من موسكو ولندن وبيروت وهافانا مع الحب

حجم الخط
0

من موسكو ولندن وبيروت وهافانا مع الحب

عبدالوهاب الأفنديمن موسكو ولندن وبيروت وهافانا مع الحب(1) حادثا اغتيال بشعان وقعا خلال الأسبوع الماضي، أولهما في بيروت في مطلع الأسبوع، وثانيهما في لندن في نهايته. في الحادث الأول الذي راح ضحيته الوزير بيار الجميل، سارع الكل إلي تسمية المتهم الأول: النظام السوري، ومن واشنطن إلي لندن إلي باريس، صدرت الإدانات والتهديدات. في الحادث الثاني الذي راح ضحيته الجاسوس الروسي السابق أليكساندر ليتفيننكو، تحفظت نفس الجهات علي تسمية الجاني المفترض، بالرغم من أن الضحية حدده بالاسم: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. (2) في لندن التي لقي فيها ليتفيننكو حتفه، لم تجد محطات التلفزيون ليلة وفاته معلقاً حكومياً يقدم وجهة النظر الرسمية حول هذه القضية الهامة. وحينما نطق الناطقون، كان في الفم ماء كثير. الشرطة حتي الآن تقول انها تحقق في حادثة وفاة مشبوهة ، ولم تقبل حتي الآن أن تقول ان في الأمر حادث اغتيال. الحكومة بدورها حذرت من إلقاء التهم جزافاً. بعض وسائل الإعلام ذهبت إلي القول بأن الرجل قد يكون انتحر نكاية في بوتين.(3) حين تظهرالحكومات التي تقصف طلاب مدارس تحفيظ القرآن بتهمة أنهم قد يكونون ممن يفكر في ارتكاب أعمال الإرهابية، وتنشيء المحاكم الدولية لمعاقبة مرتكبي الاغتيال بالظن، وتغزو البلاد لمجرد الاشتباه في أنها تمتلك أسلحة، حين تظهر كل هذا الخفر والحياء من تسمية الجاني المشتبه فيه، بل تتحفظ حتي عن تسمية الجريمة باسمها، فإن الأمر حتي لا يحتاج إلي جاسوس مثل جيمس بوند ليكشف أن المصالح هنا تقدم علي القانون، تماماً كما يحدث في القضايا الأخري. فلا الاتهام هناك ولا التبرئة هنا قصدا بهما وجه الله. وهذا بدوره لا يمثل أكثر من تقرير المعلوم بالضرورة.(4) الرئيس الروسي بوتين وحكومته ليسا غريبين علي جرائم الاغتيال. ففي عام 2004 أدين عميلان روسيان باغتيال الزعيم الشيشاني سليم خان ياندرباييف في الدوحة. ورغم أن روسيا زعمت أن لا علاقة لها بالحادث، إلا أن التدخلات لإطلاق سراح الرجلين بعد إدانتهما أثبتت عكس ذلك. وقد جاء اغتيال ليتفيننكو في وقت كان فيه يحقق في اغتيال الصحافية الروسية أنا بوليتكوفسكايا (التي تعرضت بدورها لمحاولة اغتيال بالتسميم في عام 2004) المعروفة بانتقادها لسياسة بوتين في الشيشان. والمعروف أن ليتفيننكو كان قد هرب إلي لندن بعد أن زعم أن بوتين (الذي كان وقتها علي رأس المخابرات الروسية) قد أمره باغتيال المليونير الروسي الهارب بوريس بيرزوفسكي. (5) بوتين هو زعيم عربي شرفي، بدلالة أنه يزور الانتخابات، ويدبر الاتهامات والاغتيالات لمعارضيه، ويدعي القومية، ويهاجم الغرب باللسان ويقدم له الدعم بكلتا يديه. وقد تلقي بوتين مؤخراً نصيحة لم يكن في حاجة إليها من زعيم عربي كبير عن ضروة أن يحكم مدي الحياة وكيفية تحقيق ذلك.(6) يمكن للعرب كذلك أن يستفيدوا من وسائل المخابرات الروسية الإبداعية للتخلص من الخصوم، وذلك باستيراد الخبرات والمواد التي تقضي علي المعارضين ولا تترك أثراً. ولكن علي هؤلاء الحكام أن يتوخوا الحذر، لأنهم قد لا يستطيعون التحكم في استخدام هذه الأدوات. فحين يصدر حاكم تهديداً بأنه لن يغادر الحكم ما دام حياً، فإن هذا التهديد لا يكون موجهاً إلي الشعب وحده، وإنما إلي الورثة المحتملين الذي يستعجلون بدورهم رحيله. (7) لحسن الحظ فإن لـ مدي الحياة نهاية أيضاً. الحاكم الذي لا يستقيل يموت في نهاية المطاف رغماً عنه. الزعيم الكوبي فيديل كاسترو حكم أكثر من نصف قرن، وبلغ هذا العام من العمر ثمانين عاماً، ولكنه عجز هذا الأسبوع عن حضور الاحتفال الرسمي بعيد ميلاده الثمانين، وهو بالقطع عاجز عن الحكم. والحمدلله علي نعمة الموت والهرم.(8) تدور أحداث فيلم جيمس بوند الشهير من روسيا مع الحب حول شعبة الاغتيالات (المفترضة) في الكي جي بي، وخطتها لتحسين وضعها بعد فشل عدة محاولات اغتيال باستدراج بوند عن طريق عميلة سوفييتية تزعم أنها تريد الهرب إلي الغرب ثم اغتياله. وفي الفيلم، من المفترض أن تتظاهر العميلة بالوقوع في حب الجاسوس إمعاناً في الإيقاع، ولكنها تقع في حبه فعلاً، مما يساعد في إفشال الخطة. الجديد في مؤامرات اليوم هو العكس، وهو أن رؤساء بوند هم الذين وقعوا في غرام زعيم الكي جي بي السابق بوتين، الحليف الوثيق في الحرب علي الإرهاب. ومن هنا وقع الحرج في حادثة الاغتيال التي لا يريد أحد أن يسميها باسمها فضلاً عن أن ينصب لها محكمة دولية.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية