من كرم حاتم الطّّائي إلي كرم هنري ميلّر

حجم الخط
0

محمّد خريّف

كرم حاتم الطّائي أو الكرم الحاتمي يظلّ مثلا قديما متجدّدا في الحضارة العربيّة الإسلاميّة دالاّ علي ما يحلم به العرب من كرم الضّيافة المادّي والمعنويّ دون الوقوع في فخّ الإحالة الوثائقيّة للمثل الذي لا يمكن له أن يكون مثلا إلا بها اي بالخبر المصاحب لذلك المثل الّذي يرشّحه للواقعيّة زمانا ومكانا.

والكرم الحاتميّ إن كان قائما بالأساس علي حاجة البطن حيث يعقر حاتم الأنموذج لضيفه أجود ما عنده من نوق مع امتاعه بادب لا يتجاوز سقف السّنن الأخلاقية المقرّرة ومجازاتها في مدوّنة العرض عند العرب فانّ الكرم عند الكاتب الامريكيّ هنري ميلر يقوم علي حاجة الفكر فكر الضّيف إلي الطّريف مما لطف وغرب ولذّ من مبتكرات تجربة إبداع الفرد لا اقتفاء اثر الجماعة. إنّها تجربة الثقافة النابعة من طبيعة ممارسة الفعل فعل الحياة كتابة وقراءة ووجودا حيث يقلّ النّزوع إلي حاجة البطن ويشتدّ الشّغف النّوعيّ بحاجة الخيال الذي لا يشبع ولا يرتاح بالغا تخمة ضيف حاتم الطّائيّ وطمأنينته.

والنّوق في ضيافة ميلر فواتن كلام غير معقورة ولا مغدورة بخنجر هنري ميلر أو مديته وإنّما هي مقابلة في ستّة فصول تبني من شتاتها رواية يطلع فيها النثر من بلاغة المعهود إلي أفق العجيب سرد راو وحوار شخصيات وتصوير مشاهد.

وما الفضل في نحت هذه الرّواية المختلفة إلا لميلر نفسه الذي أتاح لبسكال فريبوس فرصة تحقيق هذه الضّيافة فكان ضيفا دون مفاضلة غير ضيف حاتم الطّائي الذي اكتفي بالحمد و ذكر المآثر وإنما كان ضيف المبادرة بمغامرة اللّقاء وكتابة المقابلة كتابة روائيّة متطوّرة فتنت القاصّ المغربيّ الشابّ سعيد بوكرامي فأبي إلاّ أن يكتبها بلغته القصصيّة المميّزة بقدرة المترجم الخبير المدرك فتنة إبداع ما بعد الحداثة.

ضيوف حاتم الطّائي كانوا ضميرا أخلاقيا عربيّا جمعا وضيف ميلر كان بسكال فريبوس متكلما بضميره وضمير مرافقته وكأنّي به يشعر في كامل فترة اللقاء بميلر بأنّه ضيف غير مرغوب فيه من الخادمة أو السكرتيرة وان كان ميلر غير حاتم الطّائي الذي يفتح خيمته لكل جائع تائه في الصحراء إذ هو صارم في قبول ضيوفه ولا يقبل أن يردّ بخط يده إلاّ علي رسالة نادرة نحرّكه فعلا نادر جدّا فرسالتك الأولي حرّكتني دون شكّ لأنّها كانت محايدة. لا تطلب شيئا – تعرف أنّي أحبّ كتابة رسالة لشخص عندما أحسّ بشغفي لذلك أو أحس بإحدي حماقاتي. ص15. والغذاء المادّيّ إن كان في ثقافة حاتم الطائي طعاما ينسي الهموم ويريح من تعب التفكير والسّفر أو التّرحال فانّه في ثقافة ميلر لا يتعدّي ارتشاف قليل من الشّاي ليروي عطشا مادّيا يقوّي الرّغبة في العطش الفكري نتناول قليلا من الشّاي. لا بد أنّ هذين البلجيكيين قد عطشا بعدما قطعا كل هذه المحيطات أليس كذلك؟ ص 12وتبدأ فواتح المأدبة المعرفيّة بأسئلة الضّيف الساذجة الخاتلة واجوبة المضيف الناطقة بطبيعة الذّات المستنبطة حقائقها تمشي بالتّجربة نحو المختلف وغير المنتظر.- انتم صنعتم بصبر أسطورتكم- لا أبدا، يجيب ميلر مستغربا وهو يبحث عن نظرتي لاقناعي. أنا ضحيّة أسطورتي ذاتها والضّحيّة البريء لكتبي أيضا.

إنّني لم اكتبها لأصير أسطورة فقط ولكن لكي ابعث من داخلها… الأسطورة هي الإنهاك المستمرّ بسبب هذه الرسائل وهذه الطّلبات المتنوعه.- لكنّ النّجاح أفظع من الفشل ص12بمثل هذه الشواذّ التي تحفظ ولا يقاس عليها في منظومة الكرم الحاتميّ يواصل ميلر الاحتفاء بضيفه مخترقا السّائد في الولايات المتّحدة الامريكية تعرف هنا في الولايات المتّحدة الامريكيّة يخافون المجانين لهذا يحبسونهم وينوّمونهم. اذكر أنني في باريس صادفت عددا منهم في الشّارع. في المقاهي كان هذا الشّذوذ يبهرني يفككون أرواحهم وعوالمهم امام رقاقة وقهوة بالحليب ـ يشربون بحرية مثل (أحمق القرية) الّذي هو في العادة حكيم الجماعة. الجنون هو انعكاس عنّا بين الآخرين وبين المبدعين والمجانين. لكن إلا إذا كان الآخرون الذين يهنئون بعضهم البعض بانهم اسوياؤهم الأكثر حمقا. ص19طريق الشّذوذ يغيّر المصادرة فيعدّلها إلي حدّ نقضها فيصير الجنون مقياس الحكمة والمبدع المختلف لا يقول جنونه وانّما يعيشه لم يكن يقول جنونه بل كان يعيشه كما الوردة هي التي تعيش جمالها القصير ص20المدخل الّذي يختاره فريبوس للعبة الحوار يشوّق ويقود إلي لعب أخري تثير شهية الضّيف فيطلب المزيد من شواذّ الحقائق المتحرّكة بتجارب المختلف فيغدو الإحساس بالنّجاح عند الناس إحساسا بالفشل عند ميلر.- دائما لدي إحساس أنّي من الفاشلين لكنني دائما منجذب إلي الذين يشبهونني الفاشلون لديهم ثراء تخييلي يرمّمون بالأحلام خواءهم الوجوديّ مختلقين باستمرار حيوات أخري ص23كرم الخواء الوجوديّ هديّة ميلر لضيفه باسكال فريبوس غير هدية حاتم الطّائي لضيفه ربّما تاه عن قوافل العرب وجاع لانّ طريق هذا غير طريق ذاك والنّاس للأسف كما يقول ميلر علي لسان ضيفه تفضل الأسود أو الأبيض ولا تحبّ خلط الأضداد وهذا عائد إلي أن الإنسان نادرا ما يقبل الحقيقة المتحرّكة لهذا يحاول الإفلات منها ص24بين كرم حاتم الطائي وكرم ميلر مسافات قرون ثقافيّة بل أحقاب نوعيّة حاول سعيد بوكرامي أن يطلّ بالقاريء العربي علي ما يعدّل عنده مفهوم الضّيافة أو اللّقاء بالمبدعين الكبار فتصير مفاهيم الضّيافة كمفاهيم الكرم متحوّلة متحرّكة بها تصير ضيافة اللّقاء الأدبيّ ضيافة لقاء التجاوز أو إبداع الإبداع لالقاء الكلام المعاد لقاء الثرثرة لذلك جاء كلام المترجم كلاما تجدّده عدوي الوعي بجاذبية البسيط المعقّّّّد بل جاذبيّة المألوف الغريب. وان لم يخل خبر الضيافة في الادب العربي الهامشيّ العربي من عدوي التلويح بالخواء وتغير مفهوم الكرم الحاتمي إذ فشل ابو الفتح الاسكندري أمام التاجر وكانت هدية الهمذاني من كلام الضّيافة أو المضيرة غير هدية ميلر. ناقد من تونس بسكال فريبوس ترجمة سعيد بوكرامي الطبعة العربية الأولي أزمنة للنشر والتوزيع عمان /الأردن 2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية