من نواب المخدرات الي نهب البنوك

حجم الخط
0

من نواب المخدرات الي نهب البنوك

برلمان الطوارئ المصري لحماية الاستبداد والفساد يسري حسينمن نواب المخدرات الي نهب البنوك تعرض حزب العمال الحاكم في بريطانيا لهزة شديدة، نتيجة تراجعه في الانتخابات المحلية وارتفاع صوت أحزاب المعارضة المحافظة والليبرالية، التي حققت نسبة عالية من المقاعد داخل الحكومات المحلية والبلديات.لم ينتظر توني بلير رئيس الوزراء وزعيم الحزب الحاكم كثيرا، اذ أسرع في خطوة سياسية وقائية لتجديد حكومته للرد علي ما جري من انتكاسة في الانتخابات المحلية. أعلن بلير حركة تنقلات هي الأشمل علي حكومته فأقال وزير الداخلية تشارلز كلارك وأبعد وزير الخارجية جاك سترو، ونقل وزير الدفاع، وأحدث تغييرات شاملة في المواقع الوزارية مثل التجارة والتعليم. ولم يترك رئيس الوزراء موقعا داخل حكومته علي حاله، حتي يجدد ثوبه الحكومي أمام الرأي العام لاقناعه بقدرته علي الاستمرار. ترتب علي الانقلاب الأبيض الذي قاده بلير هزة واسعة في دوائر الحكم، حتي تبدو الحكومة وكانها جديدة وشابة لامتصاص حركة التمرد داخل الحزب الحاكم نفسه، واقناع البريطانيين بان النظام يستجيب لنداء التغيير.وأذكر كلمة للزعيم الراحل جمال عبد الناصر قالها بعد نكسة حزيران (يونيو) عام 1967 وبعد مظاهرات الطلاب في عام 1968، اذ قال ان الشعب يريد التغيير وانا معه وقدم عقب خطاب شامل له بيان 30 آذار (مارس) مجموعة قوانين لصالح الصحافة والحريات، استجابة لنداء الشعب بالتغيير والتعديل وتجديد الوجوه الوزارية.والمصريون منذ وصول الرئيس مبارك الي الحكم يطالبون بالتغيير، لكن القيادة لا تنصت ولا تستجيب لهذا النداء. وكانت آخر استجابة عكسية لمطالب الحريات والاصلاح السياسي، تجديد الحكومة لاستمرار قانون الطوارئ المفروض أيضا منذ ربع قرن كذلك الغاء الانتخابات المحلية. وهكذا تكون الديمقراطية علي الطريقة المباركية والتي تقول لا خضوع ولا استسلام ولا اعتراف بارادة الشعب ومن لا يعجبه ذلك يضرب رأسه في الحائط!. والمصريون بالفعل يضربون برؤوسهم في حائط الجمود السياسي والاجتماعي والاقتصادي منذ ربع قرن، حيث لا توجد في الافق علامات علي ان الرئيس سيخضع لرغبة الرأي العام، فهو ليس بلير فشعبه مطيع، ولديه برلمانه الجاهز والذي يستجيب لمطالبه ويوافق علي تقييد الحريات وخنق حركة التعبير، بأغلبية مزيفة في البرلمان دائما تنحاز الي اجراءات القمع والديكتاتورية.ورغم خطوة توني بلير السياسية الجريئة فان التمرد عليه لا يزال مستمرا. ويري الرأي العام ان رئيس الوزراء هو الذي عليه الرحيل عن المسرح السياسي نتيجة سلسلة من الأخطاء، بدأت بالحرب علي العراق واستمرت في الاخفاق لمعالجة القضايا الداخلية مثل الأمن والصحة والتعليم مع انتشار الفساد والفضائح الأخلاقية. وفي البيئات الديمقراطية من يفشل يرحل، أما في بلادنا فان الفاشل يستمر لان الأمن يدعمه والبرلمان بأغلبيته الكاسحة يقف بجواره. والفساد البريطاني لا يمكن مقارنته بالعربي، أو ما يحدث في مصر، فلا يوجد في بريطانيا من هرب بالمليارات الي الخارج، أو ان يتحول مندوب اعلانات خلال فترة قصيرة الي مليونير، عبر الغش والفساد وعمليات النصب والاحتيال.ان القانون البريطاني يضبط الفاسدين من المنبع ويمنع نموهم، وهناك حرمة للمال العام. والفساد الذي نتحدث عنه في بريطانيا لا يتجاوز ما حدث في حكومة المحافظين السابقة عندما حصل وزير هو تيم هاملتون علي رشوة من رجل أعمال لا تتجاوز عشرة آلاف جنية استرليني. وكان لكشف الفضيحة سقوط حكومة جون ماجور بالكامل، التي لاحقها ملف الفساد بهذه العينة وطاردها حتي أسقطها الرأي العام في انتخابات عام 1997.والظاهرة المصرية في رفض التغيير والتشبث بمقاعد السلطة، تعود الي منطق سياسي يري بانه ليس للشعب حق الاعتراض أو التدخل أو المطالبة بعقاب وزير أو مسؤول كبير، ساعد صاحب عبارة غرقت بركابها نتيجة الاهمال والنصب والتحايل علي القانون والفساد. ان في مصر ظاهرة عجيبة للغاية وهي ان رئيس الديوان الجمهوري عضو في مجلس الشعب، أي انه يمثل قصر الرئاسة والشعب في الوقت نفسه. وهذا لم يحدث حتي في العهد الملكي الذي نصفه بالبائد. فلم يكن أحمد حسنين رئيس ديوان الملك فاروق يملك الجرأة والتبجح للحصول علي عضوية مجلس النواب. اذ كيف يمثل الملك الحاكم والشعب. فهل يمكن تخيل رئيس بلاط قصر باكنغهام الملكي يجلس في مجلس العموم البريطاني المنتخب؟! وكان زكريا عزمي رئيس الديوان الجمهوري، أعلن بصراحة شديدة ان صاحب عبارة الموت ممدوح اسماعيل صديقه وانه ابن بلد يعرف أخلاق القرية وقيم الصداقة وانه لن يتخلي عنه أبدا!. وقد هرب ممدوح اسماعيل الي الخارج بعد ان رفض مجلس الشوري اسقاط الحصانة عنه. ولم يفعل ذلك الا بعد ان تأكد من خروج صاحب العبارة الي لندن! كان ممدوح اسماعيل يتولي أمانة الحزب الحاكم في دائرة مصر الجديدة، الموجود فيها قصر الرئيس مبارك الجمهوري.ولم يُعرف عن صاحب عبارة الموت انه سياسي ماهر أو حزبي محترف ليصل الي هذه المكانة علي قمة الحزب الحاكم في دائرة الرئيس وعائلته. ويقال ان رئيس الديوان الجمهوري هو الذي أدخل اسماعيل الي مجلس الشوري بتوجيه منه بسبب الصداقة التي بينهما. والحقيقة ان الموضوع مرتبط بتحالف المال مع السلطة. وقد سمحت أجهزة الدولة ودوائر الفساد بهروب ممدوح اسماعيل، وهو يعيش في بريطانيا، يتمتع بنظامها الديمقراطي وعندما كان في مصر اعتدي علي الديمقراطية بتأييده قانون الطوارئ ولاحتلاله لمقعد في مجلس نيابي، دون حق أو مؤهلات سياسية، سوي صداقته مع زكريا عزمي رئيس الديوان الجمهوري.وقد وقع نواب في مجلس الشعب المصري علي عريضة تطالب بالتحقيق مع عزمي لمعرفة دوره في تهريب ممدوح اسماعيل، كذلك كشف الغطاء عن التحالف بين المال والفساد والنفوذ السياسي في أرض الكنانة. وكعادته رفض مجلس الشعب قبول عريضة موقعة من نواب منتخبين لان رئاسة البرلمان التي يتولاها د. احمد فتحي سرور، هي لمنع الممارسة الديمقراطية، ولا تمثل مصلحة الشعب ولا تطلعه الي ديمقراطية حقيقية.وأداء مجلس الشعب المصري خلال عصري السادات ومبارك، هو قيد علي الحرية والديمقراطية. عندما جاء السادات بانقلاب ايار (مايو) الأسود علي نظام عبد الناصر في عام 1971، قام هذا البرلمان بخطوة غريبة لم تحدث في أي برلمان يحترم نفسه. فقد أسقط العضوية عن رئيسه آنذاك د. لبيب شقير وعشرات الأعضاء، الذين كان نظام السادات قد وضعهم في السجن باسم ثورة ايار (مايو) ضد مراكز القوي. وقد أطلق علي هذه المذبحة يوم الديمقراطية، وعيد مجلس الشعب. ولا يزال هذا العيد مستمرا وتوج انجازاته بموافقة سريعة علي تمديد قانون الطوارئ لمدة عامين، حماية لعصر الحرية الذي تعيشه مصر وأزهي أيام الديمقراطية في ظل حكم الرئيس مبارك الذي يتولي السلطة منذ ربع قرن، ولا توجد اشارات علي انه سيتنحي في يوم ما كما يعد رئيس الــوزراء البريطاني توني بلير شعبه بذلك.والرئيس مشغول باعداد المسرح لتوريث نجله السلطة. ويقوم جمال مبارك بنشر نفوذه في دوائر الحكم والحزب والاعلام. وأصبحت كل الصحف الحكومية بدون استــثناء تروج له وتمهد الطريق للتوريث وانتقال السلطة من الأب الي الابن.شنت صحيفة روزاليوسف التابعة لنفوذ جمال مبارك حملة رهيبة ومنحطة ضد الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، لمجرد ذكره ان التوريث سيحدث هذا العام وفي ظل حكم الرئيس حتي يضمن نقل ولاية السلطة الي نجله وهو علي قيد الحياة. والحملة التي تعرض لها هيكل تدل علي اسلوب الموجة الجديدة التي تقود معركة التوريث بلا أدب أو حياء. ومن عجائب مصر ان يوافق برلمان منتخب علي تكبيل الشعب بقانون الطوارئ، غير القادر علي محاربة الارهاب، لان وجوده واستمراره يفرزان التطرف والاحتقان الطائفي، نتيجة غياب تنمية ومشروع وطني ثقافي يدفع مصر نحو الأمام. ان مجلس الشعب المصري بالموافقة علي تمديد قانون الطوارئ والعجز عن النظر بملف زكريا عزمي، انما هو فضيحة للديمقراطية وعثرة أمام تطور مصر السياسي والحضاري.وعندما ذهب الشيخ رفاعة الطهطاوي الي فرنسا مع بعثة طلابية أرسلها حاكم مصر محمد علي، رأي ان الشعب الفرنسي متقدم ومزدهر بسبب نظامه النيابي ووجود برلمان يحرص علي الحرية ويطلق طاقات الشعب ويحرض علي سن قوانـــين تشجع الصناعة والتجارة وحركة التفكير والابتكار وازدهار الفنون.وحينما أقف في ميدان وستمنستر وأري مبني البرلمان البريطاني اتأكد انه سبب نهضة هذا الشعب، فلم يوافق أبدا علي قانون للطوارئ أو اعتقال الناس أو تبرير القبض عليهم.لقد حاول رئيس الوزراء الحالي ووزير داخليته السابق تشارلز كلارك، اصدار قوانين لمحاصرة حرية التعبير ولتمديد فترة الاحتجاز دون محاكمة. حدث ذلك وبريطانيا تعرضت لعمليات تفجير سقط فيها 52 قتيلا. غير ان برلمان الحرية رفض كل مشروعات بلير لاصدار تشريعات مقيدة للحريات. واتهمه النواب صراحة بعدم معرفة روح الحياة الدستورية البريطانية اذ انها تستند علي فتح أبواب الحرية وليس اغلاقها، حتي لو كان الأمر يتعلق بتفجيرات ارهابية في شبكة المواصلات العامة.ان البرلمان البريطاني يصون منابر الحرية والديمقراطية ويحميها بالتشريعات والقوانين، ويدرك ان المجتمع السليم والصحي يحتاج الي مناخ حر للازدهار والتقدم. بينما المجتمعات المكبلة بالفساد والاستبداد تعاني من التخلف وانتشار الأمراض الاجتماعية وبروز التعصب والتطرف والصراع الطائفي.واذا كان البرلمان البريطاني يناصر الحرية لازدهار الشعب، فان مجلس الشعب المصري يتباهي بفرض القيود والموافقة السريعة علي مد قانون الطوارئ. ويتبجح نائب من الحزب الوطني هو محمد أبو العينيين، رجل أعمال يتاجر في السيراميك، بان هذه الخطوة لحماية مصر! وأتذكر سؤالا للشاعر أحمد فؤاد نجم عندما قال عن أي مصر يتحدثون: العشة: أم القصر؟! وكان مجلس الشعب المصري تحت رئاسة أحمد فتحي سرور اشتهر في دورات سابقة بنواب المخدرات ونواب القروض الذين استولوا علي أموال البنوك ونهبوها. وهذا البرلمان الحالي هو بالتأكيد برلمان الطوارئ والاستبداد وحماية الفساد. وقد سمح لقوات الأمن باعتقال النائب أيمن نور زعيم حزب الغد في دورة سابقة. وتعرض هذا النائب البرلماني السابق للضرب والاهانة وهو حاليا في السجن يعاني من الاحتضار، نتيجة انه تجرأ ورشح نفسه في الانتخابات الرئاسية ضد مبارك.ويذكر التاريخ المصري ان د. احمد فتحي سرور هو البرلماني الوحيد في العالم الذي يقود حملة علي الحرية والديمقراطية ويسقط الحصانة عن نواب شرفاء ويرفض رفعها عن نواب متورطين بالفساد واستغلال النفوذ. ومن الغرائب ان يحضر هذا الرجل مؤتمرات برلمانية دولية ويتحدث باعتباره برلمانيا يحافظ علي حقوق الانسان وحق الأفراد في التعبير والمعارضة.وسرور يتولي رئاسة اتحاد البرلمانيين العرب. وهذا الموقع يعبر عن حالة التدهور الديمقراطي في عالمنا العربي، وان البرلمانات العربية ليست مجرد ديكور شكلي فقط، وانما تعمل علي عكس كل المجالس النيابية في العالم المتحضر في اعتقال الديمقراطية وتحديد اقامتها وفتح الطريق أمام الفساد وانظمة الحكم الديكتاتورية التي تحكم بالحديد والنار.ہ كاتب وصحافي مصري مقيم في بريطانيا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية