يخطئ من يظن أن الدستور يحمي الوطن والمواطن، وان ضمانات أمن المواطن وحقوقه وحياته ومستقبله ومستقبل أسرته وتماسك مجتمعه وأمنه وقوة ورفاه دولته هي في نصوص واحكام ومواد الدستور . يخطئ من يظن ان مشاكلنا، من تخلف وجهل وفقر وعصبية وقبلية وفساد وفوضى وفقدان أمن وانعدام مسؤولية وغياب الحس الوطني، سوف نجد لها حلولاً ناجعة وشافية في الدستور .ويخطئ من يظن ان إعداد الدستور وصياغته ثم التصويت عليه واعتماده هو الإنجاز الشافي والكافي لمشاكلنا، دولةً ومجتمعاً ومواطنين، وان علينا بعد ذلك أن نعود إلى منازلنا واعمالنا ونرتاح آمنين مطمئنين، وقد حققنا كل ما نصبو إليه من خير وأمن ورفاه وعدالة وحرية وديمقراطية .لأن الدستور بحد ذاته ليس سوى وثيقة عقد اجتماعي نال الموافقة والقبول، وتم اعتماده كقانون فوق كل قانون في الدولة، وهو يتكون من منظومة من كلمات وجمل وفقرات تسمى مواد تبوب في فصول وأقسام، ومهما كان نبل مقاصدها وسمو أهدافها ودقة صياغتها وعظمة ما تعبر عنه من افكار ومبادئ وأحكام، فهي تبقى مجرد وثيقة لا حول لها ولا قوة، لا تستطيع أن تفرض نفسها بنفسها، لأن الكلمات مهما كانت قوية وفصيحة وبليغة فهي تبقى مجرد كلمات لا تستطيع أن تفرض أمراً أو تغير واقعاً، بمعنى آخر، يخطئ من يظن أن الدستور مهما كان مضمونه ومحتواه، ومهما كان ديمقراطياً في طريقة وضعه وفي طريقة تعديله أو إلغائه، ومهما كان يعكس توازن القوى الوطنية ويحظى بالقبول والتوافق الشعبي، أنه قادر لوحده على تغيير الواقع، وتوفير الأمن والعدالة والمساواة، وتحقيق التقدم والازدهار. ولو كان الأمر كذلك لكان يكفي أن نأتي بدستور دولة كالسويد او سويسرا لنصنع مواطناً منتجاً وملتزماً، ومجتمعا منظماً متقدماً، ودولة صناعية قوية .ولو كان الدستور هو الذي يحمي الوطن والمواطن لما سقطت شعوب عربية، رغم دساتيرها العريقة، في براثن القهر والطغيان وحكم العسكر على امتداد عقود طويلة .إذن الدستور، أي دستور، لا يستطيع أن يحمي الوطن والمواطن، لا بل إن مجموع المواطنين، وهم الشعب، في الدول الديمقراطية الحقة هم الذين يحمون الدستور ويحافظون عليه ويحرصون على ضمان الحقوق والحريات العامة والخاصة، من خلال تأكيد السيادة الكاملة للشعب مصدر السلطات جميعها وإرساء دولة القانون وتأكيد سيادة القانون والمساواة أمامه من دون تمييز، وان يمارس الشعب حقه في اختيار وتغيير الحكام والسياسات، وان يؤمن التداول السلمي للسلطة والحيلولة دون احتكارها، وأن يحقق ويراقب الفصل الكامل بين السلطات والحيلولة دون تمكين السلطة التنفيذية من ممارسة الضغوط والتدخل في شؤون السلطتين التشريعية والقضائية. إن حماية الدستور في الدول الديمقراطية وتطبيق ما فيه من حقوق وحريات وأحكام، يحتاج بالدرجة الأولى إلى شعب واعٍ ملتزم يدافع عما له من حقوق ويؤدي ما عليه من واجبات، وإلى مؤسسات تشريعية منتخبة انتخاباً حراً ومباشراً، تمارس وظيفتها في الرقابة والمحاسبة والمساءلة للحكومة ومؤسساتها والمؤسسات العامة، من دون تدخل من السلطة التنفيذية في اختصاصات السلطة التشريعية . وتحتاج حماية الدستور كذلك إلى هيئات قضائية مستقلة استقلالاً كاملاً عن الحكومة، بحيث لا تكون للحكومة أية سلطة على أعضاء الهيئات القضائية، وبحيث تكون سيادة القانون هي المحدد الأساسي لعمل الهيئات القضائية، وبحيث لا تكون هناك قوانين استثنائية أو قوانين مقيدة للحرية، وان يتمتع المواطنون بالمساواة الكاملة أمام المحاكم، وأن يكون لكل مواطن الحق في محاكمة عادلة، وان يمنع الاعتقال والتعذيب والمحاكم الاستثنائية. كما أنه من أهم عناصر التوافق والتوازن الوطني التي تحمي الدستور، وجود أحزاب وطنية حرة على أساس من التعددية الحزبية التنافسية، تمارس أعمالها من دون تدخل من السلطات الحكومية ومن دون ضغوط او ملاحقات، ولها الحق في التظاهر وعقد الاجتماعات والندوات والمؤتمرات، ولها الحق في إعلام مستقل مع المساواة بين جميع الأحزاب في وسائل الإعلام الحكومية المختلفة، كما يكون لهذه الاحزاب الحق في الحصول على الموارد بالطرق التي يحددها القانون. إن منظمات المجتمع المدني في الدول الديمقراطية، هي السلطة الرابعة في هذه المجتمعات، فهي تمثل الرأي العام الواعي المتحرك والمؤثر، الذي تحسب له الف حساب الحكومات والمعارضة والأحزاب والمجالس النيابية، وحتى المؤسسات المالية والاقتصادية ورجال الأعمال، الجميع يحاول دائماً في قراراته وتصرفاته أن يكون مقبولا من المجتمع المدني، وتحاذر القوى السياسية، بشكل خاص ان تثير غضب او حتى عدم رضى المجتمع المدني، وهي تسعى جاهدة باستمرار لأن تكون قراراتها واعمالها ومواقفها منسجمة مع مطالب ورغبات مجتمعاتها المدنية، التي تمارس عليها دور الرقابة والمحاسبة والمساءلة، وتملك قرار فوز او فشل هذه القوى السياسية، من خلال الممارسات الانتخابية الديمقراطية، إن مثل هذا المجتمع المدني القوي الواعي المنظم، هو الذي يشكل في المجتمعات الديمقراطية الحقة دعامة متينة وثابتة لحماية الدستور واحترام وتطبيق مبادئه وأحكامه . أما وسائل الإعلام فهي تملك من خلال وسائل التقنية المتطورة المتاحة في عالم اليوم قوة هائلة في التأثير على المشاعر والأفكار، وهي تستمد قوتها وتأثيرها في المجتمعات الديمقراطية من الحق الذي لا ينازع في حرية التعبير والاعتقاد والفكر، وحرية تداول المعلومات، وحرية واستقلال الصحافة ووسائل الإعلام عن السيطرة الحكومية، وعدم الرقابة على وسائل الإعلام إلا تلك الرقابة الذاتية التي تقوم على الوعي والمسؤولية والالتزام، ويقابلها حق الصحافي والإعلامي في الحصول والوصول إلى المعلومات وتداولها بوعي ومسؤولية. ومن هنا فإن وسائل الإعلام بما تملك من إمكانيات قادرة على حماية المجتمع وتوجيهه ومعالجة مشاكله، كما انها قادرة أيضاً، على تدمير المجتمع وخلق وإثارة المشاكل والفتن والنعرات العصبية والقبلية، أي بمعنى آخر أن وسائل الإعلام سلاح ذو حدين، إما أن تكون عنصر حفظ وحماية وبناء للمجتمع والدولة، أو ان تكون أداة هدم وتدمير، كل ذلك يتوقف على مدى التزام وسائل الإعلام والعاملين فيها، بالقيم الأخلاقية والمسؤولية الوطنية والمهنية الإعلامية، صدقا وامانة وإخلاصاً. كما يتوقف ذلك أيضاً على وعي المواطن ومدى شعوره بالمسؤولية حيال مجتمعه ووطنه وأسرته ونفسه، عندها فقط إذا ما توفر الوعي والشعور بالمسؤولية وصدق الالتزام من الصحافي والمواطن سنكون قادرين على حماية حقوقنا وحرياتنا العامة التي ينص عليها الدستور، والدفاع عنها ضد اي انتهاك أو عدوان مهما كان نوعة أو جهته. وعليه فإن الدستور بذاته ليس الدرع الواقي ولا الدواء الشافي، ولكن المواطن الحر الواعي المسؤول والملتزم، وفي مجموعه المجتمع الخيّرُ المتحضر، هو الذي يحمي الدستور ويحافظ على ما ورد فيه من مبادئ وأحكام، ويدافع عنها ضد كل عدوان او انتهاك، وهو ماعبرت عنه ولخصت مضمونه ومعناه الآية القرآنية التي تقول ‘كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَت للنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الَمُنْكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِالله’ مؤكدة وموضحة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أهم ركائز الإسلام، وهو سبب أساسي في خيرية هذه الأمة، فبالالتزام به تنجو الأمة وترقى، ويعم فيها الخير وينهزم الشر ويندحر المنكر، وبالتهاون به تكون العواقب وخيمة والشرور عظيمة، ويعلو صوت الباطل ويخبو صوت الحق. وقد جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم محذراً من وصول الأمة إلى هذا المنحدر الخطير بقوله ‘والذي نفسي بيده لتأمُرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عٍقاباً منه ثم تدعون فلا يستجاب لكم ‘. أما آن لنا أن نأخذ العبرة والعظة من تاريخنا المعاصر، حيث عانت شعوب أُمتنا، على امتداد العقود الماضية، من القهر والاستبداد والطغيان، وكأن ذلك عقاباً من الله عز وجل، للتهاون والتقصير في نصرة الحق ودفع الظلم وإقامة العدل .