عبد الرحيم الخصار
ليس الفنان رفضا تاما ولا قبولا تاما لما هو عليه، يجد الفنان نفسه دوما في هذا الالتباس عاجزا عن ان ينكر الواقع، ومع ذلك هو منذور أبدا لمناهضة ما في ذلك الواقع من أشياء غير منتهية باستمرار ألبير كاميالمفهوم الثقافي والسياسي الجديد الذي يواكب انتخابات 2007 بالمغرب هو مفهوم العدمية، وهو بمثابة تهمة تطال جانبا من الصحافة المستقلة ومن المثقفين والمواطنين الذين يعتزمون مقاطعة الانتخابات ولا يرون تقدما كبيرا فيما مرّ ولا يحلمون كثيرا بما سيمرّ.
وفيما يتعلق بالجانب الثقافي فقد أجرت جريدة الحزب الشيوعي أو الذي كان شيوعيا استطلاعا وسط عدد من المثقفين المغاربة الذين نعتتهم بـ الأدباء الشباب، وبدا لهذه الجريدة أن هؤلاء الأدباء الشباب ينقسمون إلي قسمين: هناك من يرعي بداخله بذرة التفاؤل ويعلق بالتالي آمالا كبيرة علي الحكومة القادمة… وهناك عينة أخري من الأدباء الذين ترسخت بداخلهم الأفكار العدمية، وباتوا في حالة ميؤوس منها.
والراجح أن هذا التقديم فيه تسطيح كبير للمسألة، ويصعب بعد قراءة الملف معرفة من هم العدميون الذين تقصدهم الجريدة، ذلك أني لم أر مثقفا عدميا في الاستطلاع إياه، بل إن معظم المتدخلين كانوا واضحين وصرحاء، ويبدو أن الكلمة الأكثر استفزازا هي التي صرّح بها القاص هشام بن الشاوي – وهو الأصغر سنا بين الكتاب الذين شملهم الاستطلاع- الذي قال بأنه لا يهتم بالسياسة ولا تعنيه في شيء ولا يشاهد الأخبار وهو مشغول بكتابة نص روائي في انتظار طبع مجموعته القصصية.
قد أختلف مع هشام فيما يخص أشكال القطيعة والعزلة، ولكن كتابة رواية بالنسبة لي أنا أيضا أهم وانبل من الحلم بحكومة مقبلة ترعي الثقافة، وربما أبدو أنا أيضا عدميا في نظر أصدقائنا الشيوعيين لأني بدأت تصريحي بهاته الجملة: بالنسبة لي أنتمي لتلك الفصيلة التي لا زالت تؤمن بألا علاقة بين المثقف والسلطة، الحكومة بالنسبة لي مصدر إزعاج وأنهيتها بهاته الجملة: طبعا لا أعول علي الحكومة المقبلة في شيء لأنني أحدس ان وزارة الثقافة المقبلة بالمغرب ستكون من نصيب رجل قد يعود بها ثلاثين سنة إلي الخلف. أتمني من الله ان يخيب حدسي.
لكن دعونا نسأل الوزراء والأحزاب الذين يتهمون الناس بالعدمية: هل نحن عدميون لأننا غير مقتنعين ببرامجكم الخادعة؟ هل نحن عدميون فقط لأننا لا نمنحكم أصواتنا؟
العدميون الحقيقيون هم الذين أوصلوا المواطنين المغاربة إلي هذا الحد من الريبة واليأس وفقدان الثقة، هم الذين يكذبون علي البسطاء ويتلاعبون بمصير شعب انهك الفقر غالبيته، العدميون الحقيقيون هم الذين نهبوا خيرات البلاد ولم يحاسبهم احد، هم الذين يزورون الانتخابات ويعتقلون الصحافيين وكتاب الرأي، العدميون الحقيقيون هم أولئك الوزراء والنواب والبرلمانيون الذين يقضون معظم حياتهم في الكذب والخداع والاحتيال علي الناس من أجل قضاء مصالحهم الخاصة، العدميون الحقيقيون هم الذين يفكرون في ضيعاتهم ومصانعهم وشركاتهم بدل التفكير في مصير ملايين الأميين الذين علي أكتافهم وصلوا إلي قبة البرلمان أو إلي قلب الوزارة.
العدميون الحقيقيين هم الذين يحاولون إقناعنا يوميا بأننا حشد من المتخلفين والجهلة والبدو الذين لا تصلح لهم الحرية ولا تناسبهم الديمقراطية وهم وحدهم الممرضون الذين يحددون الجرعات الملائمة من الحرية لنا نحن المرضي في أعينهم، العدميون الحقيقيون هم الذين يظهرون لنا في التلفزيون كل دقيقة بنظراتهم المتوعدة وأصواتهم المريضة بالجدية، وهم الذين يدفعوننا إلي بغض التلفزة الوطنية/ أقصد الحكومية ومتابعة france2 وfrance3 وFrance 4 وfrance5 وحتي france24، العدميون الحقيقيون هم الذين جعلونا نكفر بجرائدهم الحزبية ونتابع القدس في لندن أو النهار والسفير في لبنان أو لوموند في باريس أو النيويورك تايمز في امريكا أو حتي قورينا في ليبيا.
العدميون الحقيقيون هم أولئك المرشحون البلداء الذين يعطون المال في الليل لأهل القري والبوادي من أجل شراء أصواتهم ومن أجل ان تبقي قراهم وبواديهم مهمشة إلي أجل غير مسمي، العدميون الحقيقون هم الذين يحتلون التلفزيون بشكل مقرف إلي درجة أننا لم نعد نري في تلفزتنا المغربية محمد عابد الجابري أو الخطيبي او العروي أو بوزفور أو بنطلحة او الفنانة سعيدة فكري او الفنان الساخر أحمد السنوسي أو المجموعة الامازيغية أرشاش… العدميون الحقيقيون هم الذين يهددوننا بمغرب متحرر ومنفتح إذا تبعناهم وبمغرب ظلامي يسوده التطرف والفتنة الطائفية إذا لم نتبعهم ولم نمنحهم أصواتنا. العدميون الحقيقيون هم الذين يمارسون علي الشعب الإرهاب السياسي من خلال خطبهم الإلهية المغلفة بالوعد والوعيد.
هؤلاء هم العدميون الحقيقيون، أما نحن البسطاء والفقراء الشحاذين أيضا والعمال والكتاب الأنقياء نحن سكان المغرب الأقصي فنؤمن بالمغرب الجميل الذي نحبه بنجاحاته وإخفاقاته بأحجاره وأشجاره وجباله وشواطئه وأهله الرائعين، المغرب الجميل الذي سيزداد جمالا بالضرورة سواء بهؤلا العدميين الكبار أو بدونهم.
ہ شاعر وكاتب من المغرب[email protected]