امريكا التي وافقت على التدخل غير المباشر في ليبيا ستدفع في المرحلة القادمة الثمن الدموي الباهظ لدورها كما حصل في افغانستان والعراقشموئيل روزند ‘حكم القذافي انتهى’، أعلن الرئيس الامريكي باراك اوباما. ليس لأن أحدا ما سأل، ليس لأن القذافي انتظر اشارة منه بالذات، ليس لأن بيانا ما من مكان اجازة الرئيس اللطيفة سيغير الواقع على هذا النحو أو ذاك. ومع ذلك، فالاعلان ضروري. ليعلم الناس.’نحن نقاتل الآن في ثلاث حروب’، ذكّر جي لانو مشاهديه قبل بضعة اشهر عندما بعث اوباما بقوات الولايات المتحدة للمشاركة في حملة الناتو ليبيا، افغانستان، العراق. ‘تصوروا كم حربا سنخوض لو أن اوباما لم يفز بجائزة نوبل للسلام’. غير أن الرئيس لم يقبل أبدا الادعاء بأن الولايات المتحدة توجد في حرب في ليبيا. ما وافق على المشاركة فيه كان في البداية حملة انسانية لمنع مذبحة جماعية، ومن قاده الى ذلك لم يكن الامريكيون بل الدول الاوروبية الاعضاء في الحلف الاطلسي وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا. أما الآن حين يسقط القذافي، فهناك حاجة الى اقتسام الحظوة، ويتبين أن اوباما يريد بالذات نصيبه منها. وها هي الحجة التي أطلقها رجال حكمه هذا الاسبوع: عملنا بحكمة، وقفنا في الظل، ساعدنا الثوار دون أن نجعل امريكا بؤرة القصة. هكذا يتم إحداث ثورة، هكذا يتم اسقاط طاغية شرق أوسطي.’هذا انجاز رائع’، امتدح هذا الاسبوع جيمس ستاينبرغ، الذي كان حتى قبل اسابيع قليلة مضت نائب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ‘العامل الاكثر أهمية هو أننا لم نجعل أنفسنا مشكلة. الناس لا يقولون ان امريكا تحاول مرة اخرى اسقاط الانظمة’ مثلما قالوا في عهد ادارة جورج بوش. ولكن كما هو متوقع، لم يكن الجميع أسخياء تجاه اوباما. فليس الجميع يعتقدون بأن ‘القيادة من الخلف’ كالاسم الذي يعطى للسياسة الامريكية الحديثة جديرة على الاطلاق بلقب ‘القيادة’. ميت روماني، المرشح الرائد عن الحزب الجمهوري في انتخابات 2012 أي الخصم المحتمل لاوباما قضى ‘بأننا نسير خلف الفرنسيين الى داخل ليبيا’. إذ لا يحتمل أن يكون هناك أمر اسوأ من السير ‘خلف الفرنسيين’ الى حرب (وها هو سطر آخر من لانو: ‘هل رأيتم صور طائراتنا؟ فهي تبدو جديدة جدا وكأنها لم تستخدم أبدا’). منتقدو اوباما رحبوا هذا الاسبوع برحيل الحاكم الليبي، ولكنهم رفضوا أن يعزو الحظوة لرئيسهم. ‘الامريكيون يمكنهم أن يكونوا فخورين بالدور الذي لعبته دولتنا في المساعدة لهزيمة القذافي’، كتب السناتوران الجمهوريان جون مكين ولنديسي غرام في بيان مشترك. ‘ولكننا نأسف أنه استغرق هذا النجاح زمن طويل للتحقق، بسبب فشل الولايات المتحدة في القاء كامل ثقل وزن قدراتنا الجوية في المعركة’. بين ليبيا والعراقالظل الثقيل للحرب في العراق أثقل ولا يزال يثقل على كل قرار يتخذه الرئيس اوباما، والذي ينطوي على استخدام القوة. في اليمين الجمهوري وفي اليسار الليبرالي كلاهما في ظل صدمة العراق، هاجما اوباما حين اختار المشاركة في المعارك في ليبيا في أنه لم يتلق ‘إذنا بالعمل من الكونغرس’. بل انهما هددا بتقييده بالتشريع. بمعنى، وضعا سقفا يفترض به أن يمنع ظاهرا العودة الى عهود التورط في العراق. كان هذا اندلاع زائد للمخاوف. فاوباما لم يعتزم الاجتياح أبدا، ولن يخاطر في مثل هذا السيناريو. بالمقابل، فانه لم يوافق أيضا على الوقوف جانبا دون ان يعمل على الاطلاق. يمكن لنا ان نواصل الجدال اذا كان استخدم ما يكفي من القوة أم لا، ولكن واضح أنه اتخذ قرارا مبدئيا الى جانب التدخل. فقد خاف من الانعزال. خلف قراره وقفت عدة نساء حازمات في الادارة رفضن السماح للادارة بالتدهور في الطريق السريع لانعدام الصلة وزيرة الخارجية كلينتون، المستشارة سمانتا باور والسفيرة في الامم المتحدة سوزان رايس.
ولعلنا يمكن أن نضيف الى هؤلاء النساء الثلاثة ايضا صوت امرأة اخرى، آن ماري سلوتر، اليوم بروفيسورة في برنستون ولكنها خدمت هي ايضا في ادارة كلينتون على مدى سنتين كمديرة قسم التخطيط السياسي. صوت سلوتر انطلق واضحا وجليا حين حذرت من رد فعل زائد من اليسار الامريكي على سنوات حكم بوش. فقد خشيت سلوتر من حركة بندول تعيد الولايات المتحدة الى عهود يملي فيها المعسكر ‘الواقعي’ في واشنطن سياسة ‘النظام والاستقرار على حساب الايديولوجيا والقيم’. وقد حرصت هي ورفاقها على عدم السماح لاوباما بالسير في مثل هذا الاتجاه. فهن تردن ‘الاستقرار’ ولكن ايضا ‘القيم’. على أي حال، حين حان الوقت لاتخاذ القرار في مسائل الحرب، دار صراع داخل الادارة بين مؤيدي نهج ‘كله إلا بوش الابن’، وبين من اعتقدوا ‘كله إلا بوش الأب’. هكذا حين كان الرئيس مطالبا بأن يقرر كيف سيدير استمرار الدور الامريكي في افغانستان (فقد قرر تعزيز القوات لفترة محدودة)، وبقوة أكبر عندما وقفت في بوابته حرب جديدة، في اقليم بعيد، ليس لها هدف محدد تماما.
بين التصدر والمشاركةاوباما قرر منذ بداية الطريق بأن ليبيا ليست مشكلته. ليست ‘البيبي الذي نحتاج لأن نقدم له حلا’، مثلما وصف ذلك مستشاره السابق بروس رايدل. نفط وغاز ليبيا يباعان في اوروبا، وعليه، فان ‘ايطاليا وفرنسا هما اللتان لهما المصلحة الاكثر وضوحا في استقرار المنطقة’. امريكا يمكنها أن تساعد، ولكن ليس لها ما يدعوها الى أن تجر وحدها العربة.
مبعوثو اوباما وجدوا في اوروبا آذانا صاغية لهذه الرسالة، ولا سيما لدى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، فهو لم يرغب في أن يقود من الخلف. أراد أن يتصدر الامور. أن يركض الى الامام، بل واحيانا بسرعة فاجأت حتى رفاقه الاوروبيين، بل وربما حتى نفسه. كان هناك من عزا ذلك للطموح السياسي، وكان هناك من قالوا ان ساركوزي يريد ان يثبت لاوباما لا يوجد بين الرجلين مودة شديدة من هو الزعيم الحقيقي. مهما يكن من أمر، فان الاوروبيين، وعلى رأسهم فرنسا وبريطانيا، قرروا أن يأخذوا المهمة على عاتقهم. وحصلت واشنطن على ما أرادت. الطائرات بلا طيار التي انطلقت الى المعركة هي رمز مناسب للدور الذي اختاروه هذه المرة: بلا لمسة بشر، بمشاركة دنيا.
اذا كانت المعركة على ليبيا انتهت هذا الاسبوع، فان القصة تكون انتهت هكذا. حظوة كاملة للزعيمين الاوروبيين، وفقط بعد ذلك للرئيس الامريكي. اوباما يمكنه ان يتعايش مع هذا الحرب في ليبيا لن تكون هي التي ستقرر مستقبله، غير أن المعركة على ليبيا بدأت فقط، وامريكا، التي وافقت على أن تنجر الى التدخل غير المباشر في مرحلة القتال، سيتعين عليها أن تتصدى من جديد لذات المعضلة في مرحلة الاستقرار مثلما في افغانستان والعراق. هذه هي المرحلة التي تدفع فيها القوات الاجنبية الثمن الدموي الباهظ على دورها، هذه هي المرحلة التي ستبدأ في الاسبوع القادم بقرارات تُتخذ في باريس، في لندن وفي واشنطن عن مدى التدخل وعن التضحية التي سيوافقون على أخذها على أنفسهم، في محاولة ليس فقط لتدمير العالم القديم حتى الأساس بل لبناء عالم جديد على حطامه.
معاريف 26/8/2011