الغياب والبريطاني ‘لا تتخلَّ عني’: مَنْ يخدع الموت؟ والايراني ‘اوريون’: لا مفرللزلة! زياد الخزاعياينما عرض شريط المخرج الروسي أليكسي فيدورشينكو ‘ارواح صامتة’ نال التقريظ والاجماع، ذلك انه نص مغاير، يحتفي بنفس شعري عالي الجودة بالموت والغياب، ويقارب شعائره بكثير من التبصر السينمائي. وما نيله الجائزة الكبرى ‘اللؤلؤة السوداء’ لمهرجان ابو ظبي السينمائي في دورته الرابعة التي اختتمت يوم السبت الماضي الا مؤشر اضافي على فرادة هذا النص وتجلي لغته واختزاليته الباهرة. انه مجموعة من القيم والاعتبارات الانسانية التي صيغت عبر منظور اثنوغرافي لعرق بشري اندثر. لم تنفع معه عزلته الجغرافية، فوأده التحضر وهجمة الاوربة التي اكتسحت القيم الروسية العريقة.
شريط ‘ارواح صامتة’ من بابه التأويلي يعد صرخة اعتبارية لهذه الفئة، ودعوة الىالالتفات الى مصيرها الاسود واستعادته كعبرة. ولعل ثيمة الموت التي عرضهافيدورشينكو هي اكثر الصيغ نجاعة في ارغام مشاهده على الانتصار لثقافتها ومصيرها وتاريخها. نرحل مع بطلي الشريط نحو البقعة التي شهدت في الازمان الغابرة تألق المجموعة الاثنية المسماة بـ ‘ميريها’ (بالروسية تدعى ‘ميرا’) التي تعود اصولها الى الاثنيات الفنلندية ـ الاسكندنافية، من دون ان تتحول هذه الرحلة الى درس تاريخي، فعمل فيدورشينكو خال من همومه. في وسط روسيا اليوم يعيش الشاب ايست (ايغورسرغييف) وهو ابن احد كبار شعراء المنطقة، يحترف التصوير الفوتوغرافي، يقرض الشعر وكتابة الاغاني التي ترتبط بمجتمع الـ ‘ميريها’ الذي تقول الاساطير ان الروس ارغموه على الاندماج مع قبائل الـ ‘فينوجوغريك’ قبل اربعمئة سنة، منطلقا من ايمانه بأن جذوره تمتد اليهم.
وتقع الصدفة اثر عودته الى مقر اقامته، ليخبره رئيسه ميرون بوفاة زوجته الشابةتانيا طالبا منه مرافقته الى قرية نائية تدعى ‘غورباتوف’ هي موقع الغرام الاول بينالاثنين.
ومنذ اللحظات الاولى، يرغم صاحب ‘الاول على القمر'( 2005) و’محطة القطار’ ( 2008) المخرج فيدورشينكو مشاهده على مراعاة الانتباه والتيقظ الى المحيط المتحرك حولهما. فالسيارة المسرعة هي صندوق عجائب، يسعى بطلاه الى توثيق الارض وطقسها، الغابات ومروجها، الانهار وضفافها، السماء وعظمتها، الزمن وانتقالاته، الاعمار ومعانيها، العشق ومصائره، الاصوات وانتباهاتها، الاشياء وحركيتها. ان ايست وميرون هما روحان دفعتهما الفاجعة وفخامة الرحيل بمغزييه الفسلجي (الجثة) والجغرافي ( اندفاع السيارة) الى الالتزام بخرس مؤقت. من هنا، فإن وجود الكاميرا ( تصويرقدير من ميخائيل قرتشمان) داخل المركبة، حتم علينا ان نكون جزءا من الشعائر، متوجسين صمت الموت الذي تمثله الجثة الضخمة المضطجعة بسلام فوق المقعد الخلفي. ولكي يضفي المخرج فيدورشينكو المزيد من قيمة الحياة على شريطه القصير (75 دقيقة)، جعل بين الشخصيتين قفصا كبيرايضم طائرين لا يكفان عن الحركة، ما يمكن اعتباره الامتداد لحركة الخارج وتسربها السريع من نواظرنا، الى ذلك تمكن الاشارة الى توكيده على مبدأ الشراكة البشرية التي تتجلى وحدتها دائما امام الموت، حيث نرى الرجلين وهما ينهمكان بطقوس غسل الجثة البيضاء بصبر نادر وبكثير من شراب الفودكا الذي يسكب على اعضائها من اجل تطهيرها. يكشف فيدورشينكو (ولد عام 1966) ان هذه المجموعة البشرية تؤمن بقوة الحبوالمياه، فهي محاصرة بعزلتها التي فرضت على افرادها التآخي والجماعية والتناديالى العرق. كما ان رعويتها الموغلة بالقدم دفعتهم الى التماهي مع الطبيعة الزاخرةبكل شيء، بدءا بالحجارة وانتهاء بأعراف الموت. من هنا نفهم اسقاط الشريط حاجتي الكلام والشرح من حساباته الدرامية، ذلك ان المعاني الكبيرة في مقطع الزفاف هي من الغنى المعرفي ما يجعلها مشهدية مفحمة القيم، ومثلها لاحقا قيام البطلين بحرق جثة تانيا عند ضفة البحيرة الساحرة والذي تم تصوير الوقائع ضمن زمنها الحقيقي. هل يستحق الموت شرحا او تفسيرا؟ الجواب: نعم!
حينما لا يفقه المرء قوة ندائه. وحول هذاالاخير (النداء)، كتب الروائي اليابانيالاصل البريطاني الاقامة والهوى كازو ايشغورو نصه البليغ ‘لا تتخلَّ عني’ الذيصدر العام 2005، واقتبسه الى السينما صاحب ‘اظهار الصور بساعة واحدة’ (2002) المخرج الامريكي مارك رومانيك، ونال البريطاني اندرو غارفيلد جائزة افضل ممثل في مهرجان ابوظبي السينمائي عن دوره كخريج جامعي حديث العهد يدعى تومي يلتقي باثنتين من زميلاته في المدرسة الداخلية الصارمة القوانين، ليحققوا وعدهم الجماعي بالتبرع بأعضائهم قبل موتهم المبكر. وسعى ايشغورو ان ينجز نصا خياليا حول مفهوم الاستنساخ الآدمي لاغراض الامراض المستعصية، واحاله الى ادانة مضمرة لفاشية القوانين الحكومية التي تُغلف بأطر الاحسان الجماعي. تسرد البطلة كاثي (الممثلة كاري موليغن) التي تحمل صفة ‘راعية المتبرعين’ يوميات العهد الاول في المدرسة الداخلية الانكليزية ذات القوانين الصارمة والتيتقع في مقاطعة هيلشام العريقة حيث تلتقي بالصبي المعقد والحسي تومي الذي يعاني من صدود الاخرين له وانكفائه، والفتاة المتهورة روث (كيرا نايتلي) التي تبديحماسة للتعلق به كرأفة امومية، قبل ان تعترف في نهاية الشريط وقبل وفاتها انهاارتكبت حماقة مقصودة لابعاد الاثنين عن الوقوع في الحب واعلان خسارتها الشخصية. في المقطع الثاني للرواية والفيلم على السواء، تشهد البطلة الشابة حتفيالصديقين لكن على مستويين باهري المغزى:
الاول ان تومي تغلب على صلف الاخرين بالتبرع بأكثر من عضو فسلجي ليتحول الى ‘شهيد الاخرين’، فيما تلحق روث به الى صالة العمليات لتثبت للجميع ان انانيتها المخزية قادتها الى التبرع وليس الايمان به كفعل انساني. ان لعنة موتها تأتيمتأخرة قليلا على اعترافها بخطيئة خيانتها الى رفيقي عمرها بحياكتها مؤامراتها الشخصية بعزلهما عن بعضهما. لا يجعل ايشغورو من كاثي بطلة مثالية، ذلكانها تبقى الى النهاية غير قادرة على الامساك بقرار حقيقي، ما عدا مراقبة الاخرين وعقلنة خياراتهم المميتة. وفي الوقت التي تمارس فيه روث حيوية شبابها بكثرة المواقعات الجنسية مع تومي من اجل اغاضة كاثي وفك اسرها العشقي السري له، فإن هذه الاخيرة تحاول اثارة غضب الشاب عبر كشف اسراره الشخصية ـ مثل مشهد المجلات الفضائحية التي يخفيها في غرفته ـ من دون ان يصل الى صراخه الهستيري الذي يقوم به عندما يلعنه الصغار، او عندما يكتشف لاحقا خدعة ‘التبرع’ التي مارستها ناظرة المدرسة المتسلطة (شارلوت رامبلينغ) لصالح النظام وقوانينه، مع الاعتراف الصاعق لأمينة المدرسة، ‘المدام’، التي ترفض تقييم اعماله التشكيليةباعتبارها علامات للحب، كاشفة للثلاثة ان هيلشام لم تكن سوى ‘ثكنة لتقييم قوةالمتبرعين وتربية اعضائهم او انذار المجتمع والسلطة في حالة خروج البعض عنالارادة العليا’. استعار ايشغورو عنوان روايته من فقرة ترد في اغنية شهيرة للمطربة الامريكية جودي بريدجووتر تحمل عنوان ‘بعد حلول الظلام’. ويُهدي تومي الالبوم الى كاثي مناديا في كيانها مناغاة الام ـ كما هي في الاغنية ـ لابنها وتحريضها اياه ان: ‘لا تتخلَّ عني’. ان نص صاحب ‘بقايا اليوم'( 1989) يغمز بروية المحاسب الايديولوجي لقناة الدولة السرية التي لا تسعى الى تربية طبقات اجتماعية صحية، وانما الى تشكيل قطعان من البشر الذي يغفلون خطط التدجين التي شتمها جورج اورويل بعيد الحرب العالمية الثانية، واحالها النظام الجديد الى اهانة تمس كبرياء مجموعة من البشر سعوا الى الذود عن الاخرين، وتنكر لافضالهم الشخصية.
في شريط الايراني زماني عصمتي ‘اوريون’ (ضمن خانة ‘آفاق جديدة’ وترجم خطأ بـ ‘جوزاء’) تقف السلطة امام ازواجية المعيار الاخلاقي، مثاله القاضي الذييسعى الى معرفة ان تعمدت البطلة الشابة توريط المنجم الشاب في قضية فضّ بكارتها، ام ان القضية تتعلق بعلاقة حب جارفة لم يمنع الوازع الاخلاقي العام وقوعها وتحولها الى مصيبة شخصية لالهام ولعائلتها بعد تعميم الفضيحة. الحاسم فيالقضية ان السلطة تمارس دورها القائم على منع التسيب، بيد ان صاحب ‘أزقة ضيقة'( 2005) حاول موازاة هذا بتورط اصدقاء امير الذي يقدمه الشريط رجلا على قدر من القلق لكنه لا يكشف عن هلع، فيما تكون الهام خاضعة لوجعين: الاول حيث تنتظر الطبيب الذي سيرتق غشاء بكارتها، اي ان يعيد تأهيلها اجتماعيا كزوجة مستقبلية سارت على صراط الزنى. والثاني، دخول الشرطة الى مكان التجمع الشبابي، وهي شركة لانتاج اشرطة التلفزيون والدعاية وتصوير احتفالات عقود القران وما شابهها، يحول مطاردتها فوق سطوح المنازل الطهرانية الى تعميم اخلاقي عنيف على كم الخطايا التي تشهدها احياء المدينة الكبيرة. وكلما خمن مشاهد’اوريون'(اي ‘كوكبة الجبار’) ان مصير الخاطئة هو رجمها، يبتعد عصمتي بفطنة عن اعلان الادانة او نوعها. والوحيدة التي تعلن بحزم مرارتها هي الام التي تنال منامير بالشتائم داعية القاضي الى ارغامه على الزواج من الفتاة درءا لعارها بين الناس، قبل ان يردها بأن ‘المرأة لا تقرر’ ويصرفها بغلاظة بينة.
يفلت الجميع من المساءلة القانونية، ما عدا الهام التي تواجه استحقاق فعلتها معقدوم الاب. هنا نقف على ذكاء سردية عصمتي، ففي بداية الشريط نرى فتاة على قدر كبير من القلق تفر بين ممرات بناية فارغة، قبل ان نسمع صوتاً نسائياً ينهال بالشتيمة على انسان غامض. وهذه التوليفة سيستعيدها عصمتي بعد سبعين دقيقة لنفهم حقيقة المأساة العائلية التي ارتكبها شابان غرّان. ترى اين يكمن تحامله؟ في واقع خطاب الفيلم الذكي، لا يذهب عصمتي بسهولة الى شتم النظام بفظاظة تقلل من شأن عمله، بل عكس صورتها على تجمع الشباب الذي قدمه ككيانات ذات خفة لا تستهين بالعقاب، لكنها غير وجلة على الاطلاق من رموز نظامه، اي انها لا تحمل خوفها محمل الجد، عليه نرى ان تقاطعاتها مع المحققين تتم وكأنها امتحان مدرسي فيه كم من رعونة الاجابات التي لا تضع هاجس النجاح والتفوق كأولوية. ولعل شخصية الفتى المرافق للطبيب والذي كُلف بشراء المزيد من الفوط الطبية تمثل صورة باهرة للحُمق بإصراره على التواجد مع المجموعة المعتقلة ولعبه دور الأبله.
الملفت في عمل عصمتي انه لا يقع في خطل العموميات حيث انه لم يسع الى تقديم ازلام السلطة سوى كواجهة متعقلة تحاول جمع عناصر التهم من دون اساءات او إهانات او قذف. انها ارادات لا تمثل الزجر الكلي، بل تسعى الى تطبيق القانون، عليه فان العلاقة القصيرة التي تجري بين الجندي المكلف والهام حول الدواء تمثل تواؤما طبقيا، قبل تمثلها لقطبي حاكم ومحكوم. انها صيغة معبرة عن حاجتيهما الى عبور الازمة: الهام بشأن ان لا تخترق فضيحتها جدران غرف التحقيق. والجندي بانجازه مهماته قبل التسريح. مقابل هذا، يضع الثنائي الهام وامير امام شكوكنا ان كانا يعرفان بعضهما بعضاً. فحين يسأل القاضي الشابة ان هي اصرت على اتهامه له، يتدخل امير لدفعها الى قول الحقيقة، اي الملاحة نحو بر الامان للجميع باعراف التنجيم وافلاكه التي يشير لها عنوان الشريط.
وحينما تعلن الهام تراجعها، ينقل عصمتي نصه الى المع نجمين من بين ‘كوكبة الجبار’ التي اتخذها شرطا رمزيا الى ورطة بطله الشاب، وهما ‘رجل الجبار’ الذي يمثله الاب الذي توصل الى قراره النهائي بتصفية المخطئة في عراء صحراوي عاصف، والاخرى الام (الجوزاء) التي ستفلح في منع دم الفضيحة من ان ينال من زلّة الشابة. ان فرادة المشهد الختامي وقوته الدرامية ارتكزت في مجملها على المحيط الذي يُذكر بحسم بفصول ‘الريح'( 1928) لفكتور سيوستروم حيث تنتهي ليتي (ليليان غيش) وسط العاصفة الرملية هاربة من فضيحة محاولة تجني احدهم عليها في غياب زوجها ورفاقه. وتظهر الهام وسط هبات الريح العارمة مع صراخات الام وندب الاب في تشكيلة تعيدهم الى الطبيعة حيث ان قانون قتل العيب او التخلص منه يكمن بينهم، هم الثلاثة، ولا قوة اخرى قادرة على اعادة ترميم ما تهشم. ان سماوات طهران (في مشاهد هروب الهام) تُختزل هنا الى سماء موحشة واحدة يقدمها عصمتي وهي تتنبأ بما سيحدث للشابة التي فشلت في استغفال زناها.