من ‘فجر الأوديسا’ إلى شبح الحرب المخصخصة

حجم الخط
0

نبيل نايلي’إذا كنا لا نستطيع إرسال جنودنا، لم لا نرسل آخرين يؤدّون المهمة القذرة لصالحنا؟ العرب هم من أراد منطقة الحظر الجوي، فلم لا يساعدون المعارضة الليبية ويكملون المهمة؟’. أسئلة كون كافلين، Con Coughlin، بصحيفة الديلي تلغراف لا تعكس مدى التخبّط الذي يعانيه الحلفاء بليبيا، فحسب، بل غموضا وارتباكا وفوضى خيارات، تهدّد مستقبل ليبيا وأمنها وسيادتها ووحدتها الوطنية. إن ثورة شباب ليبيا التي يتم الالتفاف عليها، تحت عناوين وأجندات داخلية وخارجية تتقاطع حينا ولكنها حتما ستتعارض ساعة تسقط أقنعة النفاق الأخلاقي والدبلوماسي، تتحوّل شيئا فشيئا إلى ما يشبه الأزمة التي يُراد لها أن تتفاقم حتى تُكسر الإرادات وتركن لما تسطّره الدوائر المشبوهة. وما حالة الجمود التي نشهد، رغم التصعيد العسكري على خطوط مواجهة متنقّلة بين كتائب الطاغية وقوات المعارضة بدعم من مظلة حلف شمال الأطلسي، وتوجيه وتدريب عناصر من القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية، إلا دليل على أن الوضع بليبيا ينذر بمزيد من التأزّم ومرشّح لسيناريوهات كارثية. لقد تم فرض مناطق الحظر الجوي وصب طيران التحالف، ولا يزال، حمم صواريخه ‘الذكية جدا’، دون أن تتغير المعادلة العسكرية على الميدان، مما حدا بكثير من خبراء ورجال العسكرية الأمريكية والبريطانية إلى الحديث وبصراحة صادمة عن استحالة تحقيق تقدّم حاسم وفعلي في ظلّ الظروف الراهنة. من بين هؤلاء نذكر على سبيل المثال لا الحصر، قائد القوات الأمريكية في أفريقيا، الجنرال: كارتر هام، الذي صرّح، في شهادته لمجلس الشيوخ، ما مفاده أن فرص المعارضة الليبية في الحسم العسكري ‘تبدو محدودة للغاية’. نفس الاستنتاجات دعمتها خلاصات ورقة تحليلية لمعهد ستراتفور الأمريكي للدراسات الاستخبارية، والتي انتهت إلى ‘أن الوضع الحالي لن يقود على الأرجح إلى نجاح حقيقي في الميدان’. كل هذه التقارير، يضاف لها تخوّف أمريكي وأوروبي من الانزلاق والتورّط في رمال ليبيا، أضحت مبرّرا لدعوات للاستعانة بمرتزقة يتولّون ما يسمّيه كافلين بالـ’مهمّة القذرة’. ما صُوّر على أنه أشبه بالنزهة أضحى كابوسا، والعملية التي اختير لها اسما ملحميا، يرشح بالإيحاءات، لمن سمح لنفسه ببرهة تفكير عقلاني لا انفعالي: ‘فجر الأوديسا، Odyey Dawn’، تحوّلت إلى ‘الحامي الموحّد’، وقد تصبح قريبا ‘الحرب المخوصصة’. هذا ما يكشفه تيم شيبمان بمقاله بالديلي ميل، موضحا أنه بناء على قناعة لدى خبراء عسكريين وجنرالات بريطانيين مفادها أن الحرب ضد القذافي لا يمكن النصر فيها بالضربات الجوية وحدها، لذلك وجب التفكير في بدائل أخرى. فكان أن أوضحوا للوزير الأول، ديفيد كامرون، أن ‘المتمرّدين’ لا يملكون لا العدد ولا التدريب ولا التنظيم ولا الخبرة، بحيث اقترحوا عليه ضم ‘كلاب حرب’ في إشارة للمرتزقة. أما المهام التي ستوكل لهم فهي: تدريب وقيادة قوى المعارضة نحو العاصمة وذلك لإنهاء حالة الجمود الميداني. يقتضى ‘المخطط البريطاني’، أن تتولى قطر والإمارات العربية توفير من سيتولىّ تدريب وتشكيل وحدات من قوى المعارضة. كما يعهد للدول العربية شراء خدمات طيارين عسكريين خارج الخدمة وعناصر من الفرق الخاصة التابعة للقوات الأمريكية الذين يعملون لدى شركات أمنية خاصة لقيادة وتأهيل المقاتلين. أما عن العقود فهي مربحة بالقدر الذي يجعل الجنرالات ينصحون بتسريح عناصر من قوات ‘الآس آي آس’ و ‘آس بي آس’ البريطانية للالتحاق بصفوف المعارضة الليبية. كما سيتولى هؤلاء المرتزقة مراقبة الخطوط الأمامية وتوجيه ضربات الحلفاء مما ييسّر زحف قوات المعارضة نحو طرابلس. هكذا سيكونون الرد الأنسب على الانتقادات التي وجهت لحلف شمال الأطلسي لتقاعسه عن منع القذافي من تذبيح المدنيين، كما ستمثل هذه الفرق الحلّ الأنجع لمعضلة القرار 1973، الذي لا يبيح، آنيا، وجود قوات عسكرية على الأراضي الليبية.

حول الصلاحيات وحدود تحرّكات الحلف، يرى العسكريون البريطانيون، أن القرار 1973 الذي تمّت صياغته عمدا- بأسلوب غير واضح وذلك لتحميله الأوجه التي يراد له أن يحملها حسب التغيرات وسير الأحداث على الأرض، وعليه فصيغة ‘اتخاذ كل التدابير اللازمة لحماية المدنيين’، تبيح كما بيّن ذلك، الوكيل العام غريف دومينيك، خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي، أن المملكة المتحدة يمكنها تسويغ المساعدة الميدانية بل وحتى تسليح المعارضة، إذا كان استطاعت تبيان أنها بذلك تساعد على المحافظة على حياة المدنيين. ينسحب ذلك على مجموعات صغيرة من الموظفين (العملاء) والخبراء، ما لم يشكّلوا ‘قوة احتلال’. سيعزّز هؤلاء المأجورون، الفرق الموجودة ببنغازي المتخفّية تحت صفة ‘مهندسين’. كما يستند الجنرالات البريطانيون إلى التجربة الأفغانية وكيف ساعد الغرب قوات تحالف الشمال لمحاصرة وافتكاك السيطرة على العاصمة كابول سنة 2001، تحت مظلة الحصار العسكري الجوي. لعلّه ليس من قبيل الصدفة أن تأتي هذه الدعوة في وقت قررت فيه الحكومة الأفغانية، خلال الأشهر 12 المقبلة، الاستغناء عن خدمات ما يسمّى بالشركات الأمنية كبلاك ووتر التي اضطرت، تحايلا، إلى تغيير اسمها بعد أن اقترفت ما اقترفته من شناعات دون حسيب ولا رقيب. الآن وقد صدر بيان ما يسمّى بمجموعة ‘الاتصال الدولية’، تمارس هي الأخرى وصايتها، على غائب مُغيّب، ما أكثر من يدّعي التحدّث باسمه: شباب ليبيا وثوارها الحقيقيون، وتوصي بـ’ضرورة تنحية القذافي كوسيلة لأي حل سياسي والاعتراف بالمجلس الانتقالي في بنغازي ممثلا شرعيا للتحاور معه، وقيام حلف شمال الأطلسي، بكل ما يلزم لحماية المدنيين ودعم الثوار ماديا’! ، هل ينتظر سفاح ليبيا مصيرا مماثلا في الإهانة والإذلال للوران غباغبو ساحل العاج تقتحم عليه القوات الفرنسية غرفة نومه؟ إلى متى سيظلّ العرب ينتظرون أن يقدّم الجميع مبادراتهم، ومتاهات طرقهم، لا خرائطها، بخصوص أمور تمسّ أمنهم ومستقبلهم وهم يتقدّمون نحو مسلخ دولي يدفعون ثمن مراسمه من مالهم ومن دمهم؟ هل نسلّم مصير ليبيا وأهلنا هناك لـ’تجار الحروب’ يحوّلون ليبيا إلى صومال جديد لن يسلم منه لا القريب و لا البعيد؟ بين مجلس انتقالي، يوصّف أحد المسؤولين العاملين معه أعضاءه في حديث للغارديان البريطانية، بأنّهم’لا يتفهمون ضرورة معرفة أسس التعامل مع الشعب الليبي… ولا يعون ألاّ أحد يعرف من هم…’، وعجز رسمي عربي رغم تفاؤلنا بثورتي تونس ومصر في انتظار ثباتهما أمام صرصر قوى الردة الداخلية والأجنبية، وتدخّل خارجي أكثر ما يهمّه هو حصته من النفط والمقدرات الليبية وكعكة اتفاقات، السرقات الموصوفة، لما يسمّونه زورا وبهتانا، ‘اعادة اعمار’، تظلّ ليبيا في عين العاصفة… يبدو أن بعضهم يريد اجترار مرارات التجربة العراقية مجددا! فهل يقلب ثوار ليبيا الفعليون الطاولة على الجميع ويستعيدون ثورتهم قبل فوات الأوان؟’ باحث في الفكر الاستراتيجي في جامعة باريس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية