د. يحيى مصطفى كامل
فصلٌ من التاريخ العربي تكتب آخر جمله… ليس لدي أدنى شكٌ في ذلك، وعلى الرغم من محاولاتٍ يائسةٍ للتشبث ببقاءٍ مستحيل من بعض الأنظمة فهي محكومٌ عليها لا محالة بالسقوط إن آجلاً أو عاجلاً. لن يكون ذلك وليد الصدفة أو النوايا الحسنة وإنما نتاجاً لواقع ٍ موضوعي تشكلت وما تزال مفردات قوته وتصارعت طوال عقود القمع والحصار بصورةٍ مستترة متوارية تحت سطحٍ راكدٍ في معظم الأحيان.
أود التأكيد بدايةً على أن ذلك لا يعني بالضرورة أن ذلك الواقع الجديد سيكون أفضل على الإطلاق، ليس مرد ذلك إلى تشككي الأصيل أو تشاؤمٍ غير مبرر ولكن لأنني لا أستطيع التكهن أو الحكم على مستقبلٍ ما تزال عناصره في طور التخلق غائمة المعالم ولإدراكي اليقيني من أن قوىً ومصالح إقليمية وعالمية تصارع للبقاء والحيلولة دون وصول هذه الثورات إلى صيغةٍ ذات معنى تلبي رغبات الشعوب وطموحاتها.
و إني إذ أكتب هذا المقال فلغرضٍ رئيس ألا وهو تبيان ما أعتبره مستجداً وفارقاً فيما يتعلق بنقطتين محوريتين مرتبطتين بعضهما البعض، أولاهما تتعلق بتغير تركيبة القوى والأطراف اللاعبة على الساحة العربية طوال العقود الثلاثة الماضية وثانيهما يناقش مدلول ذلك وانعكاسه على أساليب الصراع الاجتماعي.
ليس من شكٍ في أن أول وأهم نتائج الثورات العربية يتمثل في عودة الشعوب والجماهير بملايينهم المتدفقة الهادرة إلى الساحة بإرادتهم وبعفوية. لقد أثبتت فشل وقصور سياسات التطويق والسيطرة التقليدية بأركانها الممثلة في الاستخبار على الجمهور والقبضة الأمنية المستترة حيناً قليلاً والسافرة بتحدٍ صفيق في الأغلب الأعم، سيطرةٍ مدعومةٍ بمنظومة أفكارٍ متخلفة تبث وعياً مزيفاً باعثاً على القعود والخنوع على خلفيةٍ من عصا القمع المسلطة فوق رؤوس الجميع في مجتمعاتٍ لا قيمة فيها لأحدٍ كائناً من كان و لا صوت يعلو فوق صوت النظام. مضى عهدٌ كان اللاعبان الأساسيان على الساحة فيه هما النظام بعضلاته الأمنية والعسكرية تقابله الجماعات الإسلامية بشتى أطيافها المنظم منها والفضفاض، عهدٌ كانت كلمات مثل ‘الشعب’ و’ردة الفعل الشعبية’ و’الرأي العام’ إن لم تقع على أذنٍ صماء فهي لا تنجح سوى في رسم علامات الاستهزاء المتعالي على شفاه رجالات النظام وربما شيئاً من الدهشة والرثاء على وجوه ذوي النوايا الحسنة والمشاعر الطيبة… كانت الشعوب كتلاً نائمة لا تعد الحكم والسياسة من شؤونها وتكتفي بالاستسلام لضغوط الفاقة والحياة اليومية المتعاظمة في صراعٍ شرسٍ للبقاء والحفاظ على مستويات معيشية متدنية في الأساس.
الآن اختلف كل هذا وبُعث الشعب لاعباً أساسياً، بل اللاعب الأقوى على الساحة معطلاً آلة البطش في حــــالة مصر أو حاداً من مفعولها وأثرها في البلدان الأخرى على الرغم مما سببته من آلامٍ ودماء. الأكيد أن ذلك سيعيد صــــياغة تركيبة توازنات القـــوى في المجتمعات العربية وسيـــطرح أشكالاً جديدة للتنـــظيم الاجتماعي بما يستتبعه من طروحاتٍ ومشروعاتٍ سياسية جديدة.
لا يقل عن ذلك أهميةً في نظري أن تلك الثورات فضحت هذه الأنظمة على حقيقتها وأثبتت أنه على الرغم من الاختلافات الظاهرة والتقسيمات إياها إلى محور اعتدالٍ وآخر شرير فجوهر هذه الأنظمة واحد، عنفٌ وقمعٌ واستبدادٌ وإهدارٌ لقيمة الإنسان. لقد سقطت عنها جميعاً ورقة التوت والقشرة الحضارية البراقة لتسفر عن عريها القبيح امتداداً لعقليةٍ متخلفةٍ خلنا ( أو تمنينا) أنها اندثرت وانقرضت منذ مئات السنين، امتداداً لعهود القمع التاريخي الأسطوري والجلاد الحامل سيفه وسوطه منتصباً فوق نطعه، وما كلمات كـتطور واشتراكية وتحالف قوى الشعب الخ سوى كمالة مستحضرات التجميل التي تخفي حقيقتهم تماماً كالأردية الفاخرة والسيارات الفارهة والإعلام المبهرج والأسلحة المتطورة لأنظمةٍ بدائية تستهلك وتستهلك وتستهلك منتجات الحضارة دون أن تدرك أو تتمثل أي شيءٍ من جوهرها وقيمها، وعليه فلم تكن صدفةً أو عجباً أن لجأت طغمة مبارك المترنحة إلى البغال والجمال في آخر المطاف، فتلك البهائم البائسة هي أصدق تعبير وتمثيل رمزي عن عقليتهم و(انعدام) مستواهم ووعييهم الفكري والحضاري.
للحق، فأنا جد سعيد بالأخص لأن هذه الثورات سوف تضع حداً فاصلاً لهذه المرحلة في الدول التي تدَّعي النظام الجمهوري والتي دُشنت بسلاسل من الانقلابات العسكرية حيث عرقلت الأنظمة التي نتجت عنها التطور التاريخي والتبلور الطبقي الحقيقيين حين ألصقت واجهاتٍ حداثية تقدمية على بنىً دولتية هي آيةٌ في الطغيان والاستبداد الشرقي الأسطوري الأشد قمعاً والأوغل امتداداً كالسرطان في أعمق اعماق المجتمع بما يتعدى بمراحل الملكيات الوراثية التقليدية الأقل تبجحاً…. الموضوع الآخر الذي توقفت عنده طويلاً في هذه الثورات هو ما أعتبره كشف حساب أو إعادة تقييمٍ موضوعية لأساليب العمل السياسي في الثلاثة عقود الماضية، ولئن عددت إعادة ميلاد الشعوب من جديد هو أهم نتائج الثورات فلا يوازيه في ذلك على صعيد التكتيك سوى بعث ثقافة الاعتصام والإضراب والتظاهر من جديد وضرب أسلوب العمل المسلح الذي انتهجته بعضٌ من أبرز فصائل العمل الإسلامي.
نعلم جميعاً ونذكر أن كثيراً من أشهرهذه الفصائل عمدت طوال سني الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي إلى محاولة توجيه ضرباتٍ مسلحة إلى النظام أملاً في تفكيك أوصاله وإنهاكه… و فشلت… ثم عدل أغلبها عن هذا المنهاج بعد مراجعاتٍ شهيرة ومهمة التزمت فيها مفرداتها الخاصة (المستغلقة في كثيرٍ من الأحيان) وأسبابها الفقهية وآلياتها الفكرية واحُتفي بها من الإعلام الرسمي.. و إني لأعتقد اعتقاداً راسخاً أن هذا التكتيك فشل لسببين أساسين: أولاً، أنا من أولئك الذين يرون أن أية حركةٍ سياسية عليها أن تسعى إلى نشر فكرتها بين الناس ثم تسعى لقيادتهم على طريق الممكن إنسانياً للضغط على النظام من أجل التغيير أو الثورة عليه، من هنا فقد أخطأت هذه الأنظمة خطأً فادحاً حين استعاضت عن الجماهير بأفراد تنظيماتها وسلكت بهم طريقاً وعرة لا تطيقها الجماهير العريضة ولا تسيغها ألا وهي العمل المسلح، خاصةً وأنها بذلك ساعدت النظام على تهميش الجمهور وتنفيره وإقصائه عن المشاركة السياسية. أما ثاني الأسباب أنها حين اختارت العنف أسلوباً لعبت على نفس أرضية النظام وبنفس أدواته مع الفارق أن الأنظمة تمتلك فائضاً من العنف جنداً وسلاحاً بما لا قبل لهذه الجماعات به، وعوضاً عن أن ترهق الأنظمة سحقت الأخيرة هذه الجماعات ومزقتها بينما وقفت الجماهير تشاهد في انعدام مبالاة.. لقد أسقطت هذه الثورات فيما أسقطت كذبة ضعف الجماهير التي روجت لها الأنظمة لتغرس في الشعوب فقدان الثقة في النفس والتردد كما أثبتت أن الجمهور المضرب المتظاهر هو وحده القادر على تكبيل وتعطيل آلة العنف التي يملكها النظام.
بعد كل ما سبق بقي أن نقول أن شعوبنا الآن تسيطر عليها مشاعر الترقب والحيرة… تراقــــب بشغفٍ وتيقظ مجريات أحداثٍ أتت بغتةً مزلزلةً كالإعصار… تتمطى مستشعرةً قوتها بعد سبات العقود… ربما تحدس بأنها على أعتاب مرحلةٍ وليدة بمفرداتها الجديدة وأن الكثير من الاستكشاف والعمل ينتظرها… تخوض أرضاً بكراً غير محروثة… عالمٌ جـــديد تنفتح آفاقه الفسيحة عن احتمالاتٍ لا حصر لها تعيي الخيال مملوءةً تفاؤلاً وتحرراً وخفةً… شمسٌ جديدةٌ تبزغ من الأفق مضرجةٌ بدمائها من مستنقع الركود والقمع عاقدةً العزم على مطاردة كل فلول الظلام الهارب. ‘ كاتب مصري