من كارولين إلى مثقف جزائري: متى تعود إلى رشدك؟

حجم الخط
26

إنه حدث يشغل بال الناس في الجزائر، هذه الأيام، لقد بزغت نجمة جديدة من العدم، لا تاريخ لها ولا سيرة، ليست ممثلة سينمائية ولا عداءة عادت بميدالية، بل إنها تشتكي من زيادة وزنها، واسمها شاهيناز كارولين، ما إن حطت في المطار حتى وجدت المئات من النساء في استقبالها، جئن من بقاع البلاد البعيدة، حملنها على الأكتاف وسرن بها بالزغاريد، في مشهد يخيل لمن يراه أن كارولين جاءت محملة بوصفة إنقاذ البلد من علاته الاقتصادية أو الصحية. وجدت حشدا من النساء ينتظرنها بالدموع والعناق، استقبلنها مثلما يُستقبل لاعبو منتخب الكرة، وكل واحدة من المستقبلات لا أمنية لها سوى التقاط صورة مع كارولين الجزائرية، التي أحبت شاباً سويدياً، هجرت بيتها وعائلتها التي أرادت تزويجها من جزائري مسلم، التحقت به في استوكهولم وتزوجت منه غير مبالية برفض أهلها له، ثم غيرت اسمها، وقضت السنوات الخمس الماضية منكبة على السوشيال ميديا، من فيسبوك إلى أنستغرام ويوتيوب، تنشر فيديوهات يومية عن روتين حياتها، عن مللها وانفعالاتها وهي في المطبخ أو في سريرها أو في مركز تسوق، وهي مع ابنتها أو في صحبة عزلتها، تحكي مع معجباتها، وترد على أسئلتهن ورسائلهن، تعدهن بحياة أفضل في الضفة الشمالية، ما ضاعف من عدد معجباتها، هكذا بفضل فيديوهات يسودها صمت أكثر من الكلام، ومن كثرة نشرها صورها على السوشيال ميديا، بفضل قصة زواجها ومعارضتها لرأي العشيرة، صارت شاهيناز كارولين نجمة جزائرية، تقصدها المريدات من مدن البلاد البعيدة، تبركاً وتمسحاً ورغبة منهن في السير على خطى حكايتها، ولا يبدو هذا الأمر مثيراً، بحكم أن مواقع التواصل باتت واقعنا وليس العكس، هي الواقع والواقع افتراضياً، لكن الغريب في ما حصل أن تحولت قضية كارولين إلى شأن عام، ودخل مثقفون على الخط في سؤال ساذج: لماذا تستقبل شابة لا تاريخ لها استقبالاً شعبياً، لا يحظى به واحد من مثقفي أو علماء البلد؟ لماذا هذه الحشود التي جاءت لاستقبال مراهقة، لم تحتشد في استقبال علية القوم ثقافياً وعلمياً؟ سؤال يكشف عمق الهوة التي يعيشها المثقف مع واقعه.

الثقافة والنجومية ضدان لا يلتقيان. فالمثقف من واجبه الدفاع عن نفسه، ألا يتحول إلى سلعة، إلى مادة مستهلكة في الميديا، إلى موضوع للتنكيت تتداوله الألسنة في المقاهي أو في ساعات الفراغ.

طعم النجومية

الثقافة والنجومية ضدان لا يلتقيان. فالمثقف من واجبه الدفاع عن نفسه، ألا يتحول إلى سلعة، إلى مادة مستهلكة في الميديا، إلى موضوع للتنكيت تتداوله الألسنة في المقاهي أو في ساعات الفراغ. تاريخياً، حافظ المثقف على هامش وجوده، على صوته الخافض والنشاز، الذي قد لا يُسمع في حينه، لكنه يظل صوتاً نابضاً يعود إليه الناس وقت الحاجة. لم يكن المثقف يحلم بنجومية، بل يحلم بالمعارضة، بمخالفة الرأي السائد، بإثارة الضجيج الصانع للمعنى، بإزعاج النفوس المطمئنة، بتحريك الأسئلة لا الإجابة عنها، كان يحلم بظل يسع عزلته ورغبته الصبورة في التغيير، فكيف تحول في 2021 إلى النقيض؟ إلى راكض وراء صورة ولايكات على السوشيال ميديا؟ لماذا يريد أن يصير مثل كارولين؟ أن يتحول إلى سلعة مثلها، إلى صورة وصوت واستعراض في فيديوهات مباشرة؟ قد نساير هذا المثقف في نزوته، ونفترض ـ جدلاً ـ أن من حقه المطالبة بالشهرة، فهل باستطاعته أن يفعل مثلما فعلت شاهيناز كارولين؟ أن يعرض حياته الخاصة على الملأ، أن يتقبل مئات التعليقات السلبية والناقمة التي تصلها كل يوم. الإجابة: لا.. فالمثقف في الجزائر لا يتقبل من ينتقد عملاً أدبياً أو فنياً له، لا يتقبل من يكتب عكس ما يرغب فيه، بل سيجعل منه خصماً له، لذلك نجد أن المثقف عندنا يحظى بقائمة خصوم تتجاوز عدد سكان مدينته، كما إنه متقلب في رأيه، ليس في شجاعة كارولين، لا يصمد على رأي واحد، بل إنه متكتم على حياته الخاصة، ذكوري في علاقاته، لذلك شاهدنا عدداً لا بأس به من مثقفين حين يتزوجون من كاتبات، يمنعنهن من الظهور، ويحيلهن إلى اعتزال الكتابة. لعل غيرة هذا المثقف من مراهقة مثل كارولين تتأتى من كونها تعيش خلف الحدود، فقد سرى اعتقاد في السنين الأخيرة، أن الجزائري الناجح إنما هو جزائري يعيش في أوروبا، وجل أحاديث المثقفين الجزائريين في ما بينهم تدور في فلك البحث عن سبيل الهجرة إلى القارة العجوز، يفكرون فقط في هجر الجزائر، لا مخطط لهم ولا فكرة عما سيفعلونه في بلاد المهجر، ظناً منهم أنهم سيعثرون على أرصفة مبلطة بأوراق نقدية، وأن كاميرات التلفزيونات تترقب وصولهم، أن ما يكتبونه ولا يقرأه سوى حفنة من الناس، كفيل بأن يجعل منهم نجوماً في بلاد أخرى. هذا المثقف الجزائري المولع بالخارج إلى حد الهوس، يرى في المهجر سبباً في الانبهار بالآخر، مع أن كل الذين نجحوا في المهجر إنما نجحوا كونهم مثقفين حقيقيين وليس للأمر علاقة بالبلاد التي يعيشون فيها.

شاهيناز كارولين لحظة خروجها من مطار الجزائر

نسوة يبحثن عن قدوة

من المثير للاهتمام أن غالبية اللواتي جئن لاستقبال شاهيناز كارولين، في المطار، كن فتيات محجبات تجمعن في الترحيب بفتاة غير محجبة متزوجة من أوروبي، ما يؤكد أن موضوع الدين لا علاقة له في حياة المرأة الجزائرية، لا تقيم علاقتها مع الآخر من منظور عقائدي، بل إنساني، فقد رأين في كارولين صورتهن الناقصة، حلمن بالمشي على طريقها، بأن يصلن هن أيضاً إلى الضفة الأخرى، ويتزوجن رجلاً أشقر، أن يعارضن عائلاتهن وعشائرهن مثلما فعلت محبوبتهن، وأن يتذوقن طعم حياة مخالف للحياة الروتينية التي يعرفنها. إن ما حصل مع هذه الناشطة على السوشيال ميديا، في الأيام الأخيرة، وتحولها إلى أيقونة شبابية، في وقت قصير، يفتح أكثر من سؤال عن حال الشباب في الجزائر، الذين صاروا منبهرين بكل ضوء أو صوت يطل عليهم من الخارج، غير راضين بحياتهم في الداخل، مسرفين في الحلم الغربي، بقدر ما كانت واقعة شاهيناز كارولين مثيرة للاستغراب، فإنها أماطت اللثام عن مكبوتات يخفيها الناس في صدورهم، إنهم يحلمون بالشهرة مثلها، لكن ولا واحد منهم يجرؤ عما تجرؤ عليه في فيديوهات، في بسط حياتها الشخصية على الطاولة، إلى درجة أن مشاهديها باتوا يرافقونها في خلواتها في حياتها الحميمة أيضاً.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية