من هارفارد إلى غزة: بين احتلال الأرض وتركيع الجامعات آصرة القمع وتبريره لحماية بلد أجنبي

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

غزة تحترق وتباد كل يوم ويذهب إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي متبختبرا بين أنقاضها ومصرا على إذعان حركة حماس، ويعني إذعان الفلسطينيين، ورافضا لكل عروض وقف إطلاق النار. فالإقامة طويلة كما تشي جولاته بين أنقاض مخيمات الضفة الغربية وغزة المدمرة ورحلاته إلى جبل الشيخ الذي يعتقد أنه بات يملكه، فالعقيدة الإسرائيلية الجديدة، تقوم على سرقة أراضي الجار لتحقيق النار وبناء الردع والحماية، فبعد أن أسقطت حركة حماس نظرية الردع بهجومها على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر، باتت الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية الحالية تقوم على توسيع حدود إسرائيل بالسيف، طالما لم تقل الولايات المتحدة شيئا، فكما قال أحد الجنود الإسرائيليين كان يحرس قمة جبل الشيخ وهو يطل على القواعد العسكرية الجديدة والشوارع المعبدة، لصحيفة «فايننشال تايمز» (15/4/2025) «نعرف أنهم يكرهونا [السوريون] ولهذا فنحن هنا».

الهيمنة بالسيف

وقالت الصحيفة إن إسرائيل لم تعد تكتفي بالجدران الحدودية وأنظمة الإنذار المبكر، بل تستولي على أراضي جيرانها وتبني مناطق عازلة وتضرب حتى التهديدات المتصورة، في بيروت ودمشق في استعراضات ضخمة للقوة. ولتحقيق هذا تمزق الحدود المدعومة دوليا وتنتهك سيادة جيرانها وتصعد التوترات وتفاقم خطر الصراع. وإسرائيل هنا ليست معنية بالسلام أو الاستقرار مع جيرانها. ونقلت عن الدبلوماسية الأمريكية السابقة باربرا ليف وصفها التصرف الإسرائيلي الجديد بانه «يخاطر بإثارة نوع من التحريض والعداء لم يكن موجودا»، مضيفة: «هناك طرق عديدة لضمان الأمن، وهناك قنوات عديدة» إلى جانب القوة العسكرية، في إشارة إلى الحاجة إلى قنوات خلفية بين إسرائيل وسوريا.

غزة والمريخ

ولا يختلف وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس عن رئيسه نتنياهو، فقد قال في جولة عند الحدود اللبنانية الشهر الماضي: «هكذا يبدو النصر، الجيش الإسرائيلي هنا، والمجتمعات المحلية في الأسفل محمية ونشطة والقرى اللبنانية على الجانب الآخر تسحق». وتذكرنا سياسة الأرض المحروقة في جنوب لبنان بالحرب الأخرى على الضفة الغربية، تقدر الأمم المتحدة نزوح نحو 40.000 فلسطيني منذ أن شنت إسرائيل في كانون الثاني/يناير هجوما واسعا على مسلحين في مخيم جنين للاجئين، ثم توسعت لاحقا لتشمل مناطق أخرى مجاورة. وأقام الجيش الإسرائيلي مواقع استيطانية داخل جنين، وكذلك في مخيمي طولكرم ونور شمس. ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن القوات ستبقى في مكانها إلى أجل غير مسمى، مع عدم السماح للسكان الفلسطينيين بالعودة قبل نهاية العام. والصورة مختلفة في غزة، التي تبدو سطحا يذكر بتضاريس القمر أو المريخ. وبعد أكثر من 18 شهرا من الحرب، تحولت أجزاء كاملة من القطاع الفلسطيني إلى أنقاض. قال جندي احتياط إسرائيلي في جنوب غزة: «يبدو الأمر وكأنه كوكب المريخ، إذا كان هناك مبنى قائم، فهذا يعني على الأرجح أننا نستخدمه».
وتقول إسرائيل اليوم أنها تسيطر على 30 في المئة من أراضي القطاع. وتشجعت إسرائيل بتصريحات الرئيس دونالد ترامب حول استحواذ أمريكا على غزة، وهو ما خفف الضغط على حكومة نتنياهو، كما يقول إيهود يعاري، الزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني: «هذا ما سيبدو عليه ‘اليوم التالي ما بعد الحرب» على مختلف الجبهات. وفي الوقت الحالي، فحكومة نتنياهو ليست معنية بالانتقادات والعرائض والرفض من صفوف جنود الاحتياط ولا مناشدات عائلات الأسرى المتبقين في غزة، فهي تعتقد أنها تستطيع عمل ما تريد وتتنمر على من تريد. وقد حذر إسرائيل زيف، الجنرال المتقاعد في الجيش الإسرائيلي من أن إسرائيل أصبحت مغرمة بالاستيلاء على الأراضي. وكتب أن الوجود الإسرائيلي «غير الضروري» في سوريا، في «أرض ليست لنا»، سيأتي بنتائج عكسية، تماما كما حدث مع احتلال إسرائيل لـ«منطقة أمنية» في لبنان لمدة عقدين من الزمن من عام 1982 إلى 2000.

لا هيمنة بدون تفاهمات

في الوقت نفسه، لا يني نتنياهو تكرار لازمته المعروفة «نحن نغير الشرق الأوسط»، لكن لا يعرف أن الجغرافيا ومسار التاريخ هما من يغيران الدول الكبرى والأكثر قوة من إسرائيل. ويبدو أن عقدة الهيمنة على المنطقة دخلت في عقل نتنياهو، وهو يتناسى تجربة إسرائيل في الاحتلال وغزو الجيران، كذا تجربة راعيته الأمريكية. وقاد حاول أروف ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق التذكير بمقال مشترك بصحيفة «نيويورك تايمز» (14/4/2025)، قال إنه بدون تحويل مكاسب إسرائيل الأخيرة ضد إيران وحلفائها فلن يتحقق السلام. وعلى خلاف حرب الأيام الستة، فإن الحرب التي تخوضها اليوم إسرائيل وما حققته بها لم يكن ليحدث بدون الدعم الأمريكي المطلق والاتفاقيات التي عقدتها مع شركائها الرئيسيين في دول الخليج. وأكد ميلر أن إسرائيل ستجد صعوبة في تحويل الهيمنة العسكرية الإسرائيلية الجديدة إلى اتفاقيات ذات معنى مع جيرانها العرب. وفي الحقيقة لا توجد اتفاقيات جاهزة وسهلة، فعلى العرب والفلسطينيين تقديم تنازلات صعبة، والمهمة ستكون أصعب لإقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لاتخاذ قرارات صعبة. وأظهرت زيارة نتنياهو الأخيرة أن ترامب ليس جاهزا للمحاولة. ولن يكون لدى نتنياهو وحلفاؤه من اليمين المتطرف أي دافع لعقد صفقات، وخاصة أن ترامب لم يقيد أفعالهم في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان. وبالمثل، لن يكون هناك أي مجال للحديث عن اليوم التالي في غزة كما اقترح وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن، وبناء حكم فعال قادر على إعادة إعمار غزة، فطالما استمرت الحرب، فلا مجال للحديث عن «اليوم التالي».

هاكابي والفلسطيني الغائب

وفي نفس السياق، لم تبد إدارة ترامب أي اهتمام بمصير القطاع فيما بعد الحرب، سوى الاستحواذ عليه وتحويله إلى شقق فارهة وبيوت راقية على البحر. وكما اكتشفت إدارة بايدن بعد 7 أكتوبر 2023 فلا مجال لتجاهل الفلسطينيين، وسيكتشف ترامب نفس الأمر، رغم أنه تحدث في ولايته الأولى عن صفقة القرن، ليقدم صفقة بمعايير نتنياهو، وأقنع الناخبين العرب في ميتشغان بأنه صانع سلام، ولكن نسي كعادته وعوده. وبوصول سفيره الجديد إلى إسرائيل الذي بدأ عمله بزيارة الحائط الغربي وتلا رسالة كتبها ترامب له، فسيكتشف مايك هاكابي، حاكم أركنساس السابق الحقيقة بنفسه. وكما قال مات داس في مقال بمجلة «ذي نيوريبيلك» (4/4/2025) فإن الفلسطينيين ظلوا غائبين في تفكير هاكابي الذي تحدث إلى صحيفة إسرائيلية قبل 20 عاما قائلا إنه مع إنشاء الدولة الفلسطينية، ولكن خارج حدود إسرائيل، التي يعرفها بين النهر والبحر، واقترح في حينه إقامتها في مصر والسعودية. وقد أغضب نتنياهو الأخيرة عندما اقترح نفس الأمر.
وهو مع الإنجيليين المتحمسين لا يخفون دعمهم لنظام التمييز العنصري، ويبررون الحواجز والحصار والاستيطان وغير ذلك من أساليب قهر الفلسطينيين بأنه أمر يؤسف له ولكنه ضروري لأمن إسرائيل. وتساءل داس عن الدولة التي تختار سفيرا لبلد يدعو لتهجير سكانه، ولكن أيا كان السفير الذي تختاره إدارة ترامب، كما فعلت مع سلفه داعم الاستيطان ديفيد فريدمان، فسياسة تهميش الفلسطينيين تصطدم بالواقع.

مكافحة فلسطين

وهناك بعد آخر في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على الفلسطينيين ونابعة من محاربة فكرة فلسطين. وقد كتب الناشط السجين في لويزيانا، محمود خليل مقال رأي بصحيفة «واشنطن بوست» (18/4/2025)، تساءل فيه عن ماهية الديمقراطية الأمريكية وأنها تعمل بناء على فكرة المصلحة لا حرية الرأي. وتساءل «لماذا يفترض أن يؤدي الاحتجاج على قتل إسرائيل العشوائي لآلاف الفلسطينيين الأبرياء إلى تآكل حقوقي الدستورية؟» في إشارة لكونه مقيما دائما في البلاد، وتم اختطافه من أمام شقته أمام زوجته الحامل التي ستضع طفلها الأسبوع المقبل.
وأضاف مستشهدا بسجن أمريكا عشرات الآلاف من الأمريكيين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية، باعتبارهم طابورا خامسا أن الحق في حرية التعبير فيما يتعلق بفلسطين ظل ضعيفا للغاية. و«مع ذلك، فإن حملة القمع على الجامعات والطلاب تكشف مدى خوف البيت الأبيض من فكرة دخول حرية فلسطين إلى التيار العام. وإلا فلماذا يحاول مسؤولو ترامب ليس فقط ترحيلي، بل أيضا تضليل الرأي العام عمدا بشأن هويتي وما أمثله؟».
ويرى البرفسور ساري مقدسي، مؤلف كتاب «التسامح هو أرض الخراب: فلسطين وثقافة الإنكار» في مقال نشرته مجلة «ذي نيشين» (17/4/2025) أن حرب ترامب على الحركة الفلسطينية هي أمر جديد جدا، فاستخدام القوة المفرطة للهجوم على حرم الجامعات الأمريكية وتخويف وترهيب الطلاب الملونين والأجانب واحتجازهم هو أمر لا علاقة له بالخطر الأحمر أو المكارثية في فترة الخمسينات من القرن الماضي، التي صورت آنذاك بأنها لحماية أمريكا من الشيوعية. ولكنها مؤطرة لحماية دولة أجنبية وتوفير ستار حماية لها من النقد في بلد يظهر دافع الضريبة فيه رفضا متزايدا لتمويل نظام تمييز عنصري وبرامجه في الإبادة الجماعية العنيفة.
وفي النهاية لا يوجد بين الطلاب الملاحقين والمعتقلين من تم اتهامهم بنقد أمريكا ونظام حكومتها. بل على العكس، ففي ظل الظلام الحالي، يمكن لأي شخص قول ما يريده في حرم الجامعات ضد ترامب وسياساته، لكن ليس نقد إسرائيل وما تفعله في غزة ومن يطالب بالحق الفلسطيني، الذي بات هدف ترامب اليوم.
ولهذا تم استهداف جامعة كولومبيا، وتحديدا قسم دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا، نظرا لاعتبار البعض له بأنه ناقد لإسرائيل. فالدليل الأكيد على أن هذه الحملة الصليبية مبنية أيديولوجيا على حماية إسرائيل، وليس الولايات المتحدة، لا يكمن فقط في قائمة أولئك الذين طاردتهم أو اختطفتهم إدارة الهجرة والجمارك حتى الآن، حيث يفترض أن كل واحد منهم على صلة بالاحتجاجات المناهضة للإبادة الجماعية والمؤيدة للفلسطينيين في الحرم الجامعي في الربيع الماضي، ولكن أيضا في قائمة الشروط ودفع الفدية التي قدمتها حكومة ترامب إلى جامعة كولومبيا من أجل استعادة التمويل الفيدرالي المعلق البالغ 400 مليون دولار للجامعة. وهي جزء من حملة لإجبار كل الجامعات الأمريكية لقمع الخطاب الناقد لإسرائيل والمؤيد لفلسطين. وعليه فما نشهده الآن ليس عودة للمكارثية، بل هو أمر جديد كليا. ففي الماضي قمعت حكومات عدة حرية التعبير والحرية الأكاديمية لحماية نفسها من النقد والمعارضة.
ولكن لم يسبق قط أن قمعت حكومة حرية التعبير والحرية الأكاديمية لمواطنيها لحماية بلد مختلف تماما، ولم يسبق قط أن ألغيت حقوق مواطني دولة كبرى أو نشرت الفوضى في مؤسساتها القيادية، لحماية سياسات غير شرعية وإجرامية لدولة تابعة ضئيلة الأهمية على بعد آلاف الأميال.
وربما رغب ترامب والدائرة المحيطة به ملاحقة نقاد القوة الأمريكية، لكن ليس بعد، فليست لديهم بعد القوائم السوداء. وما لديهم الآن هي القوائم التي جمعتها المنظمات المؤيدة لإسرائيل مثل بيتار ومهمة كناري ورابطة مكافحة التشهير واللجنة الأمريكية-الإسرائيلية للعلاقات العامة، وهي تفعل هذا منذ الثمانينات في القرن الماضي، حيث استهدفت الناقد إدوارد سعيد. وعليه فالسبب وراء اعتقال وترحيل وملاحقة وإجبار العديد من الناشطين من خليل وبدر خان سوري وروميسا أوزتيرك ومامادو تال ولقاء كوريدا ويونيسو تشانغ ورجاني سيرينفاسان ورشا عليوي ومحسن مهداوي لأن أسماءهم ظهرت على واحدة من قوائم التحالف الإسرائيلي في حرم الجامعات.
ومع ذلك لا توجد قوائم سوداء، ولا توجد بالتأكيد قائمة سوداء تضم مئات أعضاء هيئة التدريس الصهاينة في جامعات البلاد الذين أساءوا استخدام مناصبهم ضد طلابهم وأرهبوهم وأسكتوهم وضايقوهم، وكشفوا عن هوياتهم الشخصية أو، في تقصيرنا النهائي عن واجبنا المهني كأساتذة، ناشدوا الشركات ومكاتب المحاماة علنا عدم توظيف طلابهم لأنهم تجرأوا على الاحتجاج على الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، كما فعل أحد أساتذة كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في بيركلي في صحيفة «وول ستريت جورنال» عام 2023. ولا توجد منظمة واحدة مؤيدة لفلسطين يعرفها الكاتب تعد قوائم بأسماء الصهاينة في الحرم الجامعي أو تدعو إلى فصلهم أو طردهم أو ترحيلهم أو سجنهم. في الواقع، لم تعلق دراسة أي طالب صهيوني يعرفه الكاتب أو طرد أو دمرت مسيرته المهنية. ولم يتم تجريد أي أستاذ صهيوني من منصبه أو فقد وظيفته، كما حدث مؤخراً مع مديري مركز هارفارد لدراسات الشرق الأوسط.

تجريم النقد لإسرائيل

وفي هجوم ترامب على جامعة هارفارد وقرارها الصمود والمواجهة، خلقت إدارته شكلا من محاولات السيطرة على الجامعات، وعلق الكاتب شادي حميد في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» (16/4/2025) أن إدارة الرئيس دونالد ترامب خلقت سابقة خطيرة في تجريم نقاد دولة أجنبية.
وناقش حميد سابقا أن اعتقال الناشط محمود خليل، يمثل نقطة تحول مهمة، ويؤكد أن الولاية الثانية لترامب ستكون أسوأ مما توقع الكثيرون. فمحاولة ترحيل خليل، ليست حالة معزولة، بل كانت بمثابة مناورة لفحص مدى قدرة إدارة ترامب على المضي قدما في خطتها لتجريم حتى الانتقادات البسيطة لدولة أجنبية.
وأشار حميد إلى فيديو اعتقال أوزتيرك المرعب على يد ملثمين من عملاء الهجرة والجمارك، وكذا اعتقال محسن مهداوي، عندما ذهب لمقابلة الحصول على الجنسية في فيرمونت، وكلها بسبب مواقف ناقدة أو متخيلة من الإدارة لإسرائيل. ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» (16/4/2025) تقريرا فصلت فيه مواقف مهداوي المعتدلة ومحاولته بناء تحالف مع الطلاب اليهود وتخليه عن قيادة حركة الاحتجاج في العام الماضي، ومع ذلك فقد لقي مصير خليل المعتدل أيضا. وأشار حميد إلى الخوف الجاري بين طلاب الجامعات الأمريكية الأجانب. وقال إن طالبا أجنبيا سأله في محادثة عامة عما إذا كان ينبغي عليه السفر إلى الخارج لحضور مؤتمر عمل. وكان الرد بالاجماع من المحامين: لا. مهما فعلت، لا تغادر البلاد، فقد لا يسمح لك بالعودة. ويمكن لمسؤولي الهجرة مصادرة جهاز الكمبيوتر المحمول أو الهاتف الخاص بك وفحص ما قلته وكتبته على انفراد.
وبنفس السياق قال موسى الغربي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة ستوني بروك بنيويورك بمقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» (16/4/2025) إن إدارة ترامب أعلنت الحرب على الجامعات الأمريكية ولن تنتهي بخير لها وستغرق في المستنقع. وأشار فيه إلى دعوة نائب الرئيس جيه دي فانس وتطبيق استراتيجية ضد جامعات النخبة الأمريكية تشبه سياسة «اجتثاث البعث»، في إشارة إلى عملية التطهير الشاملة في المؤسسات العسكرية والمدنية من أي شخص له علاقة بنظام صدام حسين. وقد لعبت هذه السياسة بعد احتلال العراق عام 2003 دورا في ظهور التمرد، ما قوض قدرة الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها في البلد. وقال إن الإدارة يبدو أنها وقعت في نفس المستنقع، فرغم نصر «الصدمة والترويع» في جامعة كولومبيا إلا أن جامعة هارفارد أعلنت عن استعدادها للمواجهة والتي قد تلهم الجامعات الأخرى لاتباع مثالها. والآن بعد أن اختارت هارفارد طريق المقاومة، فمن المرجح أن تحذو مؤسسات أخرى حذوها. وقال المعلق ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست» (15/4/2025) إن هارفارد اختارت الحفاظ على روحها وهي الحرية، بدلا من الخنوع لمطالب ترامب.

حاكم أمريكا المجنون

ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (16/4/2025) في افتتاحيتها أن قرار هارفارد المقاومة فتح الطريق. وأشارت لبيان رئيس الجامعة آلان غاربر الذي رفض التخلي عن استقلالية الجامعة ورفضه لتدخل الحكومة في شؤون الجامعات الخاصة. وقالت إن كلماته بداية مقاومة الجامعات ضد الترهيب واستغلال السلطة من الإدارة، ومن الضروري ألا تظل الجامعة الوحيدة التي تقاوم ترامب. وحظيت هارفارد برسائل دعم من جامعة برنستون وجامعة ويسليان. ويجب أن يعطي مثالها تشجيعا للولايات التي تواجه خسارة الدعم الفدرالي. وقالت إن التنازل أمام ترامب يعني تحطيم الآلة الثقافية لأمريكا. وأضافت أنه في حالة استجابة الجامعات لمطالب فريق ترامب فإن التداعيات ستكون عظيمة وستقوض هدف استقلالية مؤسسات التعليم العالي. وترى الصحيفة أن حملة ترامب ضد الجامعات تقوم على مبرر حماية الطلاب اليهود من التحرش ومعاداة السامية، لكن من الواضح أنها مبرر يتخذه ترامب وأنصاره لإعادة تشكيل نظام التعليم العالي. ورأت الصحيفة في تقرير آخر أن الحملة التي تقوم بها الإدارة هي مرتجلة وعدوانية، وعززت حرب غزة مواقف ترامب التي أعلن عنها في حملاته الانتخابية ووصف فيها الجامعات بأنها مراكز يسيطر عليها ماركسيون مجانين ومهووسون. ولكن من أوكل إليهم المهمة شخصيات مغمورة وباتوا يفرضون الشروط والأوامر على أقدم الجامعات الأمريكية مثل هارفارد.
وعلى العموم تعيش أمريكا اليوم تحت ظل «حاكمها المجنون» الذي يقاتل الواقع ليجبر على التنازل أمام ثقله، كما فصل بيتر وينر في مجلة «ذي أتلانتك» (17/4/2025)، وقال إن ولاية ترامب الثانية، تمضي من فشل إلى آخر و«مع تزايد الاستياء من الرئيس ورفض الأحداث والواقع الانصياع لإرادته، سيصبح ترامب أكثر قتامة وقسوة واضطرابا وسيمكنه مستشاروه الذين يخشون جميعا الوقوف في وجهه من ذلك. وستبقى حركة لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، التي أصبحت أشبه بالطائفة من أي وقت مضى، معزولة عن الواقع أكثر من أي وقت مضى، معه حتى النهاية». وفي الوقت الذي تم فيه الحد من قوة رؤساء أفضل من ترامب، فهو لذا، ليس محصنا ولن يستسلم ملايين الأمريكيين دون قتال و«آمل وأتوقع انتصارهم وأن تنتصر أمريكا، لكن سيكون ذلك بثمن باهظ. لم يكن من الضروري أن يكون الأمر كذلك. هناك 77.302.580 مشارك في هذه الكارثة. لقد تركوا وصمة قرمزية على هذه الجمهورية». في إشارة لرواية اللون القرمزي التي كانت علامة العار لبطلتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية