من مفارقات الاعلان الدستوري (المكمــّـل)

حجم الخط
0

د. نصار عبدالله

إذا تأملنا الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس المجلس الأعلى للقوات المسلحة مساء الأحد 17يونيو فسوف نكتشف أنه مليء بالمفارقات العجيبة والمدهشة، وسوف نتوقف هنا عند واحدة فقط منها وهي المفارقة التى تضمنتها المادة 60 مكرر 1 والتي تنص على أنه: ‘إذا رأى رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو رئيس مجلس الوزراء أو المجلس الأعلى للهيئات القضائية أو خُـمس عدد أعضاء الجمعية التأسيسية أن مشروع الدستور يتضمن نصاً أو أكثر يتعارض مع أهداف الثورة ومبادئها الأساسية التي تتحقق بها المصالح العليا للبلاد، أو مع ما تواتر من مبادئ في الدساتير المصرية السابقة، فلأي منهم أن يطلب من الجمعية التأسيسية إعادة النظر في هذه النصوص خلال مدة أقصاها خمسة عشر يومًا فإذا أصرت الجمعية على رأيها، كان لأي منهم عرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا، وتصدر المحكمة قرارها خلال سبعة أيام من تاريخ عرض الأمر عليها، ويكون القرار الصادر من المحكمة ملزما للكافة’. ووجه المفارقة هنا هو أن هذا النص قد أناط بالمحكمة الدستورية مهمة جديدة تتناقض تماما مع طبيعتها ووظيفتها الأساسية كمحكمة تمارس الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، أي باعتبارها تنظر أساسا في مدى اتساق تلك القوانين واللوائح مع أحكام الدستور’، أما المهمة الجديدة التي ألقاها هذا النص العجيب على عاتق المحكمة فتتمثل في الرقابة على النص الدستوري ذاته، أو بالأحرى الرقابة على مشروع النص الدستوري لبيان مدى اتساقه مع: ‘أهداف الثورة ومبادئها الأساسية التي تتحقق بها المصالح العليا للبلاد أو مع ما تواتر من مبادئ في الدساتير المصرية السابقة’. أي أن المكمل قد جعل من بين المرجعيات العليا التي ترجع إليها المحكمة في هذا الخصوص أهداف الثورة ومبادئها الأساسية رغم أن الثورة ذاتها بالنسبة لأية محكمة دستورية هي في جوهرها فعل مخالف للدستور.. أليست الثورة أولا وقبل كل شيء هي رفض للنظام والدستور القائم ومحاولة لبناء نظام ودستور جديد؟ كيف إذن نحتكم في شأن مدى اتساق نص دستوري مع مبادىء الثورة، كيف نحتكم إلى محكمة هي بحكم طبيعتها ومنطقها ضد منطق الثورة؟

هكذا كانت أية محكمة دستورية في الدنيا وهكذا سوف تكون دعنا من أن نص المادة المادة 60 مكرر1 لم يورد بشكل محدد ماهي أهداف الثورة ومبادئها الأساسية التي تتحقق بها المصالح العليا للبلاد مكتفيا بهذه العبارة الفضفاضة التي تقبل أي تفسير يراد له أو بالأحرى يراد بها ان يكون هو التفسير المطلوب، دعنا من ذلك لأننا حتى لو صيغت مبادىء الثورة بشكل محدد، فإن المحكمة الدستورية بالذات، ونحن هنا لا نتكلم عن المحكمة الدستورية في مصر بل عن أية محكمة دستورية في الدنيا هى آخر جهة يمكن لها أن تراقب نصا في ضوء مدى اتساقه مع مبادىء الثورة.

ولو أن الإعلان الدستوري المكمل كان قد اكتفى بالإشارة إلى أن السند الذي يمكن الإستناد إليه في الإعتراض على نص معين وارد في مشروع الدستور هو أن هذا النص متعارض مع ما تواتر من مبادئ في الدساتير المصرية السابقة، لو أنه اكتفى بهذا فربما كان الإحتكام إلى المحكمة الدستورية العليا في هذه الحالة أمرا مقبولا ومبررا، لكنه أضاف إلى ذلك أن السند الذي يبرر الإعتراض على نص معين هو كون النص متعارضا مع مبادىء الثورة، وكأن المجلس العسكري قد بلغ به الحرص على مبادىء الثورة إلى الحد الذى جعله يعطي جهات عديدة: رئيس الجمهورية ــ رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ــ رئيس مجلس الوزراء ــ المجلس الأعلى للهيئات القضائية ــ خُـمس عدد أعضاء الجمعية التأسيسية، جعله يعطي كل واحدة من هذه الجهات (الثورية) حق الإعتراض على نص قامت بوضعه اللجنة التأسيسية (التي يفترض أنها تمثل الشعب) وذلك إذا رأت الجهة المعترضة أن هذا النص ينافي مبادىءالثورة فإذا ما تمسكت الجمعية التأسيسية برأيها قامت الجهة المعترضة ـ كما نص المكمل ـ بعرض الأمر على المحكمة الدستورية على مافي ذلك من المفارقة التي أوضحناها ويالها من مفارقة.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية