من وحي اللغة العربية المعانــــي… المتقابلــــة

حجم الخط
0

من وحي اللغة العربية المعانــــي… المتقابلــــة

أ.د. يحيــي جبرمن وحي اللغة العربية المعانــــي… المتقابلــــةالمعاني كائنات تتفاوت في طبائعها ودلالاتها، ولكنها تكون دائما علي حال واحدة من الامتداد والاستدارة حتي يكون لها أول وآخر، كالساعة، وآخرها هو أولها، تماما كرقم 12 من الساعة، وكأي نقطة علي محيط الدائرة، أو الكرة (وهي عدد غير محدود من الدوائر) تصلح لأن تكون بداية ونهاية في الوقت الواحد، وكذلك المعاني المتقابلة، تمام أحدهما لا يتحقق إلا بتمام الآخر، علي نحو ما يتجلي في قول دوقلة المنبجي قديما: والضدُّ يُظهٍِرُ حُسنَه الضدُّوقول الفلاسفة شعرا: وبضدها تتميز الأشياء أي أن الشيء يتميز عن غيره بمواصفات معينة، غير أنه يكون أبلغ ما يكون في امتيازه وتفرّده بمواصفاته عندما يوضع قُبالة ما يناقضه ويضادّه، بمعني أنك إذا أردت أن تبين طول طويل، فاجعله إزاء قصير، وإذا أردت أن تبين بياض أبيض فاجعله إزاء أسود، غير ما بين الأبيض والأسود من ألوان كثيرة، وما بين الطويل والقصير أطوال كثيرة جدا تتراوح بينهما، مما قد تختلف النظرة إليه باختلاف الظروف أو المعطيات، وهذا كله خاضع للنسبية؛ فما هو طويل في نظرك قد يكون قصيرا في نظر غيرك وهكذا، زمن هنا تتولد الغرائب، إذ ربما اعتاد قوم علي معرفة الناس بأطوال متقاربة، حتي إذا رأوا أقواما آخرين، طوال جدا قياسا بمألوفهم، استغربوا وعدوا ذلك من العجائب. وليل ونهار، يتداخلان صباحا ومساء، ثم يستقل هذا بالظلام طوال الليل ما لم يبدد القمر في أطواره بعضا منها، ويستقل ذلك بالضياء طوال النهار؛ ما لم يحل الغيم دون الشمس؛ فيغشي الأرض ظل يتفاوت بين الماصح والكثيف، ولعل في كلمة السُّدفة ما يجمع بين الحالين المتوسطتين: الظلمة المشوبة بنور القمر ليلا، والضياء المحجوبة بالغيوم نهارا، وفي وقتي المساء لدي الغروب، والصبح لدي الشروق ما يمثّل حالا وسطا بين الليل والنهار؛ ولذلك يوردها اللغويون في باب الأضداد، أنها تأتي بمعني الضوء وبمعني العتمة. لكن؛ أهناك انقطاع لليل والنهار عن الأرض، أم أنهما موجودان دائما؟ هذه هي الحقيقة، وقبل المضي قدما نتساءل عن حقيقة الليل، أليس هو ظل الأرض؟ هذا الظل الذي يتبأّر كلما ارتفع إلي أعلي مشكّلا مخروطا قاعدته نصف الكرة الأرضية الذي لا يكون قبالة الشمس، حتي يتلاشي في الفضاء عند رأس المخروط؟ بدليل أن ما يقع خارجه يكون ضاحيا مشرقا، وخير دليل علي ذلك القمر الذي يثري ليلا مستمدا نوره من أشعة الشمس الساقطة عليه. وبهذا فإن الليل والنهار موجودان علي الأرض ما دامت الشمس، أي دائما. وهما في حركة دائمة؛ ينتقلان من هذا الأفق لما يليه، في رحلة تستغرق سحابة نصف اليوم، بمعدل يتراوح بين 9 و 15 ساعة، بحسب موقع الأرض من الشمس في الفصول المختلفة. وما كان ذلك ليكون لولا استدارة الأرض، إذ لو كانت الحركة علي سطح مستقيم لما كان ليل ولا نهار. وفي القرآن الكريم إشارة إلي تكوير الليل والنهار، والتكوير إلي استدارة، كما أشار إلي الإيلاج وهو الدخول علي نحو متدرج، والتدرج إلي استدارة، وأشار علي الاختلاف، بمعني التناوب في الذهاب والمجيء، وهذا إلي استدارة أيضا، لأنه لا يكون مفاجئا، بل يتدرج في حركته مقبلا ومدبرا، وكذلك الإغشاء من قوله تعالي” يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا” في إشارة إلي تداخلهما صباحا ومساء، وذلك إلي تدرج، وهو كما أسلفت إلي استدارة؛ يضاف إلي ذلك ما في قوله” يطلبه” بمعني “يلحق به” من معني التدرج؛ لأن اللحاق لا يكون دفعة واحدة، ولكن بالتدريج. ولو نظرنا في حالي الليل والنهار، العتمة والظلام من ناحية، والنهار والضياء من ناحية أخري لوجدنا أنهما لا يكونان علي حال واحدة، فهما يتدرجان في نسبتهما وكثافتهما وشدتهما، فهناك ما هو الأحلك، وفي المقابل هناك ما هو الأضوأ، هذا في منتصف الليل وذلك في منتصف النهار، ولو وقّعنا المشهدين علي خارطة اليوم لوجدناهما تحتلان موقعين متقابلين، تماما كما تتقابل حالاهما. وفي الوقت نفسه نجد بينهما ممتدا من الأحوال التي تتفاوت في طبيعتها بمقدار قربها أو بعدها من الموقعين المذكورين، ما يعني أن الليل والنهار يجسدان شيئا واحدا لكنه من شقين متناقضين، لا وجود لأحدهما دون الآخر. ولو أخذنا لفظين آخرين يتقابل معنياهما، كالأسود والأبيض؛ لوجدنا أنهما يجسدان دائرة تمتد بين حدي البياض والسواد، اللذين يتوسطهما مزيج منها يتراوح في انتسابه لأحدهما بمقدار ما يقترب منه، ويبتعد عن الآخر، ما يعني أن المعنيين يشكلان دائرة تنضوي علي عدة معان، تترجم عدة ألوان، منها السكني أو الرمادي، الذي يقابل في موقعه من الأبيض والأسود موقع الصباح والغروب من الليل والنهار. والحلال والحرام يتقابلان، وهما متناقضان، غير أن بينهما” أمورا متشابهات” كاللون الرمادي الذي يتدرج بنسب متفاوتة بين البيض والسود، ونُذكّر هنا باللمم من الذنوب وما تدرج فوقها من الصغائر فما هو أكبر من ذلك وأعظم، من الفواحش والكبائر والموبقات. والحق والباطل، والخطأ والصواب، وما هو صحيح كله، أو خطأ كله، وما فيه دخن وشبهة باطل، أو حق. وما يحتمل وجهين ، وما هو راجح أو مرجوح، وذاك ما يذكرنا بقضايا علم المنطق ومربع أرسطو، فقضية صادقة وأخري كاذبة، وثالثة كاذبة صادقة ورابعة صادقة كاذبة، ما يعبر عنه بالدخول تحت التضاد. ومن قبيل ذلك ما قسم إليه ابن جعفر الشعر فمن نوع حسن لفظه ومعناه، إلي آخر يناقضه ساء لفظه وساء معناه، وما يمتد بينهما مما ساء لفظه وحسن معناه، وما حسن لفظه وساء معناه. وليس غريبا ، والحال هذه، أن نجد من الشعوب من اعتنق ديانة تقوم علي المتقابلات، كالفرس قديما في اتباعهم الزرادشتية، التي تقوم علي التثنية؛ ممثلة في وجود إلهين، إله الخير وإله الشر، وهما أهريمان وأهورا مزدا. وفي القرآن الكريم يكثر المتقابلات إلي حد بعيد، يُذكر المعني ومقابل في الأعم الأغلب، حتي لو لم يُذكر فإن السياق يغني عن ذكره لتحقق العلم به ضمنا، ومن ذلك” الله ولي الذين آمنوا؛ يخرجهم من الظلمات إلي النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلي الظلمات” ” يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل” ” أمات وأحيا” يحيي ويميت ” وقل جاء الحق وزهق الباطل” الظاهر والباطن، المعز المذل، الأول والآخر، إلي غير ذلك مما هو كثير. ولعل في اسمي الله عز وجل” الأول والآخر”، والظاهر والباطن وهو يُبدئ ويعيد، والمعز المذلّ، ما يؤكد ما نحن بصدده، لأن دلالتهما واحدة، إذ يدلان علي الله عز وجل، وهو واحد لا شريك له، لكن بين الأول والآخر من كل ما هو قابل للعد ما لا يحصي من المعدودات المتفاوتة المتدرجة في تباينها كالذي نجده بين الأبيض والأسود من درجات اللون، وكذلك الحال بين كل اسمين أو صفتين متقابلتين له عز وجل. ويبدو أن لدي العقل البشري قابلية لإدراك ما يقع بين الأول والآخر، والحد الأدني والحد الأعلي من كل متقابلين، أما المطلق منهما فلا سبيل إلي إدراكه، بل كأن الإنسان لا يستطيع أن يتوصل إليه في معظم الأحوال لانتفاء وجود تصور دقيق له في العقل. ويتراوح النشاط العقلي للإنسان بين حد أعلي من كل شيء، وحد أقصي منه، مما يتفاوت من إنسان لآخر، استنادا إلي مبلغه من العلم، فالألف عند فقير عدد ضخم جدا، بينما هو تافه عند مليونير. وللتحقق من ذلك يقينا فلننظر في تركيب الأشياء، إذ نظل نراكمها حتي تبلغ حدا لا سبيل إلي تصور ما هو فوقه، لأن العقل البشري لا يعود قادرا علي التصور، تماما كما لو امتلأ وعاء، فهو لا يتسع لمزيد مطلقا، وكذلك عند تحليل الأشياء وتقسيمها إلي أجزاء، إذ نظل نجزّئ حتي نبلغ حدا لا نستطيع تجاوزه، بأن نصل إلي الذرّة وأجزائها وحينئذ يكل الدماغ عن تصور ماذا يمكن أن يكون بعد ذلك، وهذا يعني محدودية العقل البشري، ومراوحة نشاطاته بين حد أعلي لا يتجاوزه، وحد أدني لا يستطيع أن يتصور ما هو دونه، ولنا في مفهوم الذرة قديما وحديثا ما يوضح التطور الذي نجم جراء اتساع دائرة الأفق البشري، ( من النملة إلي ذات النواة وألكتروناتها و..) ما يذكّرنا بما ضرب الله، عز وجل، من مثل بالبعوضة فما فوقها، أي ما هو دونها في الحجم. ما أشبه الأمر بما يعرف في عالم الكهرومغناطيسية بال (frequency range)، ما يفسر خطاب الله ، عز وجل، للإنسان: أين المفر؟ لا سلّم إلي السماء ولا نفق في الأرض ينجيانك من طلب الله تبارك وتعالي. وتتفاوت المعاني بين المعنيين الرئيسيين المتقابلين، وتتدرج، بعضها يقترب من هذا ويبتعد عن المعني الآخر، وفي العصر الحديث توصل الإنسان إلي تصورات دقيقة عن المتدرجات، معاني كانت أم مواد، وأظهر ما يكون ذلك في عالم الألوان، فبين الأبيض والأسود ما لا يحصي من الألوان مما ندرك درجته وما لا ندرك، ولذلك ، وهنا بيت القصيد، راحت الشركات التي تصنع الدهانات تميز بين الألوان المتقاربة بالأرقام، فاللون الناتج عن خلط ما نسبته 20% من البياض مع 80% من السواد، يقابل جزئيا ( دخول تحت التضاد) ما يتشكل من خلط 20% من السواد مع 80% من البياض، وشانهما قياسا بعالم الكواكب والنجوم بالنجم البروج ورقيبه، كالثريا ورقيبها العيّوق، ما أن تغرب حتي يطل برأسه من وراء الأفق. وقد أحسن الجاحظ حين عبّر عن هذه الظاهرة بما أسماه بالمعاني المتدرّجة، وضرب لذلك مثلا بدرجات الجنون، وقد نمثّل لذلك بدرجات النعاس والنوم، أو بفيء شجرة؛ يبدأ من الصفر عند الاعتدال ظهرا، ويظل يتدرج حتي يتّحد آخر النهار مع ظل الأرض. وتتفاوت الناس في فهمها للمعاني، بقدر تحصيلها وما تتزوّد به من تجاربها التي تختلف اختلافا لا سبيل إلي حصره، ومن هنا يختلفون فيما بينهم، وهذا منشأ الخلاف وإن كانوا يتكلمون لغة واحة، فالطول مختلف من إنسان لآخر، والقرب والبعد، وكذلك كل ما قد يخطر ببالك، نظرا للخلفية الثقافية ومستوي التحصيل الذي يتمتع به كل منا؛ تعطي هذا قرشا فيقنع، وتعطي ذلك ألفا فلا يبالي بها. فسبحان الذي أعطي كل شيء خلقه ثم هدي. ومن هنا كان الظن، ولا يكون إلا مع فطنة، ولذلك قال الفيلسوف أنا أشك فأنا موجود، ومن قبل قالت العرب: الظن أحد العقلين، والظن عصمة، والظن من الفطنة، ولهذا جعلوا الظانّ الذي يصيب ظنه ألمعياً، علي نحو ما نجده في قول أوس بن حجر يمدح فضالة بن شريك: الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأي وقد سمعاومن هنا كانت أفعال الظن تأخذ مفعولين، لأن العقل يتردد بين المفعول الأول والثاني، نظرا لقرب هذا من ذاك في الصورة والهيئة أو غير ذلك مما يخيل علي الإنسان، كأن نقول ظننت القادم زيدا، فعقلك يتردد بين الشخص القادم وبين زيد لما بينهما من تشابه، تماما كالميزان في تأرجحه حتي يستقر. ونظرا للتداخل بين المعاني فقد يقع الإنسان نفسه في حيرة من أمره في بعض الأحوال، لكثرة ما تتشابه عليه الأمور. ولهذا كله لا يصح في العقل أن تسند أمور الناس إلي الناس، لكن قد نسند أمر جهاز إلي صانعه، لأنه أدري الناس به، كيف لا وهو الذي صنعه، مما يعني أنه هو الذي خطط له، ووضع نظريته والتصورات اللازمة لإنتاجه، ومن هنا، كان من يصنع الجهاز هو الذي يضع دليل تشغيله ( the manual )؛ وذاك ما يقطع بأن الأوْلي بوضع دليل تشغيل الإنسان هو الله العلي العظيم الذي خلقه؛ فهو أدري به وأعلم، وليس المشرّعين من دونه، مهما أوتوا من العلم.رئيس قسم اللغة العربية جامعة النجاح الوطنية 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية