من مكافحة الإرهاب إلى تطويق تداعياته

حجم الخط
1

مصر وسوريا ولبنان والعراق مشغولة بمكافحة الارهاب. الولايات المتحدة يهمها هذا الامر، لكنها مشغولة اكثر بمكافحة تداعياته، فالارهاب الذي كان انفجر في وجه المشير عبد الفتاح السيسي سرّع تقرّبه من روسيا. صحيح ان لدى السيسي دوافع اخرى استراتيجية لسلوك هذه الطريق، لكن انحياز الولايات المتحدة المبكر الى الاخوان المسلمين وتسهيل وصولهم الى السلطة، ثم دعوتها السيسي وحلفاءه الى الترفّق بهم حتى بعد ثبوت لجوئهم الى العنف والارهاب، فسّره هؤلاء بانه امعان في دعم الاخوان وصولا، ربما، الى مناهضة القوى السياسية المصرية التي تحتضن ثورتي 25 يناير و30 يونيو وبالتالي مناهضة السيسي شخصيا.
ادارة اوباما اقلقتها زيارة السيسي لموسكو، لم تتأخر في التعبير عن امتعاضها، لكنها كظمت غيظها وبادرت الى تأكيد وجود علاقات قديمة ومتينة مع قيادات الجيش المصري. لعلها ستعاود قريبا تأكيد التزامها تزويد مصر المساعدة المالية السنوية التي تفوق المليار ونصف المليار دولار. هذا بعض ما تعتزم القيام به لمواجهة تداعيات الارهاب التي عجلت في ذهاب السيسي الى موسكو.
في سوريا، نجح الجيش في احراز تقدم ملوس في مدينة حمص ومحيطها وفي جبال القلمون وصولا الى مدينة يبرود ذات الموقع الاستراتيجي. كما نجح في اقناع نحو 1500 مسلح من ‘الجيش الحر’ بالاستسلام والعودة الى كنف الدولة. هذه التطورات الميدانية شدّت ازر الوفد السوري المفاوض في جنيف فتصلب في وجه وفد ‘الائتلاف’ المعارض، رافضا البحث في مسألة الحكومة الانتقالية قبل الانتهاء من مسألة مكافحة الارهاب.
ادارة اوباما ساءها تصلّب سوريا وانحت باللائمة على موسكو المثابرة على دعم دمشق سياسيا وعسكريا. صحيح ان واشنطن تخشى مفاعيل اتساع نشاط تنظيم ‘الدولة الاسلامية في العراق والشام ـ داعش’ ويهمها تاليا الحد من قدراته، وحتى اخراجه من حومة الصراع. لكن يهمها اكثر ألا تصبّ هزيمة ‘داعش’ على يد الجيش السوري في مصلحة الرئيس بشار الاسد، لذلك بادرت الى توجيه تهديد الى سوريا بلسان احد مسؤولي وزارة الخارجية بتدفيعها ثمن احباط مفاوضات جنيف.
محاولات ادارة اوباما تطويق تداعيات مكاسب الجيش السوري ميدانيا، والوفد السوري المفاوض دبلوماسيا لن تتوقف عند هذا الحد. ثمة ضغوط سياسية تجري ممارستها ايضا في مجلس الامن الدولي، واخرى عسكرية تجري في جنوب سوريا بعدما نجحت واشنطن بالتعاون مع حلفائها الاقليميين في توحيد 49 فصيلا مسلحا معارضا في جيش واحد فضفاض يربو عدده، كما ترَدَدَ، على 30000 مقاتل. ذلك كله تأمل واشنطن أن يساعدها على لجم تقدم الجيش السوري في مسارح القتال والحؤول تاليا دون تسجيله انتصارا سريعا على قوى المعارضة المسلحة.
في لبنان، حقق الجيش ثلاثة انجازات مدوّية: وضع اليد على كنز معلومات بالقائه القبض على نعيم عباس، رئيس شبكة ارهابية تابعة لـِ’كتائب عبد الله عزام’، مسؤولة عن تخطيط وتنفيذ عدة اغتيالات وتفجيرات دموية في بيروت وضاحيتها الجنوبية، واحبط عملية تفجير سيارة مفخخة تقودها ثلاث فتيات في وادي البقاع، وكشف مستودعا يحتوي صواريخ وقنابل مدفعية وعبوات ومتفجرات بكميات ضخمة في منطقة الدبيّة الجبلية.
عززت هذه الانجازات وضع قوى 8 اذار ما ادى الى تليين موقف قوى 14 اذار من مسألة تأليف الحكومة. وبالفعل كاد تمام سلام يتوجّه الى القصر الجمهوري صبيحة يوم الجمعة الماضي لاعلان تركيبتها، لولا ان خلافا انفجر فجـأة حول اسناد وزارة الداخلية الى اللواء اشرف ريفي، ذلك ان قوى 8 اذار تعتبره متطرفا في موالاته لقوى 14 اذار، وقد عارضت قبل 11 شهرا تمديد تعيينه مديرا عاما لقوى الامن الداخلي ما تسبّب باستقالة حكومة نجيب ميقاتي.
اللافت ان تدخلات سريعة، امريكية وسعودية، جرت لتجاوز الخــــلاف محورها ابقاء حقيبة الداخلية بيد حزب سعد الحريري والاستعاضة عن الريفي بالنائب نهاد المشنوق.
واشنطن تدخلت بقوة لتفادي استفحال الازمة الحكومية مخافة صعود نفوذ قوى 8 اذار التي تستحوذ على ثلثي وزراء حكومة ميقاتي القائمة بتصريف الاعمال، والمخوّلة تاليا ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية اذا ما تعذّر التوافق على خلف للرئيس ميشال سليمان قبل انتهاء ولايته في 25 ايار/ مايو المقبل.
تدخل واشنطن السريع تمّ لتطويق تداعيات نجاح الجيش اللبناني في مكافحة الارهاب. صحيح انها لا تريد للتنظيمات الارهابية ان تزعزع استقرار لبنان، لكنها لا تريد ايضا ان يصبّ ذلك في مصلحة قوى 8 اذار المؤيدة للرئيس الاسد في صراعه مع المعارضة السورية المسلحة، ذلك كله دفع ادارة اوباما الى اعتماد سياسة قوامها تأمين مشاركة قـــوى 14 اذار في الحكومة الجديدة بغية تحقيق توازن في السلطة يحول دون استفادة دمشق من التحّولات الامنية والسياسية الحاصلة في لبنان.
في العراق، وسّع تنظيم ‘داعش’ نشاطه الميداني في محافظات الانبار ونينوى (الموصل) وصلاح الدين وديالي وبابل والتأميم (كركوك). ولتفادي لجوء حكومة نوري المالكي الى ايران لاستحصال مزيد من الدعم السياسي والعسكري، قررت واشنطن تسريع عملية تسليم العراق الاسلحة الثقيلة، ولا سيما الطائرات والمقاتلات والصواريخ التي كانت وعدت بها بغداد.
كل هذه التطورات المتسارعة في مصر وسوريا ولبنان والعراق تشير الى اندلاع حرب باردة بين الولايات المتحدة وروسيا مرشحة الى مزيد من الاتساع والتأزّم . ذلك ان موسكو تستشعر نزوعا مستجدا لدى ادارة اوباما الى استثمار حال الارهاب التي تلف المنطقة من اجل رسم خريطة جيوسياسية جديدة لدول المشرق العربي. ولا تستبعد موسكو ان تلجأ الولايات المتحدة وفرنسا الى عمليات عسكرية مؤثرة، برية وجوية، لوقف تقدم الجيش السوري النظامي على الارض. الغاية من وراء هذا التدخل العسكري المحتمل، إيجاد حال من التوازن في ميادين القتال لتعزيز المركز التفاوضي لوفد ‘الائتلاف’ المعارض في مفاوضات جنيف.
موسكو المثابرة على دعم دمشق دبلوماسيا في جنيف وسياسيا في مجلس الأمن، استخلصت من اشارة اوباما الى ‘عمل عبر الحدود’، اثناء لقائه الملك الاردني عبد الله الثاني، بانه يعني واحدا من ثلاثة:
استخدام طائرات من دون طيار لضرب مواقع وقطعات للجيش السوري ذات اهمية استراتيجية.
اعطاء ضوء اخضر للسعودية لتزويد المجموعات المعتدلة من المعارضة السورية المسلحة صواريخَ مضادة للطائرات بغية تعطيل حركة سلاح الجو السوري.
تمكين كتائب المقاتلين السوريين التابعين لـِ”الجيش الحر” الذين قامت القوات الامريكية في الاردن بتدريبهم من العبور الى جنوب سوريا بغية توسيع العمليات الجارية على الحدود الاردنية السورية ومحاولة التقدم شمالا باتجاه محيط دمشق.
هذه الاحتمالات ستؤدي، في حال تحققها، الى تصعيد الحرب الباردة المستجدة بين واشنطن وموسكو، والى تطويل امد الصراع في الدول التي تنشط فيها تنظيمات ارهابية، ولا سيما العراق وسوريا ولبنان ومصر. وهي احتمالات ستجري تحت عنوان مكافحة الارهاب او تطويق تداعياته التي لا تخدم سياسة الولايات المتحدة في المنطقة.

‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية