إن الإنسان مجبول على الطبيعة ميال للرغبات بطبعه من كل ضد له ضد. إما مؤمن بذاته ومحققها وإما منكر لها من اجل الكل والغير مضح حتى بكينونته. من ثم يضمحل. والناس في التضحية نوعان: مضحي ومستعد لذلك، وذاك المستغل لكل ممكن والعلاقة بينهما علاقة جدلية وميكانيكيه بين المستعد والمقتنص لكل فرصة ممكنه واستعداد من الطرف الأول، والغريب أن المضحي دائما يجد المبرر لكل عدم تقدير من المستغل له. كذلك الثورة، ثوار ومستغلين وتجلي لصراع المصالح انعكاسا من تغير المجتمع وطبقاته صعودا وهبوطا وتموجا وراء قبضة المال واللتان تصبحان اللاعب الرئيسي في الحراك الممهد للاحتجاج. في ظل انعدام الأخلاق والهدف المشترك الأسمى. وانعدام فكرة التساوي الإنساني والتساوي في الوطن الواحد. وبذلك تكون النتيجة لحالة أللا مساواة، انقسام الشعب في الدولة الواحدة وبالتالي الاختلاف في تعريف مفهوم الوطن. وبالتالي انعدام الثقة بين الطرفين لاختلاف المفهوم وتناقض المصالح. وهنا يبدأ تشكل المعالم الأولية لبداية الفعل الممهد للثورة. مع تواجد عدة عناصر تشترك في ذات الشعور، يؤجج الصراع بين العناصر المختلفة مفرزا بذلك مجموعة، ومجموعة مضادة. وهذا ما يفسر تجلي صراع المصالح. ومن أجل تجنيد الآخرين في هذا الصراع ومن أجل السيطرة أيضا وبسط النفوذ، تقوم كل مجموعة بنشر أفكارها ومعتقداتها في المجتمع بشكل أفقي لتشكيل قاعدة ارتكاز للحفاظ على مصالحها الزئبقية، سواء كانت مادية أو فكرية، وبعد ذلك تعمل بشكل عامودي. كما الثورة وأبطال فصولها على مر تاريخها وصولا إلى سلطة الحكم المطلق. أن وظيفة الثوري هي التخلص من الوضع القائم الاضطهادي الذي فيه مصادرة الحقوق الفردية وحق الفرد في تحقيق ذاته في وطنه وتحريره من قوى الاستغلال المسيطرة على ثروات الوطن، وبعد انجاز المهمة يجب عليه العودة إلى صفوف عامة الجماهير، كما قبطان السفينة، يقود سفينته وطاقمها في أحلك الظروف وصولا إلى الميناء وبعدها يكتفي باللقب الشرفي كقائد للسفينة ويستحق كل التقدير. إن طبيعة التعاقد الثوري بين المجتمع الحاضن للثورة والمجموعة الثائرة والداعم لها بشكل منقطع النظير قائم على أساس التفويض نتيجة الشعور المشترك بالاضطهاد والرغبة بالتغيير وإعادة توزيع الثروات الوطنية وترسيخ المكتسبات الوطنية الموروثة، وبالتالي يمكن القول ان الرؤيا بينهم مشتركة والهدف واحد على الأقل في البداية، وبما أن هذه هي بنود التعاقد فان أي اختراق لها من قبل الثوريين يكون العقاب غير رحيم اخذين بعين الاعتبار أن الجماهير هي صاحبة اليد الطولى والطرف الأقوى في هذا التعاقد، وان طال الزمن للمحاسبة، ولكن حتى ذلك الحين فان الطبقة التي وصلت للحكم نتيجة الثورة فإنها تسعى وبكل جهد ممكن لتوطيد حكمها عن طريق السيطرة على مؤسسات الدولة، مستمرين في جني ثمار الثورة، متجهين نحو ديكتاتورية الحكم والحكم المطلق بمعالم جديدة. إن التغير الاجتماعي في طبقاته بطيء، والحراك البطيء يؤدي إلى تغيير بطيء، وبالتالي تأسيس سليم وبدون اختزال مراحل ذات أهمية للتغيير. هذه العملية تكتسب خبرات جمعية تمكنها من الاستفادة من الإرث الثوري السابق واستثمارها في عملية التشكل الجديدة الحاصلة في المجتمع. وهذا ما يفسر التباعد الزمني بين ثورة والتي تليها، والثورة هي نتاج إرهاصات حاصلة من سلسة أحداث تضر بمصالح القطاع الأوسع الافقي في المجتمع قبل الثورة، والفعل الثوري هو أعلى مراتب التغيير وليس أخرها. مهند محمد صبّاح – مدينة القدس