من مجموعة أصدقاء الشعب السوري إلى التحالف الدولي ضد داعش

حجم الخط
2

تشكلت مجموعة أصدقاء الشعب السوري من عدد من الدول العربية وغير العربية التي أعلنت وقوفها إلى جانب الشعب السوري في ثورته ضد نظام الأسد الكيماوي، وضمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وهي دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، والسعودية وقطر وتركيا، وهي الدول الاقليمية الأكثر انخراطاً في سوريا، إضافة إلى عدد كبير من الدول الأخرى القريبة جغرافياً والبعيدة. تركت الولايات المتحدة الشأن السوري إلى حلفائها الاقليميين إلى حد كبير، في نوع من القيادة من الخلف، لتتدخل عند الحاجة لضبط إيقاع الصراع أو وضع حدود معينة له خدمة لاستراتيجيتها المعلنة والقائمة على حتمية الحل السياسي للأزمة. ما يعني أن الصراع الدائر يجب ألا ينتهي بانتصار النظام ولا بإسقاطه. بل إنهاكه إلى الحد الذي يرغمه على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع المعارضة. مفاوضات مرسومة حدودها أيضاً بتنحية رأس النظام وبعض حاشيته المقربة والابقاء على النظام. فشل مؤتمر جنيف 2 في شباط/فبراير 2014 لم يغير من هذه الاستراتيجية الأمريكية، لكن الحل السياسي أصبح بعيد المنال. التفاهم الأمريكي الروسي على الحل السياسي انكشف في جنيف عن فراغ سياسي ازداد خطورةً بعد أحداث أوكرانيا والتوتر الروسي ـ الغربي بشأنها.
هذا الفراغ السياسي، معطوفاً على فراغ مماثل في الوضع العراقي بسبب تشبث نوري المالكي بالحكم على رغم المعارضة الحادة لتوليه من المكونين السني والكردي، خلق الشروط المثالية لإعلان دولة الخلافة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بعد اجتياحه السهل لمحافظة الموصل. كانت ردة الفعل الأمريكية فاترة أمام إعلان الدولة الإسلامية ثم الخلافة. بل استخدمت الإدارة الوضع الجديد للضغط على إيران من أجل تنحية المالكي وتشكيل حكومة جديدة جامعة تمثل جميع المكونات. كذلك استفادت إدارة أوباما من توجه قوات أبي بكر البغدادي شمالاً نحو أربيل للضغط على قيادة الاقليم الكردستاني لتتخلى عن أحلامها الاستقلالية. لكن خطر اجتياح قوات داعش الوشيك لعاصمة الاقليم الفيدرالي شكل نقطة الفصل في السياسة الأمريكية. فبدأ القصف الجوي لمواقع داعش وقوافل قواته على الفور، بما سمح لقوات البيشمركة باستعادة بعض المواقع التي سبق واحتلتها قوات داعش.
اليوم تعمل الإدارة الأمريكية بنشاط على تشكيل تحالف دولي هدفه، كما أعلن الرئيس الأمريكي في خطابه الأخير، تحجيم تنظيم الدولة وصولاً إلى القضاء عليه، في الوقت الذي تواصل فيه المقاتلات الأمريكية توفير الغطاء الجوي لقوات البيشمركة وجيش الحكومة المركزية اللذين يقاتلان «الدولة» على الأرض. وأعلنت كل من فرنسا وبريطانيا وقطر استعدادها للمساهمة بفعالية في الضربات الجوية ضد قوات داعش. في حين تبدو تركيا خارج هذه الحرب في جانبها العسكري، بل غير متحمسة للمشاركة في التحالف الدولي لأسباب عدة في مقدمتها وجود نحو خمسين رهينة من طاقم القنصلية التركية في الموصل في يد داعش، ولتخوفها من اتساع نطاق العمليات العسكرية للتحالف لتشمل الأراضي السورية، الأمر الذي من شأنه أن يقدم خدمة مجانية لنظام دمشق. وتتضمن خطة باراك أوباما لمواجهة تنظيم الدولة هذا التوسع في العمليات الجوية لتشمل الأراضي السورية، مع غموض بخصوص القوات التي ستقاتل داعش على الأرض، بخلاف الوضع في العراق. صحيح أن أوباما قد استبعد نظام دمشق، ومعه إيران وروسيا، من التحالف الدولي بوضوح، لكن البديل ما زال غامضا: تدريب قوات «المعارضة المعتدلة» على الأراضي السعودية. هذا فقط ما عرفناه من خطة أوباما في شقها السوري. ترى ما هي الفصائل العسكرية التي تعتبرها واشنطن معتدلة؟ وهل تشمل قوات الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني أو الفصائل الإسلامية التي ساهمت سابقاً، وما زالت، في قتال داعش في سوريا منذ بداية العام الجاري؟
ربما كان من أول نتائج العمل الجاري لتشكيل التحالف الجديد استبعاد عدد من الشخصيات الإخوانية المصرية من قطر، لتذليل بعض الخلافات داخل أطراف في التحالف المنشود.
نلاحظ بالمقابل معارضة حادة لهذا التحالف من إيران وروسيا ونظام دمشق الكيماوي، الأمر الذي أعلنه ولي الفقيه شخصياً. ترى هل يدفع لبنان الثمن من أمنه الهش؟ وما هي الأوراق المتبقية بيد النظام الكيماوي ليلعبها ضد التحالف الذي استبعده على رغم كل توسلات وليد المعلم وبثينة شعبان؟
الخلاصة أن ظهور دولة البغدادي وتمددها قد غيَّر الأجندة الدولية برمتها، وخلط الأوراق من جديد في الاصطفافات الاقليمية. اجتماعات ما سمي بمجموعة أصدقاء الشعب السوري التي سبق وتحولت إلى روتين مضجر، ربما ستخلي مكانها في الفترة القادمة لمؤتمرات التحالف الدولي ضد داعش، وقد عقد منها اثنان، إلى الآن، في غضون خمسة أيام في كل من جدة وباريس على التوالي. الأيام والأسابيع القادمة ستشهد مزيداً من الحراك السياسي الدولي – الاقليمي محوره ترتيب شؤون أطراف التحالف الجديد، وتخريباً متوقعاً من المحور الإيراني ـ الروسي. المؤكد أننا بصدد سنوات إضافية من الحروب والدم في هذه الرقعة الملعونة الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان وصولاً إلى اليمن.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية