في زمن هو الأكثر غموضا وتأثيرا في تاريخ العراق، والمنطقة العربية، والعالم أيضا، أي الشهور التي سبقت الغزو الأمريكي عام 2003، في هذا الوقت نشرت دار الجمل رواية تحمل عنوانا مثيرا وغريبا هو (عالم صدّام حسين)، من تأليف مهدي حيدر، كما هو مثبّت على الغلاف، وفي الصفحة الأولى. ولكن من هو مهدي حيدر، الذي لم نسمع به من قبل، وحقق مجدا صعبا بهذا الإصدار الوحيد، وبقي مجهولا في عالم الصحافة والأدب إلى هذا اليوم؟
لم أشأ الكتابة في هذا الموضوع، رغم أهميّته، وفي كلّ مرّة أعزم على الأمر، لكني أتكاسل، وأؤجّله في اللحظة الأخيرة، إلى أن حانت ساعته، وكان التحدّي الذي جابهني، بصيغة هذا السؤال: أيُعقل أن يظهر كتاب في سيرة رئيس دولة العراق، لحوالي أربعة عقود، ولا أحد يعرف مؤلّفه. فما شغلنا نحن إذن؟ لكن لماذا الاهتمام بالمؤلف والرواية الآن، وليس قبل هذا الزمان، فالرجل المعنيّ ذهب إلى دار حقّه منذ سنين، ولحقَ أن يكون من الماضي البعيد، أو الأبعد، والكتاب صار له منذ نشره أول مرة، حوالي ربع قرن؟
في مارس/آذار من هذا العام قمتُ بزيارة لطهران، عاصمة الدولة التي جرت بينها وبين العراق، حرب دامت ثماني سنوات، وقُتلَ فيها مليون شابّ. كانت الرحلة قصيرة؛ ثمانون دقيقة وتجد نفسك في مطار آية الله الخميني. لديّ حجز في فندق آسارة، وسط البلد، وغرفتي تُطلّ بنافذة واسعة على جبل دماوند، الرمز الأسطوري للمكان، وكان يغطّيه الثلج حتى القمة، في مشهد يشرح النفس ويزرع فيها الثقة والقوة، والاستعداد الأقصى للعمل.
كان السفر مريحا إذن، بل مثاليّا. رتّبتُ أغراضي وشربتُ الشاي في صالة الفندق، وكان الضحى الربيعي يودّع شوارع (تيهران)، مثلما يسمي الإيرانيون عاصمتهم. أخذتُ أتجوّل هنا وهناك، قاصدا حديقة «لالة» الشهيرة، ثم هجم عليّ فجأة، ومن حيث لا أدري شعور فظيع بالإحباط والتعب والغضب. ما الأمر، وماذا حلّ بي؟ تساءلتُ مع نفسي، وأنا أحثّ الخطى ذارعا الشارع تلو الآخر. النار تشفى بالنار لا بالماء، والتعب في هذه الحال يخفّ بواسطة مزيد من التعب. تُهتُ في أزقّة ميدان آزادي، حتى ميدان انقلاب العتيد، ثم بلغتُ ميدانا آخر لا أعرف اسمه، وأنا أسير ولا أقف، ويُغالبني الدوار في الأثناء. كل شيء يدور حولي، ويتوهّج بالضوء والظلام. حلّ الظهر، وتجاوزت الساعة الواحدة، وأنا أتجه أينما أخذتني قدماي في أنحاء المدينة؛ جائعا وضامئا وغاضبا على العالم، وعلى نفسي، لأني لا أستطيع الكفّ عن السعي في الشوارع، وسط ناس لا أعرفهم، لكنهم يحملون مثلي، هكذا صرتُ أفكر، في أرواحهم وأجسادهم ندوب آثار الحرب العراقية الإيرانية.
أمام صمت العالم، كيف يُمكن لرجل واحد، أو اثنين، أن يتسبّبا بموت مليون شابّ في عمر ورد النرجس، من دون أن يحصل أيّ منهما على مكسب للوطن؟ المعركة الوحيدة التي لم تغيّر شيئا في التاريخ، أو الجغرافية، هي هذه الحرب. غير تهويماتٍ في عالم السياسة، بدأت المحرقة وانتهت كأن شيئا لم يكن. حتى جبل النار الذي تحدّث عنه عمر بن الخطاب، عاد بنسخته القديمة، وهذا عبارة عن مانع جبّار صنعه خيال البشر، بين أرض الرافدين وبلاد فارس، لأن الطبيعة حبتْهما التضاريس والسماء ذاتها، أم أن هذه الحرب هي جبل النار، وتأجّل تحقيقه حتى زماننا؟
يُخبرنا الفردوسي في «الشاهنامة» ملحمة الفرس الكبرى، عن حاكم كان يحمل على كتفيه أفعى عملاقة، يُطعمها بالمخ الذي يستخرجه من رؤوس الشباب، بالإضافة إلى قلوبهم. يفنى جميع الشباب، وجميع السكان، ثم يأتي يوم لا تجد الأفعى ما تقتات عليه، فتقوم بالتهام مخ الحاكم فقط، ليعيش بقيّة عمره مجنونا. الخطوة التي قام بها الرئيس الراحل، بعد انتهاء الحرب بسنتين، لا نتوقعها حتى من مجنون. غزا الكويت، ثم بعث إلى الحكومة الإيرانية بعد ذلك رسالة صلح ومحبّة، مستشهدا بالآية: «فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم». بثمن دماء مليون جندي في ميعة الصبا، وفي غمرة بشاشة الشباب، مدلّلين منعّمين مدلّعين مرفّهين مغنّجين لدى أهلهم، ماتوا في أتعس الظروف، من جبل (كرد مند) في الشمال، إلى (المملحة) جنوب البصرة، ثم عاد كلّ شيء إلى مكانه. لم ينتهِ شيء، ولم يبدأ بعد حرب الخليج الأولى أيّ شيء. أكان بمقدور الرئيس العراقي عدم الاستسلام إلى جنونه؟
وهل كان من باب الصدفة أن يُعلن آيةُ الله الخميني عند نهاية الحرب، خطابَ السمّ الشهير، الذي انتشر صيته في الآفاق إلى آخر العالم؟
هناك مكان لكلّ فكرة، والخيال له أيضا مكانه، أودّ هنا اقتراح قراءة لأحداث الأسطورة التي ذكرها الفردوسي، تبدو فيها متلائمة مع ما جرى في الحرب العراقية الإيرانية، إلى درجة أنني أشكّ في أنها خلقتها. كيف ذلك؟ كيف يمكن لحكاية أسطورية قديمة أن تشرح كوارث الزمن الحاضر؟ قصّة الحاكم في الشاهنامة هي ببساطة نصّ أدبيّ رمزي (أسطوريّ) دوّنه الفردوسي ليوازي ويُماثل معركة جرت في العصور الخوالي، بين أمتين سكنتا هذه الأرض. أراد الشاعر تخليدها بحكاية شعرية، أي أغنية لا تُشمّ فيها رائحة الدماء. يقول هوميروس؛ «الآلهة تحوك النحس للشعوب، كي تملك الأجيال اللاحقة شيئا ما تغني عنه».
من أزمنة سحيقة تأتي الأساطير لتصنع واقعنا، وتصوغ حياتنا. كم نحن قريبون من أسلافنا إذن، دون أن نعلم. ويشبه هذا الأمر، دعوني أتفلسف قليلا في مجال اختصاصي، ما يحدث في الهندسة الوراثيّة، عندما تختبئ إحدى الصفات الجسمانية، أو النفسية عشرات أو مئات السنين، ثم تظهر فجأة لدى الأحفاد، ما يُدعى بالقفزة الجينية. الأساطير هي الأخرى يمكن أن تحضر، بعد زمان طويل من سُباتها، و(يقفز) أبطالَها من زمانهم الأول، ليؤدوا ما رسمته لهم آلهة القدر، ولكن بلبوس جديد وهيئة أخرى.
٠
الجدل الذي أثاره اسم مهدي حيدر، كان جزءا من نجاح رواية «عالم صدام حسين». في هذه الظروف، فإن موضوع الكتاب، ومؤلفه المجهول، والفضاء المحيط، يصلح كلّ هذا أن يكون موضوعا لقصة. قبل حوالي سنة، نشرتُ على صفحتي في فيسبوك، ملاحظات عن مؤلف الكتاب المزعوم، وجاءت الردود في باب التعليقات، ترشّح اسم كنعان مكية وحيدر حيدر ومحمد شاكر السبع. لم يتعرّض للموضوع أحد من النقّاد، بل هواة التخمين والظنّ من القرّاء، الذين زادوا من غموض اللغز. صحيح أن مكيّة له مؤلفات عدة تختصّ بالموضوع العراقي، في مجال البحث، وله باع في الرواية أيضا، لكن حشرَ اسمه وسط هذا اللغط لا يجوز؛ ببساطة لأنه يمتلك أدوات شائعة في فنّ السرد، ليس بإمكانها رفعَ تلال الجواهر واللآلئ في الرواية. كما أن مكيّة يُعدّ من الباحثين، وهؤلاء لا يتخفّون في الغالب تحت اسم مستعار، ثم إنه نشر كتبا فيها من الخطورة وكشفِ الحقيقة عن العراق، وعن رئيسه السابق وحزبه، فيها أضعاف ما ورد في الرواية، فلماذا التستّر هنا؟ حيدر حيدر لا علاقة له بالموضوع، لا في سينه ولا جيمه ـ يُريدون إقناعنا بأن مجرد ورود عبارات بسيطة بلهجة أهل الشام، كافية لأن يكون مؤلفها من تلك الديار. أما محمد السبع فهو لم يكتب بعد روايته «أغنية الصياد الصغير» في 2001 شيئا، لأنه أصيب بالمرض الخبيث في رئتيه، وظلّ يتعالج إلى أن توفّي في منفاه الكندي.. هذا أولا؛ ثانيا لم يكن الراحل يهتمّ كثيرا بمبدأ التجديد في الصنعة، ورواياته تتشابه في المبنى، كأنها واحدة، والأسلوب واحد هو الآخر، ويُمكنك القول عنه ما قلتُه عن مكيّة؛ سردٌ شائعٌ، أي مائعٌ. بينما يكتشف القارئ في «عالم صدام حسين» تحفا وصفيّة وحواريّة، مع هاجس التجديد في الفنّ لدى المؤلف، بالإضافة إلى بصمة عين الفنان الذي يرى.
الجملة في دنيا الأدب تشبه النوتة في عالم الموسيقى، لها تاريخ ولادة وموت، ولها صانع أيضا يُمكن، من خلال الفحص، إرجاع نَسَبها إليه. القول الشهير: «الأسلوب هو الرجل» يعني أن لغة الأديب ليست شيئا منفصلا عنه. هي ذاته الثانية أو الشبيهة أو النظيرة، تحمل شيفرة يمكن بواسطتها تعريفه، والاستدلال عليه.