منذ عام حصل المسيحيون المصريون من سكان حي العمرانية الشعبي بمحافظة الجيزة على تصريح رسمي من جهات الاختصاص ببناء مبنى خدمات اجتماعية من عدة طوابق.. وكانوا على وشك الانتهاء من بنائه خلال الايام الماضية، الا ان مهندس الحي عندما مر بالصدفة او متعمدا من امام المبنى ورأى السقف يشبه القبة جن جنونه واصدر امرا فوريا بايقاف العمل في المبنى والغاء التصريح وازالة القبة بحجة انها جعلت المبنى يتحول الى كنيسة!
حاولت الكنيسة والسكان الاقباط ازالة سوء الفهم واقناع جهات الاختصاص بان وجود قبة فوق مبنى يتكون من خمسة او ستة طوابق لا يعني تحويله الى كنيسة، الا ان المسؤولين اصروا على موقفهم وازالة القبة.
غضب السكان الاقباط وخرج شبابهم في مظاهرة سلمية. وكانت النتيجة محاصرة الشباب المتظاهر في الشوارع وامام المحافظة وايضا الموجودين حول المبنى وداخل الكنيسة المجاورة بواسطة الوف من رجال قوات الامن المركزي المدججين بالاسلحة والعصي والقنابل المسيلة للدموع والمصفحات.
وعلى مدار يومين قام الوف من رجال الامن بضرب المتظاهرين وتعذيبهم واطلاق الرصاص المطاطي عليهم والرصاص الحي ايضا والقاء قنابل الغاز المسيل للدموع وتدنيس الكنيسة المجاورة للمبنى وسرقة صناديق التبرعات. وانتهى الامر بقتل عدد من الشباب المسيحي البريء لا ذنب لهم سوى انهم خرجوا يدافعون عن كنيستهم وجرح مئات اخرين والقاء القبض على ما يقرب من مئتين من الاقباط وتوجيه عشرات التهم لهم، من بينها محاولة قتل رجال الامن ومقاومة السلطات وحمل متفجرات واسلحة بيضاء وتخريب ممتلكات عامة وغيرها من التهم التي تكاد تماثل تهمة الخيانة العظمى او محاولة الانقلاب على نظام الحكم.
والمحزن بعد استخدام كل هذه القسوة المفرطة والقبضة الحديدية من قبل رجال الامن المركزي ضد المتظاهرين، لدرجة اطلاق الرصاص الحي عليهم وقتل عدد منهم بطريقة متعمدة مع سبق الاصرار، نجد المسؤولين في مصر المباركة يلقون باللوم على المجني عليهم من الشباب المتظاهر ويتوعدونهم بتطبيق اقصى العقوبات القانونية بدلا من الاعتذار لهم وترضيتهم وتقديم من اطلقوا النار وقتلوا عددا منهم الى المحاكمة العاجلة.
اما الاعلام المصري الرسمي وغير الرسمي فقام كالعادة بتزييف الحقائق وتحويل المجني عليهم الى مشاغبين ومجرمين ومخربين والقاء اللوم على الكنيسة واقباط المهجر واتهامهم هم واسرائيل وامريكا بانهم كانوا وراء مظاهرات الاقباط في العمرانية. وقد بلغ الكذب والافتراء باحدى الصحف بنشر خبر يقول ان وفدا من كبار رجال الكنيسة ذهبوا الى محافظ الجيزة ورجال الامن لتقديم الاعتذر اليهم وترضيتهم، ولولا الحياء لقالت هذه الجريدة ايضا ان رجال الكنيسة قدموا خالص الشكر والعرفان على قتلهم عددا من الشباب القبطي! لا ابالغ اذا قلت رغم مرور اكثر من اسبوع على واقعة اطلاق الرصاص الحي على الشباب المسيحي المتظاهر بمعرفة قوات الامن المصري الا انني لا زلت في حالة حزن وذهول وصدمة وعدم تصديق، لان ما حدث لم يكن امرا بسيطا كما يحلو للبعض تصويره للعالم، بل كان امرا فظيعا وخطيرا للغاية وبوادر غير مريحة لما هو قادم على مصر قريبا خلال الشهور القادمة. كيف يعقل في بلد يدعي حكامه انه دولة مؤسسات وديمقراطية ان يطلق الرصاص الحي على شباب متظاهر ويقتل عمدا عددا منهم بدون ان يطلب رئيس الدولة من وزير الداخلية تقديم استقالتة فورا او اقالته وتقديم من اعطوا الاوامر باطلاق الرصاص الى محاكمات عاجلة؟ بالمناسبه ان من حق اهالي الشباب المصري المسيحي الذين قتلوا عمدا في العمرانية يوم 23 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بمعرفة قوات الامن ومن حقنا جميعا كمواطنين مصريين ان نعرف من الذي اعطى الاوامر باطلاق الذخيرة الحية على مكاريوس وملاك وغيرهم من الشباب الصغير البريء ولماذا؟ وما هي الخطوات التي اتخذت لعدم تكرار هذه الجريمة البشعة مرة اخرى؟
صبحي فؤاد – استراليا [email protected]