من يحمي المواطن من غول الاعلام الموجه؟
د. واصف منصورمن يحمي المواطن من غول الاعلام الموجه؟ منذ بداية انتفاضة الاقصي في 29 ايلول (سبتمبر) عام 2000، أبدت دولة الكيان الصهيوني اهتماما كبيرا بتوصيل رسالتها عبر الاعلام العربي. وتزايد هذا الاهتمام بعد اخلاء المستوطنات الصهيونية في قطاع غزة وبعض المستوطنات الصغيرة بمنطقة جنين شمال الضفة الغربية، حيث يأمل الكيان الصهيوني ان يشجع هذا الاخلاء الدول العربية علي اقامة علاقات افضل مع الكيان الصهيوني، وينهي حالة العداء ورفض هذا الكيان.ويهدف المخطط الاسرائيلي الي جعل الوجود الصهيوني امرا اعتياديا في القنوات التلفزية العربية التي يشاهدها المواطنون العرب، ليتحول وجود الكيان الصهيوني الي امر اعتيادي كحقيقة واقعة معترف بها اولا ثم مقبولة ثانيا. وهكذا قالت اميرة اورون وهي اول ناطقة باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية تتحدث باللغة العربية (هذا سبيل لاظهار اننا هنا، وان اسرائيل اكثر من مجرد طرف في صراع مع الفلسطينيين، وانه ليس كل الاسرائيليين وحوشا لهم قرون في رؤوسهم).وهكذا رأينا بعض القنوات العربية تقدم تصريحات قادة الكيان الصهيوني المناهضة للقضية الفلسطينية مرفوقة بصورة ثابتة لهؤلاء القادة، ثم تطور الامر الي نقل حي ومباشر ـ بالصوت والصورة ـ لهؤلاء القادة الصهاينة وهم يعبرون عن سياستهم العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني والامة العربية، تحت ذريعة ان مصلحتنا الوطنية والقومية تقتضي الاطلاع علي آراء ومواقف اعدائنا، وهو ما سمته احدي القنوات (الرأي والرأي الآخر)، ثم تطور الامر اكثر ليصل الي حد جلب مسؤول او اعلامي اسرائيلي ومسؤول او اعلامي عربي ليتحاورا، وليقول الضيف الاسرائيلي ما يشاء بوجود الضيف العربي، وكلاهما ضيف (يجب احترام رأيه).والمضحك في الامر ان نسمع بين الحين والاخر ان الولايات المتحدة الامريكية متضايقة او غير راضية عن هذه القناة او تلك، او انها ربما تقدم علي اجراءات (ما) ضد هذه القناة او تلك. وكأن الولايات المتحدة عاجزة عن اسكات اي قناة في الوطن العربي، مع ان الامر لا يحتمل اكثر من اتصال مسؤول امريكي مهما كانت مرتبته بأعلي مسؤول في الدول التي تمول تلك القناة او تبث من ارضها، في حين اننا سمعنا من مسؤولين في العديد من الدول العربية اقوالا واضحة وصريحة تقول احنا موش قد امريكا مما يعني ان مواقف عدم الرضي الامريكي عن هذه القناة او تلك، ليست حقيقية، وانما تدخل في اطار اعطاء مصداقية لهذه القنوات في نظر الجماهير العربية التي تري ان كل من تعاديه الولايات المتحدة الامريكية هو وطني وقومي ومناضل.في الوقت الذي سمعنا مسؤولين في وزارة الخارجية الامريكية يقولون ان اشرطة تنظيم القاعدة التي تبثها احدي القنوات العربية يتم عرضها علي الامريكيين قبل بثها، اي ان عرضها تتم الموافقة الامريكية عليه مسبقا لانه يخدم مصلحة امريكية تتمثل في استمرار تخويف الانظمة العربية من (بعبع) القاعدة، وتتمثل في تبرير ابقاء القوات الامريكية ليس في العراق بل في المنطقة كلها.وقد يرد البعض علي ما قلناه بأن هذه القنوات تؤدي دورا ايجابيا بكونها تفضح الجوانب المظلمة في بعض الانظمة العربية وتعري الممارسات البشعة لبعض المسؤولين، وبكونها تقدم الاخبار ساعة حدوث اي امر خطير.. وهذا ما لم يكن ممكنا في السابق.لهؤلاء نقول: ارجعوا الي فترة قريبة، عندما كانت الاذاعة البريطانية اكثر الاذاعات الناطقة بالعربية جمهورا، حيث كان المثل الدارج يقول (لكي تعرف ماذا يحدث في بلدك، استمع لاذاعة لندن)، ومن خلال تغطية الاذاعة البريطانية لكل الاحداث التي قد لا تذكرها الاذاعات العربية، كانت تدس في ثنايا الاخبار والبرامج التي تقدمها توجهات خطيرة وتمرر مواقف خطيرة جدا ضمن ما يمكن تسميته (دس السم في العسل).كان الله في عون المواطن العربي المتعطش للحقيقة والبحث عنها، ويتعرض لمؤامرة تضليل وتطبيع تقف وراءها عقول جبارة وتستخدم احدث التقنيات العلمية، وما احوجه الي اعلام عربي حديث وفاعل يساعده علي تبين الغث من السمين ويحميه من الغزو الفكري الاعلامي والثقافي الذي يستهدف هــــويته ووجوده ومستقبل اجياله.اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.ہ كاتب من فلسطين يقيم في المغرب8