من مرحلة التكوين الى مرحلة الانطلاق

حجم الخط
0

لعله من طبيعة الخليقة مرور الكائنات بمرحلة تكوينية تتوفر فيها شروط الحياة والنماء والاستمرارية، وفي هذه المرحلة يكتسب الكائن صفاته الخلقية، فالانسان مثلا يرث عن أبويه صفاته الجسدية حتى أن بعض الطباع، وان كان معظم العلماء يعتقدون أنها مكتسبة، يمكن أن تورث، وقد تمتد مرحلة التكوين مع الإنسان حتى بعد خروجه من رحم أمه إذ يقوم الأباء والأمهات بمحاولة توفير محاضن وبيئات آمنة يرضون عنها تحمل معايير فكرية واجتماعية معينة، وهذا أمر طيب، وجزء من القيام بأمانة التربية، الا أن محاولة الإحاطة والتسييج الدائمة للفرد لها مخاطرها فالإنسان قد يظن أن كل الناس يشاركونه مبادئه وتصوراته وأن الخارجين من الدائرة الضيقة مهما اتسعت ضالون مستبعدون يمنع الاقتراب منهم!إن مرحلة الشرنقة التكوينية لا بد منها في حياة الإنسان لانها تكسبه هويته غير أن مرحلة الخروج منها بذات الأهمية فهي الاختبار الحقيقي لمرحلة الغرس ومن لم تكن جذوره قوية في البداية ستذوره الرياح عند الخروج للمجتمع، وكم نرى من الناس من يغيرون مبادئهم كما يغيرون ملابسهم!إن الخروج من مرحلة التكوين الى مرحلة الانطلاق لهو الترتيب الطبيعي لسياق حياة من يعتبرون أنفسهم من الدعاة فإقامة الإسلام لا تكون فقط على النفس والأهل والعشيرة الأقربين فهولاء ليسوا كل المجتمع وأفكارهم أخلاقهم لا تمثل الأطياف كلها، بل إن في المجتمع من يعارضهم حد العداء لمجرد أنهم يحملون فكرة الإسلام وإقامة الشرع حتى لو كانوا يمدون للآخرين ذراعيهم للفهم والاستيعاب والتعاون! ويزداد الخلط والنزاع بحيث لا نعود نفهم هل يعارض الناس الدين أم من يمثلونه؟! وما هو فهمهم لدور الدين في الحياة الشخصية والعامة؟ليس أجمل ولا أسهل من أن يعيش المرء في بيئة ملائكية معقمة محصورة يقيمها على كوكبه الخاص والدخـــــول إليها لا يكون الا بالإذن والتمحيص والتزكية ولكن ماذا عن بقية المجتـــــمع؟ هل نزل الدين للمتقين ورواد المساجد والصائمين نهارا القائمين ليلا؟ الم ينزل رحمة للعالمين وهذا يشمل بالضرورة من يختلفون في الدين والأفكار والهوية؟أين الآخر المختلف من تربية أبناء الحركة الإسلامية في مرحلة التكوين؟ هل نملك وسائل خطاب وتقارب مع غير المحجبات والشيوعيين واللادينيين الذين يعتقدون أن المتدين يراهم كفرة ضالين بل ويتحين الفرصة للانقضاض على حياتهم؟ هل نتربى على إزالة الحدود والبحث عن البذرة الطيبة من روح الله في نفوس الآخرين وعامة المجتمع من غير أصحاب العداء المعلن وغير المبرر؟ أو ليس بعض المتدينين من أسرع الناس في استصدار الأحكام على الآخرين بالقبول أو الرفض أو الهدى أوالضلال؟!هل نستطيع أن نتعامل بأريحية وبصدر رحب مع المخالفين مع البحث عن نقاط مشتركة وقبول العذر عند الإختلاف؟ ولكن ماذا عن المبادىء والثوابت الأ يمكن أن تميع وتتلاشى حتى لا نعود نعرف لماذا أقبلنا على الناس أصلا؟إن الخروج الى المجتمع يجب أن يكون مشروعا له رؤية وأهداف ووسائل ليس أقلها تحييد العداء إذ لم يكن الهداية التامة وتوحيد الصف، إن المشروع الإسلامي لن يقوم على أكتاف أبناء الحركة الإسلامية فقط ما لم يجد أغلب الناس لهم زاوية تسعهم ويستطيعون الحياة والعمل من خلالها، فكثيرون يعتقدون أن الاسلام سيغيبهم وراء الشمس وما لم يقتنعوا أنه سيضعهم في دائرة الضوء والحدث فسيبقى التنازع والتشويه للصورة والمشروع الإسلامي قائما.و هذا لا ينفي أن الإنسان بطبعه يبحث عن مثيله ومن يشابهونه وهؤلاء لا غنى عنهم في كل المراحل فكثرة التعرض للمجتمع المخالف قد تؤثر عل توازن المرء ولذا هوبحاجة الى نقطة مرجعية يعود إليها للتزود وإعادة الإنطلاق، ولكن الأضداد أيضا يمكن أن تتجاذب كما يقول المثل الانجليزي ‘oosites aract’ وهذا يعني إمكانية التوافق والتعايش والتعاون ضمن فضاء الاختلاف.لقد ذم كثير من دعاة الاسلام اقتصار أبنائه على مرحلة الشرنقة وعدم الخروج منها فقال أحدهم’ إن كثيرا من أبناء الصحوة الإسلامية يعيشون في الظل ويفضلون النشاط الدعوي في الكواليس ويحصرون العمل الإسلامي في الدروس والحلقات والندوات على أقصى الاحتمالات فهم دأبوا على منهج ‘التربية الكهفية’ التي تصنع من الفرد مواطنا صالحا ولكنه سلبي لا يتحرك الا بالأوامر، وهذا انحراف في تطبيقات المنهج التربوي الإسلامي’. بقاء الشرنقة ضروري حتى يبقى أصل الحياة وأصالة الفكرة وامتداد الجذور ولكن من لم يخرج منها لن يكبر أفقه ولن يتعلم التحليق. لقد ظل الإسلام طويلا في مرحلة الشرنقة وقد جاء الوقت ليفرد جناحيه بشرط أن يكون المحلقون به يدركون استحقاقات الامتداد والوصول الى معالي المحلية والعالمية.لم يعد بالإمكان أن نقول كلمتنا ونمشي فالوقت موات لنقول كلمتنا ونبقى ونظل نعمل من أجل تحقيقها وانتشارها ونبذل للناس من أنفسنا، وما بين سهولة التخلي في الأولى وصعوبة الثبات في الثانية يكون الامتحان الحقيقي.د.ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية