في منتصف السنة أصدرت شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي «إنذاراً استراتيجياً» من مغبة اندلاع العنف في الساحة الفلسطينية. يحتمل أن تكون أحداث الأيام الأخيرة تبشر ببداية تحقق هذا التوقع. صحيح أنه لا يدور الحديث بعد عن اشتعال شعبي واسع، ولكن الإرهاب الذي نجح في رفع الرأس هذا الأسبوع كفيل بأن يؤدي إلى هناك، والكثير متعلق بالخطوات التي تتخذها إسرائيل رداً على العمليات القاسية. فإذا كانت غزة أشغلتنا في العام 2018، هناك احتمال أن تشغلنا في السنة القريبة القادمة ثلاث جبهات.
في أثناء هذه السنة، برزت عدة ميول متضاربة في نشاط الإرهاب في يهودا والسامرة: من جهة انخفاض كبير في عدد العمليات القاسية (إطلاق نار، عبوات ناسفة، دهس، طعن)، من 96 في السنة الماضية إلى 66 عملية قاسية منذ بداية السنة. من جهة أخرى، لم يكن هناك انخفاض في عدد القتلى الإسرائيليين، وهذا يبلغ في هذه اللحظة 13 في 2018، مقارنة بـ 14 في السنة الماضية.
لقد تقلصت ظاهرة المخربين الأفراد، التي اندلعت بكامل شدتها قبل ثلاث سنوات، بعد سنة ومنذئذ استقرت، وهي لا توشك على الاختفاء. إن ما يقلق جداً هو الارتفاع الدراماتيكي في عدد شبكات العمليات: ففي السنة الماضي فقط اعتقل 2.700 فلسطيني انتموا إلى نحو 700 شبكة إرهاب.
بعض هذه الشبكات كانت مع انتماء تنظيمي واضح وتوجيه من قيادات في الخارج (حماس والجهاد الإسلامي) ولكن معظمها تلقت فقط الإلهام من المنظمات، لم تقم اتصالاً مباشراً مع القيادة وعملت دون تمويل وتعليمات من الخارج. إذا ما قارنا العدد المذهل المتمثل بـ 600 شبكة في السنة بعدد العمليات التي نفذت ـ فإن جهاز الأمن العام الشاباك ـ المخابرات ينجح في إحباط نحو 90 بالمئة من الشبكات لتنفيذ العمليات، وهذا معطى مثير للانطباع بحد ذاته.
بالتوازي مع مساعي تهدئة قطاع غزة، تشدد حماس الضغط على مؤيديها في الضفة لتنفيذ عمليات في المناطق وفي إسرائيل. ويأتي التحفيز أيضاً من القيادة العسكرية في غزة، التي يديرها محررو شبكة شاليط، وكذا من قيادة الخارج برئاسة صالح العاروري الذي يتنقل بين بيروت وإسطنبول. والشبكة التي انكشفت في الشهر الماضي في منطقة الخليل وخططت لأن تنفذ عمليات تفجير في إسرائيل تدل على أن حماس تؤمن بأنها قادرة على أن تبادر إلى العمليات دون أن تدفع غزة الثمن على ذلك. وذلك رغم أنها سبقت أن شهدت حرباً في غزة حركتها عملية اختطاف الفتيان في الضفة.
في خلفية كل هذا، الفهم في الجمهور الفلسطيني بأن أبو مازن دخل منذ الآن إلى فترة الصمت. ليس واضحاً كم من الوقت ستسمح له صحته بأن يقود السلطة، ولكن فضلاً عن رجال فتح الذين يتطلعون إلى القيادة، فبصمت تام يتأمر العاروري ومعه خالد مشعل لأن يسيطرا على السلطة.
وتبلورت في السلطة وفي فتح كتلتان تتطلعان إلى القيادة: رجال الأجهزة جبريل الرجوب وماجد فرج، ومقابلهم محمود العالول ومعه رئيس المخابرات السابق توفيق الطيراوي. معقول الافتراض بأنه بعد رحيل أبو مازن سنرى تقسيماً للمناصب في القيادة: للسلطة الفلسطينية، لـ م.ت.ف ولفتح سيكون زعماء منفصلون. معظم الجمهور الفلسطيني غير مبالٍ لهذه التطورات. ففي الشبكات الاجتماعية يبرز ميل الانشغال المتعاظم في المواضيع الاقتصادية والمدنية وبقدر أقل بالصراع ضد إسرائيل. ولكن الجمهور الفلسطيني لم يكن غير مبال للتآكل في القدرات الاقتصادية للسلطة.
قانون تايلور ـ فورس الأمريكي، والتقليص في ميزانيات وكالة الغوث وقانون اقتطاع أموال الإرهاب، الذي سيدخل عندنا حيز التنفيذ في بداية السنة، ستمس بنحو 15 في المئة من ميزانية السلطة. وهذا ما سيشعر به الجمهور الفلسطيني بالمس بالرواتب وبالقدرة على توريد الخدمات كالتعليم أو القانون والنظام.
منذ بدأت موجة عمليات الأفراد، قبل ثلاث سنوات، اتخذ وزير الدفاع في حينه بوغي يعلون مع رئيس الأركان ورئيس المخابرات سياسة الفصل بين مكافحة الإرهاب ومنفذيه وبين باقي الجمهور. فقد امتنعوا عن العقاب الجماعي وحرصوا على حماية نسيج الحياة الذي ينال فيه أكثر من 100 ألف فلسطيني الرزق في إسرائيل. وأثبتت هذه الخطوة نفسها بتقليص ظاهرة المخربين الأفراد ومنع الانفجار، حتى على خلفية الأحداث القاسية في غزةإ ونصب البوابات الالكترونية في الحرم.
الآن أيضاً من المهم الإبقاء على سياسة التمييز هذه كي لا يدفع المزيد من الفلسطينيين لاختيار الإرهاب. فضد المخربين أنفسهم لن تجدي التهديدات بعقوبة الموت، إذ إن معظمهم ينطلقون إلى العمليات، مع العلم أنهم سيقتلون في أثنائها، وهدم المنازل هو الآخر لم يثبت نفسه كرادع. فكل مخرب يعرف بأنه بتنفيذ العملية يضمن المستقبل الاقتصادي لعائلته بالمساعدة السخية التي ستتلقاها من السلطة الفلسطينية، وهذا سيسمح لها ببناء منزل جديد وأجمل.
وهذا ما ينبغي معالجته. فإبعاد عائلات المخربين إلى غزة سيدفع كل مخرب لأن يفكر مرتين إذا كان يريد أن يحكم على عائلته بحياة النفي البائسة. أعرف أن هذا ليس بسيطاً من ناحية قانونية، ولكن ليس كعقوبة الموت، فإن لعقوبة الإبعاد أثراً رادعاً جداً. وبالتوازي، لا أزال أنتظر الزعامة التي تتجرأ على أن تعالج الظروف الاعتقالية الإيجابية المبالغ فيها التي ينالها المخربون.
الون بن دافيد
معاريف 14/12/2018