قذيفتا هاون انفجرتا على مسافة قريبة جداً من الاستحكام الذي كنا فيه، يبدو أن من أطلقهما لم يقصد إلحاق الضرر، بل إخافة جنود الجيش الأوكراني أو ربما دفعهم للرد بالنار لخلق تصعيد. بعد قذيفتي الهاون، شق صاروخ مضاد للدبابات من خطوط الانفصاليين طريقه بعيداً نحو الأرض المفتوحة. لم يتأثر أحد من حولنا.
عرض عليّ جنود الجيش الأوكراني وقائد الاستحكام، بكل فخر، الكاميرات التي تسمح لهم برؤية بياض عيون الانفصاليين الأوكرانيين خلف السهل، على مسافة بضع مئات من الأمتار. “نعرف مكانهم”، قال لي قائد الاستحكام، “لكننا لا نرد على استفزازاتهم”.
يدعي الروس أن قناصاً من وحدة أخرى للجيش الأوكراني قتل أمس واحداً من المقاتلين الانفصاليين الموالين لروسيا. وفي وقت سابق، قتل الانفصاليون، حسب ادعاء الناطق بلسان الجيش الأوكراني، جنديين من القوات المحلية. لا سبيل للتأكد من صحة ادعاءات الطرفين، ولكن واضح أن الحرب هنا، المتواصلة ثماني سنوات، هي أحد أسباب المواجهة الحالية.
قال الرئيس الروسي بوتين أمس، إن الجيش الأوكراني ينفذ مذبحة شعب بحق الانفصاليين الأوكرانيين. هذه بالتأكيد مبالغة منفلتة العقال، ولكن العداء الفتاك بين الانفصاليين المؤيدين للروس وبين القوميين الأوكرانيين قائم بالفعل، ويوقع الضحايا.
هذا نزاع نشط، وتشهد على ذلك أصوات المدافع والرشاشات التي سمعناها على التوالي أمس حين تجولنا في استحكامات الجيش الأوكراني كي نفهم كم يمكن للتصعيد هنا أن يشكل ذريعة لبوتين لاجتياح الدولة. تبين لنا أمر واحد في خط المواجهة: بوتين والانفصاليون لا يريدون مواجهة واسعة، بل إبقاء جرح مفتوح في الوعي، وتظل هناك إمكانية لتصعيد الوضع، مع البقاء تحت السيطرة، دون التدهور إلى الحرب في مقاطعة دونباس.
السايبر أولاً
في النقطة الأكثر شرقية في أراضي أوكرانيا، أدركت بأن غزو عسكرياً حقيقياً هو الوسيلة الأخيرة التي سيختارها بوتين. لأنه قد يخسر من غزو كتائب دبابات ومشاة وقصف من الجو. فالعقوبات التي ستفرض على روسيا، والجنود الذين سيعودون في التوابيت، كل هذا يشكل خطراً على انتخابه لفترة رئاسية أخرى. ولهذا فإنه سيستنفد كل السبل لمنع أي خطوة عسكرية كبيرة في أوكرانيا.
لكن بوتين لن يتراجع إلى أن تتعهد أوكرانيا بألا تنكل بالانفصاليين في دونباس، وهو نفسه يحقق نظام أمن جديداً في أوروبا. وعليه، فإنه يبقي النزاع على نار هادئة. ويبدو أنه استخدم السايبر الهجومي أمس. ففي هجمة التشويش، تضررت منشآت لوزارة الدفاع الأوكرانية وبنوك كبيرة في شرق الدولة وفي كييف وموردي إنترنت. وبعد ذلك هوجمت بنى تحتية أخرى.
حجم هجمة السايبر الروسية ليس معروفاً بعد، ولكن لا يمكن لأحد الادعاء بأن بوتين لم يحذر مسبقاً من تنفيذ خطوة كهذه. فقبل أسبوع تحدث عن “وسائل عسكرية تكنولوجية” ستتخذها روسيا إذا لم تلب مطالبها.
ولكن بوتين لم يرض بعد، وعليه لا يزال هناك ما يدعو إلى التخوف من خطوة هجومية روسية ما، وربما حتى غزو محدود. في كل الأحوال، قال الأمين العام للناتو يانس ستولتنبرغ، إن هناك مجالاً للتفاؤل الحذر بعد الإعلانات التي أطلقها بوتين في المؤتمر الصحافي مع المستشار الألماني شولتس بشأن رغبته في مواصلة الاتصالات الدبلوماسية مع دول الغرب. يبدو أن هؤلاء سيضطرون في الأيام القادمة للاستجابة لبعض من مطالب الرئيس الروسي.
في الحدود الشرقية لمقاطعة دونباس، حيث كنا، كانت المدافع تدوي كل بضع ساعات دون أن تلحق ضرراً كبيراً. الجيش الأوكراني هنا محبط، مثل فلاحين كثيرين في هذه المنطقة الزراعية. فهم لا يثقون بحكومة كييف الحالية، ويستخفون علناً بالرئيس زيلنسكي.
في زولوكيا، التي تبعد بضع مئات الأمتار من مواقع الجيش الأوكراني، قالت لي زفتلانا، زوجة القس، إنه حان الوقت لأن يفي زيلنسكي بوعديه: أن يسوي النزاع مع الانفصاليين المتمردين، ويكافح الفساد وانعدام النجاعة مما يمس باقتصاد أوكرانيا ويؤدي إلى الفقر.
يمكن لزيلنسكي أن يطفئ النار مع روسيا إذا أعلن على الملأ بأنه لا يعتزم الانضمام إلى حلف الناتو. ولكنه يصر على هذا. وأمر أمس مواطنيه في إبداء رغبته في عودة إقليم دونباس كله إلى السيادة الأوكرانية من خلال “يوم الوحدة” الذي أعلن عنه، وفي إطاره تجرى مظاهرات وطنية في ميدان مايدان في كييف وأماكن أخرى في العاصمة، وكذا في بلدات المحيط الأوكرانية. يوم الوحدة هذا سيكون اختباراً ما لشعبية زيلنسكي الذي هبطت نسبة التأييد له في الاستطلاعات منذ نشوب الأزمة مع روسيا.
عالم آخر
عندما تكون في كييف يصعب عليك إيجاد الفوارق بينها وبين مدينة أوروبية غربية بحجم متوسط. ولكن عندما تصل إلى جنوب شرق أوكرانيا ترى حولك عالماً ثالثاً. في مقاطعة دونباس مثلاً وتحديداً في منطقة المواجهة في ألوية دونيتسك ولوغانسك، تبدو ثلث القرى مهجورة. وتبدي البيوت مؤشرات واضحة على التفكك، أما أنابيب الغاز التي تستخدم للتدفئة فقد صدئت.
“أنفق 2.600 غريبانية (العملة الأوكرانية) على غاز التدفئة لكوخي الصغير”، تقول امرأة عجوز تقف قرب ما يشبه الكوخ من الطوب الأبيض المطلي بالوردي، “وأتلقى مخصص شيخوخة بمقدار 2.800 في الشهر، وهو أقل من 100 دولار”.
أما معامل الفحم بالمقابل فتكسب جيداً، ولكن وضع المعامل متهالك، وتعرض حياتهم اليومية للخطر. وحتى الجيش الأوكراني الذي يرابط في الاستحكامات أمام مواقع الانفصاليين، يعاني من توريد عليل لقطع الغيار، بل وحتى للغذاء. والتجديدات التكنولوجية، والكاميرات التي تراقب خط مواقع الانفصاليين، ومناظير الرؤية الليلية التي تسمح لهم باستخدام أجهزة التحكم من بعيد، والرشاشات الثقيلة التي ورثوها من الجيش السوفياتي، حصلوا عليها من رجال أعمال أسخياء يقيمون معهم اتصالات.
“من حظنا أن لنا أصدقاء أغنياء وطنيين يجعلونا نصمد. فحتى لقاء إصلاح آلتي العسكرية أضطر لدفع ثمنه بنفسي”، يقول قائد الاستحكام الذي يرتدي بزته وخوذته من إنتاج أمريكي.
هذه الصورة مهمة للفهم: إلى جانب انعدام الرضى المتزايد من الحكومة ورئيسها في كييف، ثم التوق لزعيم قوي مثل بوروشينكو المقرب من الروس الذي أطاح به زيلنسكي في الانتخابات الأخيرة، نلاحظ هنا نزعة قومية قوية وسياسة هويات لن تسمح لهذا النزاع بالخمود، خصوصاً مع وجود انفصاليين موالين لموسكو. يحتاج الأمر هنا إلى سنوات للوصول إلى المصالحة.
في الجبهة في إقليم دونباس، كما في الجبهة الدبلوماسية، وفي جبهة حرب الوعي، وفي جبهة حرب السايبر –لا يمكن بعدُ ملاحظة انعطاف حقيقي. ثمة تفاؤل حذر بدأ يطل رغم قول الرئيس بايدن، أمس، بأن الهجوم الروسي ملموس.
بقلم: رون بن يشاي وإدوارد دوكس
يديعوت 16/2/2022