من عنف الانحطاط إلي عنف الممانعة: هزيمة الاحتلال اعتراف بالعراق المقاوم

حجم الخط
0

من عنف الانحطاط إلي عنف الممانعة: هزيمة الاحتلال اعتراف بالعراق المقاوم

مطاع صفديمن عنف الانحطاط إلي عنف الممانعة: هزيمة الاحتلال اعتراف بالعراق المقاوم من إشعاعات الاحتلال الامريكي للعراق حوله، أن المشرق كله تحول إلي منطقة زلازل من كل نوع، بعضها معبأ وكامن، وبعضها الآخر علني وعلي حدود التفجر. لكن بين حال الكمون والتفجر تمور مجتمعات المنطقة بمختلف المشكلات البنيوية المتراكمة، والتي تخرج حتماً عن طاقة أية سلطات قائمة في حلها، هذا إذا انتوت حقاً الإصلاح وتدبرت بعض وسائله. بل ينبغي القول صراحة أنه ليس ثمة قطر عربي واحد مشرقاً ومغرباً يمكنه أن يدعي الاستقرار بمعناه الحقيقي، وليس بالهذر الإعلامي. إذا كان لبنان يمسرح استعصاءاته إلي حد ما، إلي درجة أن مكوناته الطائفية والمذهبية تعيش علي وقع حرب أهلية باردة، وبانتظار الإعلان النهائي عن فشل كل التسويات المتبادلة التي لا تموت إحداها حتي تتولد أشباهها، إذا كان لبنان لا يزال يتمتع بتلك الإيجابية النسبية التي تنتج تظهيراً سياسوياً معيناً لذلك النوع الخطر من مشكلاته البنيوية، فإنه بمعني ما يكاد ينوب في ذلك عن أقرب جيرانه، وخاصة سورية التي يتابع شعبها أخبار الأزمة اللبنانية، وتسهر العائلات ليلياً لتنفعل مع الشاشات اللبنانية، وتتحزب لهذا الفريق أو ذاك من لاعبي المسرح البيروتي الفاتح أبوابه ليلاً نهاراً لرواده من مقموعي العالم العربي كله. ولكن شعب سورية معني بمعاناة شقيقه، ليس من باب التضامن الأهلي فحسب، بقدر ما هي مشاركة مباشرة في استشعار الخطر المصيري الذي لن يتم حصره وحصاره في لبنان هذه المرة، كما كانت الحالة طيلة الحرب الأهلية السابقة. فالبركان اللبناني ربما سيكون هو الأصغر بالنسبة للبركان السوري المنتظر. هذا بالرغم من أن سورية لم تعرف حرباً أهلية أو ما يشبهها منذ استقلالها. لكنها كانت بلد الانقلابات العسكرية الفوقية التي دشنت تقاليدها قبل سواها، ومنذ السنوات الأولي لقيام الدولة السورية المستقلة. حتي تعمم هذا التقليد عربياً، وأمسي هو المحرك السياسي المركزي في تكوين النهضة العربية الثانية. والمقصود بصفة المحرك السياسي هذه أن الانقلاب العسكري لم يكن مجرد أداة للتغيير، بل طبع جدلية الحراك الثقافي السياسي لأهم القوي الفاعلة من أحزاب وتيارات، إذ تم التعامل مع ثقافة التغيير من باب السيطرة بالفعل العنيف المحتكر كلياً من قبل الجيش عادة. وكان الصراع بين الأحزاب يعكس تنافساً ضارياً علي استمالة فئة عسكرية ضد أخري. ليست الجيوش هي التي اغتصبت السلطة. إنها القوي السياسية المدنية من أحزاب وحركات وتيارات هي التي استخدمت العسكر لتحقيق مآربها. ثم أضحت من توابع الديكتاتوريات العسكرية التي أقامتها. وعلي هذا ينبغي الاعتراف أن النهضة لم تعش حياة سياسية مدنية. كانت إيديولوجيا العنف، والعمل العنيف هي المسيطرة من وراء الشعارات. أي لم تكن أحلام التغيير لديها الصبر التاريخي لإنضاج الكفاح المدني. صارت (الانقلابية) أشبه بعقيدة شعبوية، لا يتحرر من سلطان جاذبيتها طلائع المثقفين أنفسهم الذين تحالفوا مع العسكر، ثم دخل معظمهم سجونهم، أو قبل بعضهم بوظيفة الأداة أو البوق للسلطات الرأسية القائمة بوسيلة العنف نفسها التي أوصلتها إلي القمة. إنه المنطق السياسي المحكوم بهواجس التغيير السريع الذي قاد شبكية التحولات الفوقية في كل من القطرين السوري والعراقي بصورة خاصة، هو المسؤول دائماً عن الخيبات المتكررة التي تمني بها مصائر عامة للمنطقة كلها، ولا تقتصر أفاعيلها المباشرة أو غير المباشرة علي هذين القطرين وحدهما. فالعراق المهدم اليوم بفعل الاحتلال يكاد ينوء بكلكله علي مستقبل المشرق العربي وعمقه الاسلامي من ورائه. يكفي أنه تحول تحت الاحتلال إلي الساحة الأولي لأفجع انشقاق مذهبي عرفه الإسلام المعاصر، وسوف يهز عمق النظام الخليجي نفسه الذي نجح حتي اليوم في تحييد أقطاره عن أعاصير المنطقة. ولا يعلم أحد كيف يمكنه غداً أو بعده أن يتابع استراتيجية التحييد هذه. لا شك أن العمل علي كشف السواتر عن التناقضات الأهلوية، وتغذيتها بالاقتتالات الدموية المباشرة، وزرع أوطان المجتمعات المسالمة بثارات المهالك الجماعية، ونشرها في جزر متكاثرة، من قارة العرب والاسلام، هذا التصميم علي التخريب الذاتي بات آخر رهان لاستمرار الهيمنة الأمريكية، وحماية مستقبل الكيان العبري، علي أمل الرفع المستمر والمدروس لمستويات هذه التناقضات، وتأجيجها بما يغطي علي الخارطة الأساسية للصراع السياسي المقاوم، البالغ أوجه، المضمر أو العلني، ضد إنجازات هذه الهيمنة لمخططاتها المتباينة بالأسماء والعناوين، لكنها جميعها الهادفة إلي تبديد قوي الممانعة الوطنية وشرذمتها، وجعل مونها النهائي يبدو علي صورة الانتحار الذاتي، وليس فقط بفعل الغزو الاستعماري وأشباهه ومشتقاته الدعاوية المسعورة. نقول ان النهضة العربية الثانية عاشت العنف البنيوي بشتي أشكاله. وهي قبل أن تواجه حقبة كاملة من الغزو العسكري والسياسي المتمادي الذي تمارسه أمريكا، وكأنها أضحت شريكاً ذاتياً، فاعلاً من داخل كل ظاهرة عامة تعتري مساحة المشرق العربي بخاصة، كان العنف سيد تحولاتها القميّة. فلم يكن ثمة تغيير ما قادراً علي فرض حقائقه كنتاج طبيعي ومنطقي لتطور اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي، يمكن وصفه بالموضوعي، ولا يتعلق بإرادات أفراد أو فئات، بقدر ما هو من منطق واقع الأمور العامة نفسها. يشعر المجتمع العربي في شتي أحواله أنه واقع تحت سطوة الإرغام، يأتيه من أية جهة ما. فليس النظام الحاكم ولا أجهزته البوليسية التي لا يخلو منهما معاً أي بلد عربي أو إسلامي، ليس الاستبداد السياسي منعزلاً عن سلطة التقاليد، عن أنظمة التحريم والإباحة الدينية والمللية، عن ازدواجية الظاهر والباطن في العلاقات السلوكية بين الأفراد والجماعات، عن القهر الأسروي، عن التمييز الجنسي والعرقي والطبقي. إنه مجتمع العنف المعمم، المقنن بالعادات والتقاليد والمعتقدات والمواقف الفئوية. وقد تأتي لحظات التفجير السياسي علي مستوي القمم وكأنها بدائل عن استحالات التفجير الأخري في المخزون الأهلي من شعائر الوجه والقفا من كل مكبوت. فجائع العراق اليومية تنجح في إطلاق رمزيات الهلاك العام، وجعلها تصير حدثيات مألوفة، ما دام الهلاك العام أصبح قاب قوسين أو أدني من الجميع. إنها تنجح في تمزيق أقنعة الوصايات الزائفة عن مجاهل المكبوت المجتمعي التي تصير أشبه بحقائق كل يوم. هذا ما يفسر إلي حد ما ظاهرة القبول أو الاستسلام لواقع الحال عند البعض. كأنه يعرض ظواهر عادية لأحداث غير عادية قطعاً، لكنها سرعان ما تصير من نوع ارتكابات الكل ضد الكل، بما يمسح أدني مسؤولية من فظائعها، ولا يتبقي الا المحتل المعتدي لكي تقذف علي ظهره وحده كل تبعاتها، سواء شارك في إعدادها أو فوجئ هو نفسه بأهوالها، لكنه يظل هو المشرّع الأول لقانون الهلاك العام الذي أعلنه منذ أن وطأت دباباته أرض العراق، الوطن السليب الثاني بعد فلسطين، ولكنه العائد علي أطلال الاحتلال وأعوانه. مقابل (قانون الهلاك العام) الأمريكي وإنجازاته المريعة المدانة من قبل الضمير العالمي أينما كان، وكيفما أتيح له التعبير اختراقاً لهيمنة الإعلام الإمبراطوري علي المعمورة، يقوم العراق الآخر المقاوم، مستهدفاً أصعب المهمات ذات الطبيعة المزدوجة. فهو عليه من جهة أن يكافح انتقام الانحطاط العائد، من نهضته، والمتمثل في تفجير مخزونات من أشكال العنف المللي والعنصري والطبقي وسواها وفي الآن عينه، عليه أن يستردّ ذاكرة نهضته المغدورة، باستشارة وإحياء أهم مثلها المضيّعة، في وحدة الأرض والشعب والمستقبل، والمضي في مسيرة حرب تحرير حقيقية شاملة، ضداً علي (تجديد) انحطاط الذات، وعدوان الآخر، الوحش الدولي الأكبر في تاريخ الغاب الإنساني البائس. إنه العراق المقاوم المواجه في آن واحد لتحالف هذين الوحشين. وهو الذي ينبغي البحث عن وجهه الحقيقي الذي يصير محجوباً وراء الغزاة، ووقائع التهلكات الجماعية، والمللية المسعورة، بدلاً من تلك الحالة المزرية التي تحاول أخذ العراق الأصيل بجريرة النسيان حتي من قبل أقرب إخوانه وجيرانه. فقد أمعن النظام العربي منذ الغزو في التعامل مع العراق كما لو أنه مُسح من خارطة الوطن. ولم يستفق أرباب النظام من غفوة الإهمال المشوب بالتشفي والفرح المخجل، إلا مع التأكد من هزيمة الغزو، الذي استعاض عن عجزه في تثبيت قواعد سياسية محلية لاستقرار احتلاله، بتشغيل مفاعيل قانون الهلاك الذاتي، والدفع يومياً بالبلد المنكوب إلي حوافي حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، من البشر والحجر. وهي المنذرة باختراق الحدود، وتصدير نسخ عن جحيمها تلائم شروط الفرقعة الأهلوية في أكثر من قطر ضمن المحيط الخليجي خاصة. من يهزم أمريكا كل يوم ليست تهلكات الانحطاط الذاتي هذه التي هي بالأحري صنيعة الاحتلال وإشارته المميزة لمنهجه الإرهابي. بل إنه العراق المقاوم الذي لا يزال يوقع هزيمة عسكرية متمادية، لم تستطع جيوشها الجرارة أن تحتل من أرضه الطيبة طيلة السنوات الأربع السوداء، إلا جزراً مقطعة في بقع متناثرة لثكناتها المحاصرة المعزولة، ولم يتمكن نظامها السياسي المفروض من مبارحة سجون (المنطقة الخضراء)، بعد أن أمست هذه، هي مساحة الحكم العراقي، مجرد ألعوبة أمريكية فاشلة. والمحزن أخيراً في كل هذا أن النظام العربي يتابع تكريس الاعتراف بمشروعية ما لهذه السلطة عبر قمته الأخيرة. وإنه الاعتراف البائس الذي لا يمكنه أن يلغي العراق الآخر الحقيقي، بل يذكر بالعراق المقاوم. فهو وحده الذي جعل أمريكا تعترف بهزيمتها. لكن العراق المقاوم، طارداً المحتل اليوم وغداً، عليه كذلك أن يعيد وحدة الأرض والدولة والمستقبل لجميع أبنائه. فالعراق المقاوم وحده هو الموجود ما فوق المذهبيات والعنصريات والجهويات. هذ ا الإثبات الآخر لوجوده الحقيقي الأصيل سوف يشكل المهمة الأصعب بعد طرد الاحتلال، إنها مهمة الانطلاق نحو بناء مجتمع السلام ضداً علي غاب التهلكات المذهبية وأحلافها المتعاونين إقليمياً دولياً.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية