الطيب ولد العروسيعرف السياسي ورجل الاقتصاد ألاستشرافي، جاك أتالي Jacques ATTALI بكتاباته التي تبحث في مستقبل العالم، انطلاقا من التغيرات التقنية والعلمية والسياسية التي تشهدها البشرية، وتعطي لمؤلفاته أهمية بالغة، بحيث تدرّس وتترجم حين صدورها إلى لغات مختلفة، فهو على رأس مجموعة من الباحثين والعلماء، ويشرف على مؤسسة ‘كوكب المال’ المتكون من رجال اقتصاد وعلماء نفس، وعلماء اجتماع، وهم يتطرقون إلى مواضيع الساعة. وها نحن نرى الباحث جاك أتالي في مؤلفه الصادر منذ عدة أسابيع ويطرح مجموعة من الأسئلة، وذلك بداية من عنوان الكتاب الذي أتي في شكل سؤال كبير ‘من يحكم العالم غدا ؟’ الصادر في باريس عن منشورات ‘فايارد’ ‘ fayard ‘ يتكون من 412 صفحة من الحجم الكبير، فالكاتب يطرح فيه مجموعة من الأسئلة، من ضمنها من يحكم العالم غدا؟ هل الولايات المتحدة، أم الصين، أم الهند، أم أوروبا، أم مجموعة أل 20، أم الأمم المتحدة، أم الشركات المتعددة الجنسيات، أم عالم المافيات؟ ومن يستطيع أن يقيّم أو يجمع أهمية الثقافات وقوتها؟ ثم يواصل طرح أسئلة أخرى تتعلق بمصير السلطة، هل تترك للديني، أم إلى الإمبراطوريات، أم إلى السوق؟ لأنه وحسب أتالي فإنه يرى بأن الإنسانية ستعرف ذات يوم بأنه يجب عليها أن تعي بأن راحتها تكمن في وحدتها ولقائها، وتكاتفها، كما يجب أن تولي الديمقراطية مكانة هامة تجتاز مصالح كل الدول العظمى، وتساهم جميعا في بلورة ‘هويات حضارية’ حتى تسيّر بشكل أفضل مصالح الإنسانية. فهل يمكن توقع حدوث حكومة مثل هذه ذات يوم؟. والجدير بالذكر أن هذه الفكرة تراود الكثير من الباحثين منذ أكثر من عشر سنوات، وهي مكونة من رؤساء دول، ورؤساء وزارات سابقين، وعلماء اجتماع، وعلماء اقتصاد، إذ يلتقي هؤلاء في ‘تجمع عالمي’ يفكر في مصير العالم، أما المؤلف فهو يجيب على الأسئلة السابقة قائلا: ‘يجب أن نسمح لأنفسنا بالتفكير في سلامة العالم’ ولذا فهو يواصل تساؤلاته حول مستقبل أوروبا، والتي يراها بأنها ستواجه حتما هذه التساؤلات والتحديات، مثلها مثل غيرها، فهل تكون قادرة على فعل شيء تجاه سلطات الأسواق في خضم العولمة؟ وصعود المافيات والتطرف الديني؟ وماذا يكون دور ‘المجتمع الدولي’ أو ‘الجمعيات عير الربحية’ أو ‘المؤسسات الدولية’ (منظمة الصحة العالمية) المنظمة الدولية، السوق المالية، البنك الدولي’ والتي أظهرت جميعها في أغلب الأحيان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بأنها غير عقلانية وبالتالي غير شرعية، خاصة في مجال الديمقراطية، بالنسبة لمعالجتها لأمور سياسية ولمشكلة البيئة، وللجواب على ذلك يعتبر المؤلف أنه يجب التفكير وبشكل جدي في حكومة عالمية تتمتع بشرعية ديمقراطية وسلطة جزائية تسمح بإعداد وتمويل مشاريع عالمية ذات مصلحة عامة، وبحماية الممتلكات العمومية، وضمان التمتع بالماء المشروب وبالطاقة والمواد الأولية، وهذه الحكومة حسب الكاتب ‘ستحقق ذات يوم، بعد كارثة كبرى، أو تأتي بدلها’. كما يدعو إلى إقامة مشروع فيدرالي موحد يضمن الرفاهية، وعليه فإن المؤلف يدعو إلى التخلص من ‘الدولة الوطنية’ ومن ‘التكتلات الدولية’ كالاتحاد الأوروبي، الذي يعوّض بهذه الحكومة العالمية، وأن تقوم بحل المشاكل الإنسانية وبمراجعتها من قبل هذه الحكومة، ومن ثمة العمل على انتخاب برلمان من قبل مواطني هذا العالم، ومجلس للشيوخ تتكتّل فيه كل الدول، ومجلس نواب يضمن مصالح الأجيال القادمة، كما تترتب عن كل ذلك حكومة تنفيذية تعيّن من قبل هذه الغرف الثلاث، بالإضافة إلى نظام قضائي يتمتع بمصداقية كبيرة، ولتحقيق كل ذلك، فإن المؤلف يؤكد على مرور الإنسانية من الوضع الحالي إلى هذه الحكومة المثالية. ويرى أنه يجب تفويض وتطوير وتهيئة المؤسسات الدولية الموجودة حاليا إلى التغيير الذي سيحدث، أرادوا ذلك أم أبوا، مما يدفع بالتحضير لهذه الدولة التي تكون نتيجة تنسيق وانسجام لأفعال وأقوال جميع الشعوب، بحيث يكون ‘صندوق النقد الدولي’ بمثابة وزارة مالية للعالم، و ‘البنك العالمي’ بمثابة ‘ بنك مركزي عالمي’ يتأسس على عملة تتضمن ثلاثة عملات الدولار، اليورو، والين. كما يستثمر هذا البنك العالمي في المنشآت العمومية العالمية، والتي تخوّله لأن يكون فاعلا في التنمية البشرية. أما تجمعات الشعوب والدول في هيئات إقليمية فليست بالضرورة تكون منفصلة (تركيا) يمكن أن تكون في الاتحاد الأوروبي، وفي الاتحاد الشرقي، وكذلك عضوا في ‘تجمع ثقافي ولغوي’، هذا دون أن ننسى أشكال الفعل الوطني العابر للدول التي يجب أن تسهم في بلورة والحفاظ على ديمقراطية حقيقية، وذلك بفضل شبكة الانترنت، والشبكات الاجتماعية الأخرى.ويلخص اقتراحاته في عشر أوراش:1 – ـ اكتساب فائدة عملية من صيرورة الاندماج الفيدرالي. 2- ـ الوعي الحقيقي بأهمية وجود الإنسانية. 3- ـ أخذ الاحتياط اللازم تجاه المخاطر. 4- ـ احترام القانون الدولي بشكل حقيقي. 5- ـ تقديم المشاريع بشكل تدريجي، مع توفير موارد الحكومة العالمية.6- ـ إبداع حكومة عالمية تختلف عن مجموعة العشرين تحت مسؤولية الأمم المتحدة. 7- ـ إلى إنشاء مؤسسة للتنمية المستدامة تتكون من 300 شخصية شرعية ومعترف بها.- 8- أنشاء تحالف للديمقراطيات في وجه الدكتاتوريات.9- ـ البدء في مشاورات عالمية عمومية.10– البدء في تنظيم تجمعات عالميةولأنه يرى بأنه ‘لا الإمبراطوريات ولا الأسواق قادرة على مواجهة المشاكل القادمة، وعلى الإنسانية أن تأخذ مصيرها بيديها، ولا حل لها غير أن تتجمع في إطار عالمي، شرط أن يضمن الاحترام والقوانين الخاصة بكل شعب’.أما الإصلاحات المقترحة، والأوراش الأولية التي ينبغي إصلاحها، فإنه يدعو ‘إلى إنشاء مؤسسة للتنمية المستدامة تتكون من 300 شخصية معترف بها دوليا’. كما يطالب بتغيير في العقليات، والسير مع متطلبات التطورات الفعلية التي يمر بها العالم، والتي تتطلب من الإنسانية أن تفكر فيها، خاصة مع حلول سنة 2030 التي ستكون سنة يشهد العالم فيها تغييرات كثيرة، بحيث يقول ” أن الفوضى العالمية ستحل سنة 2030، وهي تنبئ بوقوع حرب كونية، في ظل استمرار غياب القوة الدولية العادلة’ مما يتطلب من الإنسان التعامل مع آليات جديدة تطرح عليه برؤاها وميكانيزماتها المصاحبة لها، هذا بالإضافة إلى أن سكان العالم يكونون قد تجاوزوا الثمانية مليارات نسمة بعد سنوات قليلة، وأنه يجب إحداث طرق جديدة للتعامل معهم، والتعامل مع تغيرات ومتطلبات هذا الكم الهائل من البشر، فإن العالم بمؤسساته التي نراها اليوم تكون قد تجاوزها الزمن، ويفترض حلولا أخرى تنفع الناس كلهم، وحسب جاك أتالي، فإنه لا منفذ للإنسانية إلا من خلال العمل معا، وإيجاد حلول حقيقية تكون في صالح كل الناس، وإلا سيكون مصير العالم بين أيدي أناس نجهل هويتهم، ومقاصدهم، ولن نحكم فيما بعد على مصير هذا العالم إلا بالتوحد والعمل العقلاني المبني على مؤسسات يسهر على اختيارها كل البشر من جميع الجنسيات والثقافات.والجدير ذكره أن جاك أتالي كان مستشارا شخصيا للرئيس الرئيس الفرنسي الأسبق، فرانسوا ميتران، وأنه تقلد مناصب عدة علمية وأكاديمية وسياسية، فرنسية ودولية كثيرة. ألف أكثر من ثلاثين كتابا تتراوح موضوعاتها بين الدراسات والروايات والسير والاقتصاد والجيوسياسية، وهو من مواليد الجزائر عام 1943.