من كوميديا الدين السياسي في بلدان الربيع العربي

حجم الخط
0

مثلت ثورات العربي إنقلابا على كل شيء، فاليوم لا يمكن وصف ما يحدث سوى بالفوضى الرهيبة التي تعصف بهذه البلدان، والتي تنعكس في الإضرابات والإعتصامات والصدامات والمظاهرات المتكررة والتي يشترك الجميع فيها من طالبي العمل وصولا إلى رجال السياسة، في مشهد يوصف فعلا حالة الإحباط التي تعيشه هذه المجتمعات عقب أحلامها الكبيرة التي عاشتها مع قيام الثورات.والحقيقة إن المثير في هذه الفوضى تجلت خصوصا في هيكلة المجتمع الواحد، خاصة عبر ظهور جمعيات وأحزاب وتيارات فكرية أقل ما يقال عنها دخيلة وغريبة عن المشهد الإجتماعي المعاصر لهذه الشعوب منذ نصف قرن، بعضها غربي ولكن معظمها شرقي خليجي رجعي بالأساس. أما عن الغربي فلن أتكلم كثيرا فهذه التيارات محدودة وليس لها تأثير فعلي على المجتمع بحكم الخطاب النخبوي الذي تعتمده وتنافرها أحيانا مع هوية وتقاليد هذه الشعوب، مشاريع لا تستطيع التخفي فالكشف عنها سهل لأن لغتها تختلف عن لغتنا ولأن جنودها لم يستوعبوا مدى إرتباط هذه الشعوب بهويتها وتاريخها المشترك رغم كل التناقضات والصدامات التي تعصف بمكونات هذه المجتمعات. ولكن ما يستحق فعلا النظر والتحليل هو تغلغل تيارات فكرية ممولة من الخليج العربي لتسويق ثقافة جديدة أشبه بثقافة الأفغنة، بدأت بدعوات لمشائخهم وتلاها نزول إلى الشارع وتقسيمه له إلى فئتين واحدة مسلمة بسيطة وأغلبية كافرة منافقة وجب قتلها لإقامة دولة الإسلام، طبعا حسب فكرهم الخاص .والمصيبة أن هذه التيارات وحدها هي المسؤول المباشر على تغير شعارات الثورات من حرية وكرامة وتشغيل وعدالة إجتماعية إلى جلباب ولحية ونقاب وزواج للقاصرات وثقافة الموت والتكفير، طبعا مثل وصول حلفاء هذه التيارات للسلطة حافزا وعنصرا أساسيا مساعدا في تغلغلهم داخل المجتمع، لغتهم في ذلك سياسات فرق تسد والشعارات الرنانة وعلى رأسها طبعا ‘الإسلام في خطر!’، ولكن عن أي إسلام يتحدثون بالضبط؟ هل إسلامهم أم إسلامنا؟ هل إسلام ثقافة الموت والمرأة كعضو قاصر والتواطؤ مع القوى الإستعمارية والتشريع للديكتاتورية والتكفير والتركيو على تأطير الغريزة الجنسية وإقتصار مشاكل الأمة على النكاح وأصوله؟ هل هذا هو الفكر الذي سيحل مشاكل مجتمعاتنا من فقر وبطالة وحرمان وظلم وقهر؟ هل بهذا الفكر سنلتحق بركب الدول المتقدمة؟ هل بلداننا فعلا مفتقرة لعلماء الدين كي تستقدم هؤلاء المشائخ وتصرف عليهم المليارات؟ هل إسلامهم هو الإرسال بأبناء الوطن من الفقراء والمعدمين للموت في سورية دفاعا عن مشاريع إستعمارية والمشاريع الغربية كما حصل في السابق عنما حملو الآلاف من أبناءنا إلى أفغانستان، في حين ان أبناءهم يدرسون في أكبر وأفضل المؤسسات التعليمية بالغرب الكافر، فإن كان ما يحصل في سوريا ثورة حقا فهي شأن داخلي صرف، ولكن الحقيقة أكبر من ذلك بكثير، وصدقوني لو حصلت المقاومة الفلسطينية على كل هذا الدعم في أي فترة ماضية لانتهى الإحتلال منذ زمن.الحقيقة أن إسلامنا وإسلامهم ليسا سواء، بل متعارضين، إسلامنا يؤمن بالحرية وبالكرامة وبضمان حقوق المواطنة الأساسية قبل كل شيء الحق في العمل في الرعاية الصحية في التعليم وللجميع،يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة في العمل وفي طلب العلم وأمام القانون، يؤمن بضرورة تحصيل البحث العلمي والمعرفي والعمل من أجل إكتساب الخبرات عبر البحث والغوص في أصول العلوم والمدى الذي توصلت له الشعوب المتقدمة، إسلامنا أخوة وحرية للمعتقد وليس تسلطا على الآخر بإسم الدين والخوف على الهوية، إسلامنا منحنا الحرية في الخوض في النضريات الإقتصادية والسياسية القديمة والحديثة لنرى ما يتماشى منها مع واقعنا، أما إسلامهم فهو نتيجة لفكر الكنهوت الذي يعتقد بما رشح من ترسبات قدماء المفكرين والإعتقاد بفكرهم أكثر من أصول الدين نفسه،فهو تكريس لسلطة رجل الدين على رقاب الناس ليشرع لهم الجهل والفقر والعبودية والظلم والإنهزامية وخاصة طاعة السلطان ومبايعته. إسلامنا بحر من المعاني الكريمة، حب للجمال بكل مفاهيمه، إحترام للحضارت وللتاريخ، إحترام للإنسان على إختلاف دينه ولغته وعرقه وقبيلته،تقدير وإحترام للعلماء اللذين بذلو الغالي والنفيس والسنين من عمرهم لأجل إفادة مجتمعاتهم بما تعلموه وفقهوه من علوم مختلفة بداية بالطب والكيمياء والرياضيات وصولا لعلوم الإقتصاد والتصرف والعلوم السياسية.المثير حقا هو سرعة التغلغل لهذه الحركات في مجتمع الربيع العربي خاصة وهو ما يدل اولا على انها حركات منظمة وتتحرك حسب أجندات واضحة وليست أبدا بالاعتباطية، ثانيا مدى عجز الخطاب العلمي المتحرر في مخاطبة المتلقي إما لإختلافه الجذري معه أو لتعارضه التام مع مشاعره، ثالثا والأهم، هذا التغلغل يجسد بالفعل حالة الهشاشة الفكرية التي يعاني منها مجتمعنا، فيكفي أن تصبغ أي فكرة لك مهما كنت بصبغة دينية فإنك ستجد الآلاف من العامة تنساق وراءك مهما كان مقصدك ومهما كانت غايتك. رغم أن ديننا هو رسالة للتعلم والمعرفة حيث بدأ بدعوة صريحة للتعلم وطلب المعرف عبر دعوة الرسول الكريم للقراءة في أول آيات الذكر الحكيم.يقول شاعرنا الكبير محمود درويش: ‘سنصير شعبا،إن أردنا، حين نعلم أننا لسنا ملائكة،وأن الشر ليس من إختصاص الآخرين.عبد القادر معيوفqmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية