من وحي”أولياء الله”: مواقف وطرائف الهاشمي البُخاري التطواني.. (ازْرَعْ كَونْ)

هذا الشخص الغريب الأطوار الذي يبدو لنا في لوحة الفنان المغربي أحمد بن يسف، كان اسمُه «الهاشمي البخاري»، وكان معروفاً باسم (ازْرَعْ كون في الأمان) عاش في مدينة تطوان الفيحاء في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، وعاش إلى حدود أواخر السبعينيات، وتوفي بها على الأرجح سنة 1977، كان يجوب شوارعَ تطوان وأزقتها ودروبَها وساحاتها، وهو يصطحب معه كلبته الصغيرة، ويحمل عوداً صغيراً مزركشاً في يده، كأنه (عصا القيادة). وحسب ما كان يُروىَ أو يُحكىَ عنه، أنه كان يردد باستمرار قولتين اثنتين اشتهر بهما، وصارت الألسن تلوكهما بدون انقطاع في المدينة وهما: (ازْرَعْ كون في الأمَان) ومعناها (استكِنْ ولا تتحرك في أمان) و(الله ياذي مَنْ آذانا)!

حكايته وقاضي المدينة

يشير الأديب إدريس عفارة إلى أن: «هناك أخبارا وطرائف كثيرة تروج حول هذه الشخصية الغريبة الأطوار (الهاشمي البخاري)، أذكر منها أنه ضُبِط ذات ليلةٍ وهو سكران سكراً طافحاً، وفي الصباح قدموه أمام القاضي فحكم عليه بعقوبة سجنية نافذة، فقال مخاطبا القاضي: إيوَا احكمْ الويسكي على الدومي (نوع من النبيذ الرخيص)! ومرة أخرى اعتقل لأنه سمح لكلبته بمهاجمة طفل، فلما وقف أمام القاضي وسأله عما اقترف، قال له الهاشمي: صل على النبي، فصلى القاضي على النبي، وأعاد عليه: صل على النبي، فصلى القاضي، وكرر الهاشمي طلبَه للمرة الثالثة، فاغتاظ القاضي، وقال له متذمراً: أمَا من شغلٍ لدينا سوى الصلاة على النبي؟ فأجابه الهاشمي: أنتَ سئمتَ من الصلاة على النبي لمراتٍ قليلة، فما بالي أنا والأطفال كلهم ينادونني طوالَ النهار: وا ازرَعْ كَون!.. وا ازرع كون! فكيف لا أغضب؟».

دُونْ كِيشُوتْ والحَمَامَة البيضَاء

وقد خلد الكاتب إدريس عفارة كذلك هذه الشخصية في عملٍ أدبي مُقتضب تحت عنوان «أقصوصة الحمامة البيضاء» (والحمامة البيضاء، هو النعت الذي تُنعتُ به مدينة تطوان) ولكنه عمل إبداعي رصين وبليغ، يحفل بالرموز والأبعاد الأدبية العميقة، يتأسف فيه السارد على ما آلت إليه (تطوان) ويسجل فيه أنه كان في المدينة رجلان مشهوران أحدُهما يُشاهَد فيها دائماً مدللاً مخمُوراً وهو الهاشمي البخاري المُلقب بـ(ازرَعْ كون)، والآخر هو (سيدي مفضل) كان من المجاذيب مشهوراً؛ وأنهما اقتسما مناطق نفوذ المدينة فلا يكاد يتجاوزها أحدهما. ونقتبس غيضاً من فيض من هذه الأقصوصة الطريفة منها: «أتذكُرْ يا فارس الزمان، يوماً في المدينة كان، كلب برفقة رجل مدلل سكران؟ لقبُوه بـ«ازرَعْ كوانْ» أتذكرْ مجذوبيْ المدينة؟ كانا وحيدين، اقتسما مناطق النفوذ، واختلفت عليهما الوفود، بالله عليك يا دون كيشوت، قل لي كم صادفتَ في البلد من مخمور؟ وكم فيها من معتوه مغمور، ومجنون مقهور، ومستشفى مهجور؟». وبعد أن وقف دون كيشوت متألماً متأملاً أمام زاوية مولاي عبد القادر قال: « إيه عبد القادر، لقد صرتُ في خبر كان وأخواتها، أمرّ أمام الزاوية خجولاً مطأطأ الرأس كثوْرٍ عجوز، أو قلْ كبقرة لاحظ لها من الثورية، مازلتُ كديدني أصارعُ طواحينَ الهواء، أضحك من نفسي، لكنه ضحك كالبكاء، وأتألم وما لجرحٍ بميتٍ إيلام».

ازرَعْ كونْ وأوسمتُه ونياشينُه

ويحكي لنا الشاعر أحمد الطود من جهته حكايته الطريفة مع هذه الشخصية الغريبة في مدينة تطوان العامرة فيقول: «كانت الجماهير التي غصت بها جنبات الشارع الرئيس في تطوان تنتظر انطلاق استعراضات الفاتح من مايو/أيار سنة 1967، وفجأة مرت سيارة مكشوفة يجلس في مقعديها الأماميين شابان، أما مقاعدها الخلفية فقد احتلها رجل ضعيف البنية يرتدي لباسَ جندي إسباني وُشح صدرُه بنياشين وأوسمة مختلفة الأشكال والألوان، وكان يحرك يده مُحيياً الجماهير التي ردت تحيته بأجمل منها تصفيقاً وهتافاً. كانت تلك هي المرة الأولى التي أرىَ فيها شخصية نادرة يحمل صاحبها لقب «ازْرَعْ كَونْ». ويضيف: «كُتب لي أن أراه ثانيةً وهو يتبادل سباباً عنيفاً مع شاب تطواني اللهجة حين سمع «ازْرَعْ كَونْ» ينعت أمه وأخته نعتاً نابياً قاسياً لم يتردد في الهجوم عليه فأسقطه أرضاً، وأشبعه لكماً ورفساً ثم تركه يتضور ألماً وانصرف هارباً كان منظرُه مؤلماً رحمه الله».

قصصٌ طريفة وحكاياتٌ غريبة

وترى الأديبة نادية ولد علي في هذا الخصوص أنها لا تجد الكلمات المناسبة للتعبير عن طرافة وغرابة القصص والحكايات التي كانت تسمعها عن هذه الشخصية، فتذكر أن والدتها كانت تتردد بكثرة على هذا الحي، وتلعب فيه كطفلة، حيث سجلت في ذهنها العديد من الذكريات الحُلوة، والطرائف العجيبة كقصة هذه الشخصية الغريبة؛ «ازْرَع كون» المثيرة وكلبته الوفية (لايكا أو تروسكي).

الهاشمي في رواية «المصري» لأنقار

ويذكرنا من جهةٍ أخرى من جانبه الأديب الناقد مصطفى الزين: «أن صاحب رواية «باريو مالقة» الراحل محمد أنقار تعرض في روايته الأولى «المصري» لهذه الشخصية الغريبة (ازْرَعْ كون)، كما تعرض لبعض المَجانين، والمجاذيب، وأولياء الله الصالحين الآخرين في مدينة تطوان، وسجّل في هذه الرواية بعض طرائفهم وبعض الكرامات التي كانت تنسب إليهم، أو يعتقدها فيهم أهلُ تطوان».

الهاشمي واليهودي «بَامِي» في حي الملاح

هذه الحكايات الطريفة، كان أهل تطوان يعرفونها في الواقع، إذ كان الناس يسمعونها ويتندرون بها، وهم ما زالوا صغاراً غضيضي الإهاب، في شرخ الشباب وريعان العُمر، كانوا يرون هذه الشخصية المثيرة تمر أمامهم مترنحةً في ساحة «الفدان» الكبرىَ (عندما كان الفدان قلبَ المدينة النابض) وكانوا يرونه في شارع «سانشي» الفسيح في المدينة الحديثة التي بناها الإسبان على شاكلة مدينة غرناطة الحمراء، كانوا يرمقونه وهو يذرع دروب وأزقة حي الملاح وهو (حي ساكنة اليهود المغاربة) الذين كانوا يعيشون في المدينة، وهو ينطلق من جانب «باب الرواح» عند مدخل الفدان وصولاً إلى السويقة بجانب زقاق ضيق للغاية يُسمى «سْبَطْ الدايِز» الذي كان كثيراً ما يذكرهم ولا شك بـ«زقاق المدق» في رائعة نجيب محفوظ، وفي بعض الأحيان كانوا يرونه واقفاً بجوار دكان مواطن تطواني يهودي بشوش يوجد في مدخل الملاح على اليمين، كان يحب البسيط، خفيف الدم، غليظ الجسم، جاحظ العينيْن تغطي أم رأسه الأصلع (بيريتا) أو (بيريه) صغيرة جداً (قبعة اليهود) ولم يكن يعرف الناس من أين يدخل أو يخرج هذا اليهودي (من وإلى) دكانه، إذ لا يُرىَ له مدخل ولا مخرج، اهتدى زبائنه في ما بعد إلى أنه ربما كان يدخله من فوهة (نقبة) في الحائط الخلفي للدكان التي لابد أنها كانت تفضي إلى داخل منزله! كان اسمُه على ما أذكر (بامي) وكان يبيع كل أنواع اللب، والزريعة والحمص واللوز، وعيْن الجَمَل (الكركاع)، وتشكيلات من مكسرات الفواكه الجافة المتنوعة الأخرى أي ما كان يُطلِق عليه أهل تطوان الأبرار (قاشقشة). وفي بعض الأحايين الأخرى كان أهل تطوان يرَوْنَ في ذلك الزمن الغابر البعيد شخصية تطوانية أخرى غريبة الأطوار من المجاذيب كان يعيش في ذلك الإبان، ذَكرَه الصديق الأديب محمد شقور في إحدى مجموعاته القصصيه المكتوبة باللغة الإسبانية بعنوان «المفتاح ونبضات الجنوب» ( La Llave y Latidos del Sur )، وتلك الشخصية كانت تُسمى ( شُوبِيرَا) على ما أذكر، وكان – حسب ما يُرْوىَ عنه – أنه كان ذا شعر طويل مسترسل على ظهره، وصاحب لحية كثة تتخللها خيوط من الشيب المُفضض الباهت المَعيب، وكان يرتدي أسمالاً بالية ممزقة، ومن عاداته الغريبة أنه كان يقف في باب الملاح بجانب (باب الرواح) وهو يشير إلى داخل الملاح وينظر في اتجاه الفدان، ثم يقول غاضباً في حنَقٍ ومَضَضٍ بصوتٍ جهوري مبحُوح للناس وللأطفال الذين كانوا يعاكسونه ويلتفون حوله: تفووووا.. هادُوا عاد غادي يجِي واحد النهار ويحكمُوا عليكم! أي ما معناه: «أن هؤلاء سيأتي يومٌ ويحكمونكم»! والله أعلم.
ونختتم هذه الجولة من الانطباعات، والارتسامات مع الكاتبة وئام العمري التي تقول متأسفةً ومُتحسرةً على الأيام التي مضت وولت، فتقول: «إن القصص والحكايات التي تُحكىَ وتُنسَج، وتُحَاك حول هذه الشخصية الغريبة (ازْرَعْ كون) لهي قصص طريفة، ولكنها طفقت تمحي من الضمير الجمعي لهذه المدينة الغراء، هذه القصص والحكايات تعود بنا إلى الزمن الجميل، والعهد العليل، وتعيد لنا ذكرياتٍ لا تُنسى عن الأيام الخوالي التي عاشها التطوانيون، حيث كانت المدينة مدينة، وكان الكل «يزرَع ويكون».

٭ كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية