدى وكالات الأمم المتحدة. وبما أن المساعدات لن يسمح بها إلا من خلال معبر إسرائيلي وليس من خلال رفح، فإن ذلك من شأنه أن يجعل العمل في غزة مستحيلا تقريباً بالنسبة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» التي حظرتها إسرائيل. وقال مسؤولون في مجال المساعدات مطلعون على إحاطة منسق أعمال الحكومة في المناطق إن الخطة قدمت كحقيقة ثابتة، حيث زعم المسؤولون الإسرائيليون أنها تحظى بالفعل بدعم كامل من الولايات المتحدة وبالتالي سيكون من الصعب على الأمم المتحدة مقاومتها. وتتصور الخطة غزة حيث يتم توزيع الضروريات الأساسية على الفلسطينيين المعتمدين في نقاط توزيع محدودة تحت سيطرة إسرائيلية مشددة. ولا تذكر الخطة فكرة ترامب تولي ملكية قطاع غزة وإخلاء المنطقة من سكانها.

العودة إلى الحرب؟

ويبدو أن الخطة التي تتحدث عنها الصحيفة، هي محاولة من إسرائيل لنزع المبادرة من حماس، فقد جرى طرح الموضوع في عدد من التقارير الصحافية حول الحركة وأن سلاحها يعد عقبة أمام المرحلة الثانية للمفاوضات، وأن هناك ضرورة لمنعها من إدارة عمليات توزيع المساعدات الإنسانية، كما ورد في صحيفة «واشنطن بوست»(27/2/2025)، وكيف أن الجيش أعد خططا لمواجهة الحركة وتحقيق ما ظل يردده نتنياهو من تحقيق «النصر الحاسم». في وقت أشارت فيه صحيفة «وول ستريت جورنال» (27/2/2025) إلى أن حماس أعادت تجميع قواها وعينت قادة جددا وتقوم بإعادة ترميم الأنفاق التي دمرت. وتحدثت عن نقاش داخلي وما أثارته تصريحات موسى أبو مرزوق، أحد قادة حماس من جدال ورفض من الحركة حول امكانية التفاوض على سلاحها، وهي التصريحات التي وردت بمقابلة في صحيقة «نيويورك تايمز» (26/2/2025). وما يرشح من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وهي أنهم جاهزون لجولة مقبلة وأن هناك توافقا مع إدارة ترامب بشأن خططها، كل هذا رغم عودة ويتكوف إلى المنطقة ومحاولة مواصلة التفاوض. وقد عاد الوفد الإسرائيلي من القاهرة بدون حدوث أي تقدم، ما سيفتح الباب إلى عودة القتال وفي أول يوم من أيام رمضان، حيث يحاول الفلسطينيون التكيف مع واقع باتت فيه الحياة اليومية كفاحا.

غزة ترامب

وبدا ترامب غير مرتاح لأسئلة الصحافيين حول غزة، قائلا إنه لن يرد عليها نظرا لوجود مفاوضات. وقد أثار فيديو ولد من خلال الذكاء الاصطناعي صور تمثالا ذهبيا لترامب في وسط غزة، تقزز حتى الجماعات الإنجيلية التي تعتبر قاعدة الدعم الشعبي لترامب في الولايات المتحدة. وظهر ترامب مع نتنياهو وهما يحتسيان الخمر نصف عاريين على شاطئ غزة أو لنقل «غزة ترامب»، وظهر فندق ترامب في قلب غزة وحياة فارهة وأطفال يطيرون البالونات وراقصات رقص شرقي بلحى. ولعل ما أثار القرف والشجب هو نشر ترامب الفيديو على منصته «تروث سوشيال». وعلق ريتشارد هول في صحيفة «إندبندنت»(27/2/2025) على الفيديو بقوله إن الفلسطينيين الذين عاشوا في غزة ولأجيال لا تحصى لم يظهروا أبدا في اللقطات البراقة عن غزة ترامب الجديدة والتي تمطر عليها من السماء الدولارات وتزدهي بحلة جديدة من عالم ترامب العقاري. وقال هول إن الفيديوهات المولدة من خلال الذكاء الإصطناعي ليست متقنة بدرجة لتعطي منطقا، فهي مثل الحلم المحموم حيث لا يبدو فيه أي شيء حقيقي ويتوقف فيه المنطق، وهذا ينطبق على شريط غزة ترامب. فبعد محاولته الفاشلة لشرح خطته المروعة للقطاع المدمر باستخدام الكلمات والكلام، لجأ الآن إلى هذيانات خوارزمية غير معروفة، ربما حث عليها مراهق يشعر بالملل في مكان بعيد من العالم، لترجمتها له. وهذا أسوأ بطريقة أو بأخرى من جهوده السابقة لبيع الفكرة. يشير الفيديو إلى أن غزة ترامب مبهرجة للغاية لدرجة أنها قد تجعل دبي تبدو مثل مدينة غاري بولاية إنديانا. إنه تطهير عرقي معبأ في فيديو ترويجي أنيق للعقارات، يعطي صورة عما يدور في ذهن الرئيس فبينما يواصل الفلسطينيون في غزة انتشال الجثث من بين الأنقاض ويتجمد الأطفال حتى الموت في البرد القارس لأن منازلهم دمرت، يحلم ترامب بطرق لإثراء نفسه من الأنقاض. فأقوى رجل في العالم يفضل مشاهدة مقاطع الفيديو التي يحررها المعجبون بأفكاره الأكثر جنونا بدلا من قراءة تقارير وكالة المخابرات المركزية. كما أن محتوى الفيديو مزعج بما فيه الكفاية، ولكن ما يمثله لمكانة أمريكا في العالم أمر فظيع أيضا.
يعتقد الكثيرون أن الانتشار المتزايد لهذه الفيديوهات هو علامة على ما يسمى «تحويل الإنترنت إلى هراء». ومن خلال مشاركة أحلامه المحمومة غير المفلترة مع العالم، يعلن ترامب عن تحول الرئاسة إلى الرئاسة الهراء.

هراء أم مافيا

وسواء كانت هراء أم مافيا أو الاصطفاف مع الديكتاتورية، فما يريده ترامب من حديثه عن غزة الخاصة به، هو تحقيق هدف آخر، كما يقول حسين إبيش في مجلة «ذي أتلانتك» (27/2/2025) إنها كمسألة عملية وسياسية، فالفكرة غير قابلة للتنفيذ. ولكن مجرد اقتراحها، ربما مهد ترامب الطريق لهدفين آخرين يمكن تحقيقهما من شأنهما إعادة تشكيل الشرق الأوسط ويؤديان إلى الفوضى للفلسطينيين، وخاصة أولئك المقيمين في الضفة الغربية. يبدو أن الأول هو الاتفاق النووي مع إيران. فقد كان ترامب صريحا إلى حد ما بشأن رغبته في التوصل إلى اتفاق. ولكن بعد أن أعلن عن فرض عقوبات جديدة على إيران في وقت سابق من هذا الشهر، عقد ترامب مؤتمرا صحافيا خاطب فيه إيران مباشرة: «أود أن أكون قادرا على إبرام صفقة عظيمة، صفقة حيث تمكنكم من الاستمرار في حياتكم وسوف تبدعون بشكل رائع». لكن يتعين على ترامب أن يدرك أن اليمين الإسرائيلي وحلفائه المحافظين في أمريكا سيغضبون من مثل هذا الاتفاق ويطالبون ببعض أشكال التعويض. وهذا يقودنا إلى هدفه الثاني. ففي نفس المؤتمر الصحافي، ألمح ترامب إلى أنه قد يخفف من مخاوف إسرائيل من خلال عرض توسيع سيطرتها الرسمية في الضفة الغربية. وعندما سئل عما إذا كان يدعم «سيادة» إسرائيل في المنطقة، قال إن إدارته «ستعلن على الأرجح عن هذا الموضوع المحدد للغاية خلال الأسابيع الأربعة المقبلة». ويبدو ضم أجزاء إضافية من الضفة الغربية تافها مقارنة بغزة. وربما يكون هذا هو الهدف على وجه التحديد. فمن خلال تكرار خطته لإخلاء غزة، نجح ترامب في تحويل نافذة أوفيرتون/ الخطاب في الشرق الأوسط وتعزيز فكرة أن مطالب الفلسطينيين باطلة بطريقة أو بأخرى. إن هذه الخطوة تتبع تكتيك ترامب المعتاد: تكرار نفس الشيء المروع مرارا وتكرارا حتى لا يصبح صادما بعد الآن. ويقول إبيش أن غزة ـ لاغو (مثل مقره في فلوريدا مار-إي- لاغو) جنون ولكن إذا طبقنا عدسة ترامب، فسوف تظهر طريقة معينة – طريقة قد تجعله يحصل على صفقة نووية مع إيران. وهناك أسباب تدعو إلى هذا الاعتقاد ومتعلق بوضع طهران الحالي بعد عام من النكسات. ومن هنا يعتبر ضم أجزاء من الضفة الغربية محاولة استرضاء للمستوطنين واليمن في إسرائيل. ويمكن لترامب وحكومة اليمين فرض هذا الخيار على الفلسطينيين، مع أنهم سيحتجون. وفي النهاية، فما يصدر عن الإدارة سواء من أوكرانيا أو التماهي مع نتنياهو واستهداف الجيران والحلفاء في أوروبا بالتعرفات الجمركية هو كما يقول فريدمان، خروج عن السياسة الأمريكية منذ الحرب العالمية الأولى: «أيها المواطنون الأمريكيون، نحن في مسار مجهول، بقيادة رئيس، حسنا، لا أصدق أنه عميل روسي، لكنه بالتأكيد يلعب دوره على شاشة التلفزيون».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية