من قال ما الحب إلا للحبيب «الأفضل» مالياً؟

حجم الخط
61

أعاد التلفزيون الفرنسي عرض فيلم (التيتانيك) الشهير الذي فاز بـ11 جائزة «أوسكار» ويدور حول الباخرة العملاقة التي غرقت عام 1912 لارتطامها بجبل جليد. وجلست أمام الشاشة لأشاهد ثانية قصة غرام روز (كيت ونسلت) ابنة الأثرياء مع الفنان الفقير المشرد جاك بعدما صارت فقيرة بموت والدها وتحاول أمها دفعها للزواج من الثري الأرستقراطي «كال» للنجاة من الفقر ومن العمل كخياطة للطبقة الراقية التي كانت منها! ولأنها لا تحبه تقرر الانتحار هرباً منه ومن الفقر، وتحاول القفز من الباخرة لتموت غرقاً، لكن جاك الفنان الشاب الفقير ينقذها قبل القفز إلى البحر.
اما خطيبها (الغيور) فيدعوه للعشاء كمكافأة مسمومة مع بقية أصحابه من الارستقراطيين ركاب الدرجة الأولى ليسخروا منه ومن جهله بأصول الإتيكيت! ويقبل ببراءة ولا يدري خبثها وكيف سيصير موضع سخرية. تشفق عليه إحدى سيدات الطبقة الراقية وتعطيه ثياباً أرستقراطية أنيقة كانت قد اشترتها لابنها.
ويأتي جاك إلى السهرة وقد علمته الارستقراطية الثرية الطيبة كيف يبدو كواحد من الارستقراطيين، إذ لا يتعدى الأمر المظهر الخارجي والسلوك المتعجرف ورفع الرأس ووضع اليد خلف الظهر وتحية من يحييه حتى ظنه الجميع من ركاب الدرجة الأولى لا من المفلسين في الدرجة الثالثة!

الحب طفل طائش لا يراعي المصالح!

كما يبالغ الفيلم في شيطنة عالم الأثرياء (في مشهد العشاء) يبالغ أيضاً في رسم مباهج الفقراء في سهراتهم العفوية و«البيرة السوداء» الرخيصة والرقص على الطاولات، وتمضي روز مع جاك وتراقصه وتنطلق على سجيتها مع مسافري «الدرجة الثالثة»، وتتطور الصلة بينهما إلى علاقة حب جارفة، ويرسمها جاك عارية إلا من قلادة ثمينة جداً كان قد أهداها لها خطيبها لاسترضائها، ويتحدان جسدياً في سيارة فاخرة في مخزن سيارات المسافرين الخاوي، غرور قبطان السفينة بها وبعظمتها وبوصفها «السفينة التي لا تغرق» جعله يهمل خطورة جبال الجليد، وهكذا حين تبدأ السفينة بالغرق يتم سجن ركاب الدرجة الثالثة في (أقفاصهم) لينجو أولاً ركاب الدرجة الأولى!

التمييز الطبقي البشع حتى أمام الموت!

الفيلم الذي أحببته والذي جعل من الممثلة كيت ونسلت (روز) وليوناردو دي كابريو (جاك) نجمين شهيرين عالمياً وجدت فيه أولاً تعرية للفوق الطبقية التي تمنح حق الحياة للأرستقراطي الثري في ذلك الزمان (قبل أكثر من قرن) وتحرم منه الفقير الكادح أو الفنان المبدع في بداية دربه، إذ أن الباخرة لا تضم من قوارب النجاة إلا ما يكاد يكفي ركاب الدرجة الأولى وحدهم، والموت للفقراء.. ودونما خطب عقائدية أو ثرثرة خطابية يوصل الفيلم رسالته (الأيديولوجية) بإغلاق أبواب الدرجة الثالثة ليموت أهلها غرقاً واختناقاً!

هل نحب دائماً الرجل «الأنسب»؟

كثيرون انتقدوا الفيلم لأنهم وجدوا أنه من غير المقنع أن تحب روز الفقير المشرد جاك وتتخلى عن خطيبها الثري «كال» العاشق لها. ولكننا لا نعشق دوماً الرجل الأنسب لمصالحنا، والرجال أيضاً لا يعشقون (أفضل) النساء. ثم، من هو الأفضل حقاً؟
من طرفي، وجدت الثري الأرستقراطي «كال» شخصية لا تدعو إلى الطمأنينة (كما رسمه الفيلم) فهو يقوم بوضاعة باتهام جاك بسرقة لم يرتكبها هي المجوهرات التي يدسها في جيبه ويزعم أنه وجدها معه، ويسجنه مقيداً ليغرق مع السفينة.. أهذا هو الرجل الأفضل؟ إنه لا يحب روز بل يحب امتلاكها كما يشي سلوكه العنيف حين ضرب بيده طاولة الإفطار غاضباً (في المرة الثانية بعد الزواج سيضربها هي!).
بالمقابل ضحى جاك بحياته ليكون للحبيبة روز المقعد في مركب نجاة، وظل ملتصقا بالمركب في الماء الصقيعي ومات فداء لها ولنجاتها، أليس هو (الإنسان) الأفضل؟

من تهمه باخرة التيتانيك كحقيقة علمية؟

شاهدت فيلماً آخر على شاشة التلفزيون الفرنسي أيضاً يتحدث عن (التيتانيك) من وجهة نظر علمية بحتة، ونكتشف أنها كانت ستغرق على أي حال لغلط هندسي في بنائها. ولأنني لست مهندسة بناء سفن ضجرت من الفيلم (ربما القيّم علمياً) وانتقلت إلى قناة أخرى!!
لماذا يرى الكثيرون مثلي فيلم (التيتانيك) وروز وجاك لمرات ولا يتابعون حتى لمرة واحدة فيلم (الحقيقة العلمية)؟ لأننا لا نبالي حقاً بانتقاد البعض لفيلم التيتانيك انطلاقاً من حقائق علمية.. والفن ليس درساً في هندسة بناء السفن مثلاً!
حين زرت في «فيرونا» إيطاليا قبر روميو وجولييت لم أتساءل ما إذا كان ذلك يضم حقاً رفاتهما أم لا، بل استعدت المشهد الرومانسي الجميل في الأدب لموتهما.
وحين ذهبت بي الدليلة السياحية إلى الشرفة التي يفترض أن جولييت كانت تطل منها حين يتلو عليها روميو قصائد غرامه لم أتساءل ما هي البراهين على أن هذه الشرفة هي بالذات التي وقفت عليها جولييت وروميو يغازلها.. وهل عاشا حقاً أم اخترعهما الأدب؟

بين الحقيقة العلمية والإبداعية!

حين زرت الدانمارك اصطحبتني الدليلة وسواي من السياح إلى قصر قديم قائلة إنه القصر الذي عاش فيه هاملت ـ ولم أحاول التأكد من الحقائق العلمية، بل غرقت بنشوة في الحقيقة الإبداعية التي نجح شكسبير في خلقها.
ولذا، حين قام المخرج السوري سمير ذكرى بتحويل روايتي (فسيفساء دمشقية) إلى فيلم لم أتدخل، بل ورفضت حتى فكرة كتابة السيناريو. فالسينما عملية إعادة خلق لعمل روائي وترجمة بلغة السينما للأبجدية.. والآن والمخرج أسد فولادكار يقوم بإخراج روايتي «كوابيس بيروت» للسينما أعلنت أيضاً أنني لن أتدخل في السيناريو.. فلغة السينما ليست اللغة الأدبية، بل هي إعادة أبداع لها.
وبالتالي، رفضت كل انتقاد لفيلم «تيتانيك» انطلاقاً من الحقيقة العلمية حول غرق السفينة كما في الفيلم الوثائقي، وأياً كانت الانتقادات (العلمية) التي توجه له. فالفن هو إعادة الخلق باستيحاء حكاية حب (واختراعها) وليس دراسة في علوم بناء السفن.. مثلاً!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية