الناقدة ماري تريز بعد إشرافها علي الجزء الثامن
القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني: فيما يتجاوز السبعمئة صفحة من القطع الكبير، صدر المجلد الثامن من موسوعة كامبريدج في النقد الأدبي عن المشروع القومي للترجمة الذي يصدره المجلس الأعلي للثقافة تحت عنوان من الشكلانية الي ما بعد البنيوية وحرره الناقد المعروف صاحب النظرية الأدبية رامان سلدن، والمجلد صدر بمراجعة وإشراف الناقدة والأكاديمية ماري تريز عبدالمسيح وبإشراف عام للدكتور جابر عصفور الأمين العام للمركز القومي للترجمة الذي تم إنشاؤه قبل ثلاثة أشهر.
وقد شارك في ترجمة المجلد الثامن كل من: أمل قارئ، جمال الجزيري، حسام نايل، خيري دومة، عادل مصطفي، محمد بريري، محمد السعير القن، ويمني طريف الخولي.
تضمن المجلد ثلاثة عشر فصلا بالإضافة إلي ثبت بالمصطلحات أعدته الدكتورة عبدالمسيح، وجاء الفصل الأول عن المدرسة الشكلانية الروسية، والفصل الثاني جاء حول البنيوية وصعودها والثالث تضمن النموذج اللغوي وتطبيقاته، وجاء الرابع حول السيميوطيقا، والخامس حول علم السرد، والسادس عن رولان بارت، والسابع عن التفكيك، والثامن عن النظريات البنيوية وما بعد البنيوية والتحليلية النفسية والماركسية، وقد تضمن الفصل السابع نظريات التأويل الموجهة للقارئ وبدأ بالهرمنيوطيقا، وتلاها الفينومينولوجيا، أما الفصل الحادي عشر فقدم نظرية التلقي عبر مدرسة كونستانس، وجاء الفصل الثاني عشر عن نظرية فعل الكلام والدراسات الأدبية وجاء الفصل الثالث عشر والأخير حول النظريات الأخري الموجهة للقارئ.
قيام وانهيار النظريةتضمن المجلد الثامن من موسوعة كامبريدج مقدمة مطولة ومستفيضة للدكتورة ماري تريز عبدالمسيح تناولت فيها إعلان بعض النقاد الغربيين ـ منذ بداية التسعينيات ـ عن موت النظرية، وتعزو عبدالمسيح هذا الموقف إلي شيوع نظرية ما بعد الحداثة ـ كما تقول ـ وكذلك كيفية تلقيها من قبل بعض القراء كمراوغة فلسفية، وتبدي عبدالمسيح دهشتها من أن يأتي هذا الموقف من النظرية النقدية في نهايات قرن تميز بتعدد نظرياته.
وتؤكد تريز أن النظرية لم تمت لكننا ـ كما تقول ـ نلحظ في العقود الأخيرة إذابة السياج الفاصل بين الحدود المعرفية، نتيجة خروجها عن الحدود المنهجية المغلقة، لتفاعلها مع المرجعيات الثقافية المحلية والعالمية من جهة، والمناهج المعرفية الأخري في مجال الدراسات الإنسانية، وهو ما يؤكده لديها انصراف النظرية الغربية ـ تحديدا باتجاه التحليل الجمالي الصرف للنص، وذلك كطريق لقراءة علي المستوي السياسي تشير ـ علي سبيل المثال ـ إلي ما طرحه الشكلانيون، قبل ظهور النزعة الماركسية في الأدب وبعدها، وهو فاعلية البنية الأدبية وآلياتها المجازية في نزع الألفة عن المعتاد بوصفها ممارسة لإعادة الرؤية علي ما فقد معناه لاحتجابه بين عاديات الحياد.
وتضيف ماري تريز قائلة: إن هذا التوجه إلي الحياة من منظور يعتمد علي استخراج بنية ما هو طبيعي وما هو ثقافي، يكمن وراء سلوك البشر، وتردف أن ذلك ـ وفقا للبنيويين ـ قوي فاعلة تتحرك وتتحول وفقا لقوانين عامة.
بعد ذلك تستعرض ماري ما تولد عن البنيوية مثل الدراسات السيميوطيقية التي تستخدم في قراءة الثقافة المرئية مثل السينما والدراما والتلفزيون والفيديو، وانتهاء بالإعلانات المصورة، ثم تتناول فكرة فك الشفرة في نظريات ما بعد البنيوية، وتتناول اجتهادات عالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير باعتباره أول من أبرز كيفية انتاج دوال اللغة بالمغايرة، وتوضح ذلك بالقول: إن المقصود هنا هو قراءة معني الكلمة علي أساس اختلافه عن غيره من معاني الكلمات، ليغدو المعني سلسلة من الاختلافات التي تشكل بدورها سلسلة من التواشجات.
ثم تقر تريز بعد ذلك بأن نظريات ما بعد البنيوية أفضت إلي رفض الاعتقاد بأن للكلمات معاني محددة، حيث تعرض عملية تفسير الأدب إلي كثير من المساءلة، فلم تعد تنسب كتابة النص إلي الكاتب بالبساطة التي كانت تجعل منه في الأزمنة السالفة مبدعا، خلاقا، قريبا من الأنبياء.
وتضيف: حتي وإن لم يستسغ البعض فكرة موت الكاتب التي طرحها رولان بارت، فإننا بتنا ندرك الآن أن الكاتب ينتج في عدة سياقات ولا يشترط أن يكون هو علي وعي بها في أثناء الكتابة، وتلك السياقات هي ما نطلق عليه التناص.
ثم تنتقل تريز بعد ذلك مع الفكرة من سوسير إلي دريرا حيث تحولت فكرة الدال والمدلول إلي ازدواجية الاختلاف والإخلاف الكامن العلامة، وتوضح ذلك قائلة: تفسير المعني ـ في هذه الحالة ـ يتعرض إلي الإرجاء المتواصل نتيجة لانتاجه في سياقات متغايرة، ولحمله آثارا من المعاني الأخري، فهو يسعي دائما وأبدا إلي البلوغ.
تنتقل تريز بعد ذلك إلي مستوي آخر من مستويات الوعي بفكرة توليد المعني، وتتناول مفهوم لاكان حول تماثل بنية اللاوعي مع بنية اللغة، حيث تتعلم الذات عبر اللغة، وتضفي شيئا من الذاتية علي ما تعلمته، وتقول إن ذلك يتجلي بشكل واضح في تذويب الاختلافات الجنسية.
ثم تتناول تريز نظرية الفينومينولوجيا التي مهدت لنظريات الاستجابة والتلقي ـ حسبما تقول ـ حيث ابتعدت عن الشكلانية التي ركزت علي وحدة العمل بتشييد قواعد مجردة للأعمال الأدبية.
تعود بعد ذلك علي الكتاب وتقول إنها لم تتبع المسار التاريخي للنظرية النقدية، حيث تري في ذلك مسايرة سلبية لتعاقب النظريات، وكأنها صيرورة من الحسن إلي الأحسن، وتري أن المقالات التي تضمنها الكتاب مقالات تعبر عن درجة عالية من الاستقلال باعتبارها أطروحات متجاورة تهدف إلي إثارة الحوار والتساؤلات، وتقول أنها ـ بالإضافة إلي ذلك ـ تساعدنا علي فهم أسباب التحول من البنيوية إلي ما بعد البنيوية في الفكر العربي، وهو مسار ـ تراه المؤلفة ـ يتوازي والتحول من الحداثة إلي ما بعد الحداثة.
وترصد تريز تمايزا الجزء الثامن من الموسوعة قائلة: إن الدراسات التي تضمنها لا تقتصر علي توثيق المدارس النقدية توثيقا تاريخيا فحسب، بل تتناول المدارس النقدية منذ أوائل القرن العشرين من منظور معاصر، وبأصوات تبتعد عن الحاكمية، فتظل المقالات مفتوحة النهايات مما يوجه القارئ الي مسار النظرية النقدية في حراكه الدائم، وتضيف ماري تريز: أن في سيرورة الفكر الغربي ما يجعلنا نعي حال الفكر أو المثقف، أو الكاتب في عصرنا الراهن، حيث صار يتميز بتعدد انتماءاته الثقافية مما جعله في حاجة الي الإلمام بالمعارف الجديدة التي تتولد عن تداخل المعارف الأساسية التي تلاشت حدودها مثل اللغة والفلسفة وعلم النفس، والنظرية الاجتماعية والسياسية.
وتثني تريز علي جهد مجموعة المترجمين الذين نهضوا بالكتاب رغم إقرارها بحالة السأم التي تصيب القارئ العربي أمام الدراسات النظرية المعاصرة، وهو السأم الذي تراه تريز ناجما عن الفجوة المعرفية بين العقل العربي وغيره من الثقافات، وتضيف أنها فجوة معرفية ساهم فيها تراجع حركة الترجمة والانغلاق الثقافي الذي أعاق العقل ـ حسب وصفها ـ عن التفاعل مع الآخر، ومن ثم عجز الصوت العربي عن التمثيل الثقافي في موقع العالمية.
ورغم هذه المشكلات التي أصابت العقل العربي إلا أن تريز تري أنه لم يفلت من الصراع الذي تمر به عقول العالم أجمع، وهو صراع تراه المؤلفة ناجما عن المتغيرات السياسية والتحولات الاجتماعية منذ منتصف الخمسينيات من القرن المنصرم، وإن اختلفت أسبابه، وتعارضت دوافعه، حيث تري أن المتغيرات السياسية المتلاحقة التي أصابت المنطقة العربية منذ عدة عقود حركت الوعي بضرورة تدارك الفجوة المعرفية التي أصابت عقله.
بالإضافة إلي تلك المشكلات أمام العقل العربي فيما يتعلق بالدراسات النظرية ترصد ماري تريز جانبا مهما من هذه المشكلات، وهو الذي تراه راجعا إلي تمسك حكومات ما بعد الاستقلال بالفكر الأحادي متذرعة بالحفاظ علي الوحدة القومية، وما كان ذلك سوي قناع لقمع التعددية والتنوع ـ حسب تريز ـ التي تضيف أنه وإن كان التضامن والتعاضد المجتمعي علي المستويين القطري والإقليمي لا يزال ضرورة حتي الآن في ظل اجتياح هيمنة رأس المال المتعدد الهوية، إلا أنها تري أن ذلك لا يعني إثارة النعرة القبلية التي تؤدي إلي العزلة الثقافية.
من البنيوية إلي التعدديةأما رامان سلدن المحرر الانكليزي للكتاب فقد اعتبر أن سلسلة النظريات التي يستعرضها الكتاب لا تستهدف إثبات حدوث شيء من التقدم إلي الأمام في النظرية الأدبية، ويتناول عددا من الإشكاليات التي تكتنف عددا من النظريات لا سيما في تشعباتها وتشظيها، ويقول ـ لذلك ـ انه من الصعب تقسيم التاريخ العام للنقد الأدبي في القرن العشرين إلي مجموعات متجانسة، ويرجع ذلك جزئيا الي أن صور كتابة تاريخ النقد في البلدان المختلفة لم تتبع المسارات عينها، ويضيف: ان الخصوصيات الثقافية راوحت من درجات التأكيد علي مُثُل الخطابات النقدية.
ويشير المحرر الي أن الهدف من التقسيمات التي أوردها الكتاب للنقد في القرن العشرين هو تتبع التطورات التي تلت فترة التحول الجيولوجي، غير أنه يري أن عرض الأطوار الشكلانية والبنيوية في تاريخ النقد ليس بإمكانه تفادي الرجوع الي أوائل القرن العشرين للتعرف علي السوابق الحاسمة السابقة علي الحركات التي هيمنت في أواخر القرن العشرين.
ثم يتناول رامان سلدن ما أسماه بالنموذج اللغوي في النظرية النقدية، ويطرح عبره نموذج اللغويات البنيوية وتصور فردينان دي سوسير باعتباره مشروعا علميا ـ حسب قوله ـ معاديا للوضعية في جانبه المعرفي. ثم يتناول ما أسماه شعرية اللا حسم أو تآكل المركز حيث يقول: لم تكن هناك نقطة تحول حاسمة من البنيوية الي ما بعد البنيوية، فلقد تضاءلت الثقة في التطلعات العلمية للبنيوية الفرنسية، ويرجع ذلك إلي أن احتجاجات الطلاب في أواخر ستينيات القرن العشرين حفزت هذا التفاؤل، ويقول: إن التعددية الثقافية الجديدة التي تطورت في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن العشرين وأهمها نضال المرأة والمثليين والسود ولدت تعددية نقدية قوضت محاولات تطوير أنساق ونظريات قطعية، ويضيف أن كثيرا من المفاهيم التي تم التعبير عنها بشكل جديد مثل البطريركية والنقد الجينونسائي ومركزية اللوجرس والاختلاف ومغاير الخواص يهدف إلي إزاحة الشفرات الثقافية الحاكمة بعيدا عن المركز ومنع تأسيس أية شفرة سائدة. وقد ترجم مقدمة رامان سلدن الكاتب والأكاديمي جمال الجزيري.
بقي التعريف بمن قاموا علي ترجمة الجزء الثامن من موسوعة كامبريدج، فماري تريز عبدالمسيح هي استاذة الأدب الانكليزي المقارن بجامعة القاهرة وقدمت عددا من المؤلفات المهمة منها الأدب عبر الثقافات والتمثيل الثقافي بين المرئي والمكتوب، أما جمال الجزيري فهو أستاذ مساعد الشعر الانكليزي بجامعة قناة السويس وأصدر عددا من المؤلفات منها الحوار مع النص، وترجم أسطورة برومثيوس في الأدبين الانكليزي والفرنسي، أما خيري دوته فهو أستاذ مساعد الأدب العربي بجامعة القاهرة ومن أهم مؤلفاته تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة، أما حسام نايل فهو حاصل علي شهادة الماجستير في الدرس التفكيكي الثلاثي عند إدوار الخراط، أما أمل قارئ فهي أستاذة اللغويات ورئيسة قسم اللغة الانكليزية بجامعة عين شمس ومن مؤلفاتها النظرية المتكاملة للقراءة والكتابة وتحليل الخطاب، أما عادل مصطفي فهو طبيب استشاري بالكويت وهو مجاز في الفلسفة وقدم عددا كبيرا من المؤلفات في النظرية الأدبية منها دلالة الشكل، كارل بوبر، مدخل الي الهرمنيوطيقا، أما يمني طريف الخولي فهي أستاذة مساعدة ورئيسة قسم الفلسفة بجامعة القاهرة ومن أهم مؤلفاتها فلسفة العم من الحتمية إلي اللا حتمية، أما الدكتور محمد بريري فهو أستاذ الأدب العربي بجامعتي بني سويف والجامعة الأمريكية ومن أهم مؤلفاته الأسلوبية والتقاليد الشعرية، وأخيرا الدكتور محمد السعيد القن الذين يشغل موقع أستاذ الأدب الانكليزي بجامعة عين شمس، ومن أهم مؤلفاته رؤية صمويل بيكيت ومعادلتها الموضوعية.
هذا وقد تضمن الكتاب ثبتا بالمصلحات والمراجع يتجاوز مئة وخمسين صفحة.
َ