من يقتل ميلاد المجتمع المدني العربي؟

حجم الخط
0

من يقتل ميلاد المجتمع المدني العربي؟

مطاع صفديمن يقتل ميلاد المجتمع المدني العربي؟ بين الحرب الأهلية، المندلعة سياسياً حتي الآن في لبنان، وجحيم الحرب الأهلية دموياً، القابضة علي عنق العراق، والمتفشية في جسده، بينهما ثمة تصاديات بالرموز وليس بالوقائع وحدها. لا تترجم الواحدة منهما الأخري بقدر ما تتكاملان. فهما يشكلان قطبي المحور المركزي الراهن الذي تشتغل عليه التوجهات الأخيرة لإدارة بوش للعامين القادمين من عهده الأسود. فالهدف الأصلي المعلن وغير الخافي أبداً لهذه الإدارة منذ وقوع الهجوم (الإرهابي) علي نيويورك، هو الثأر والانتقام من دين وعرق وحضارة تحت إسم الإسلام. وشرعة الانتقام لها أداتها المفضلة التقليدية في تاريخ النشأة الأمريكية، منذ حقبة الإبادة الجماعية لشعوب الهنود الحمر، سكان القارة الأصليين من ما قبل التاريخ. والانتقام من (عدو) أمريكا له تحقيق واحد هو الالغاء. حينما يعلن بوش أن بلاده لا تنتصر في العراق، بمعني أنها لم تحقق النصر بعد، فإنه يريد أن ينفي أنها تنهزم. وقد يكون هذا صحيحاً، إذا ما أبعدنا قليلاً الاعتذار بأخــطاء الممارسة للاحتلال، والفشل في إنتاج النظام القادر علي السيطرة والاستمرار، ذلك أن شرعة الانتقام هي المنتصرة حتي الآن، وابتداءً من لحظة إسقاط تمثال صدام حسين ورفع العلم الأمريكي علي ناصيته، إلي لحظة لفّ حبل المشنقة حول عنق صاحب التمثال نفسه في فجر العيد الأكبر لمليار وثلث من مسلمي المعمورة.وقد كنا أشرنا دائماً ـ في هذه الزاوية ـ ومع تنامي ما سمي بمسلسل الأخطاء التي يرتكبها الاحتلال، أنه ليس هناك ما هو خطأ حقاً، بل هو التصميم المسبق علي التدمير الشامل لكيان العراق اجتماعياً تاريخياً جغرافياً بشرياً. وهو المؤسس لنجاح الغزو الذي يتطور من معركة عسكرية محدودة، إلي حركة تأبيد مستقبلي لفاعلية التدمير الذاتي، وتحت وطأة انهزام كياني مستمر ولا نجاة منها، وبفعل عوامله الخاصة التي أطلق الاحتلال شراراتها الأولي، ورعي تغذيتها من داخل أنسجتها الوطنية والتاريخية عينها. وعلي هذا، فإن بلوغ هندسة الاحتلال مرحلة تفجير الحرب الأهلية المذهبية، لم يأتِ ذروة لأخطاء متصاعدة، تقع فيها أجهزة الاحتلال، بقدر ما هو المحصلة قبل الأخيرة لمسيرة التصميم علي القتل الشمولي للكيان والوطن والإنسان. وأما الخاتمة فهو إحلال التقسيم العرقي والديني والمذهبي باعتباره النظام السياسي المحتوم الذي سوف يعكس واقع الحال علي الأرض المجتمعية والوطنية. وهو النظام الذي سيكون عليه تكريس الاقتتالات العبثية بين الفئويات، وإسباغ شرعية دولتية علي ما سوف يُصنف دبلوماسياً، كحروب وجود وحدود إقليمية بين كيانات متنافرة متخاصمة ومتنافسة علي كل شيء، بدءاً من ثروات الوطن القديم المقطعة أوصاله. وهكذا سوف تكتب سيرة النجاح الاحتلالي التي تحولت من غزو خارج أجنبي لداخل أهلي، إلي انتحارات الداخل بأدواته (الوطنية). أعلي ما يأمله ويخطّط له المجرم القاتل الذكي، هو أن يوكل للضحية أمر الإجهاز علي ذاتها بذاتها؛ مكتفياً هو بمهمات الرقابة علي حسن التنفيذ وتصحيح عثراته. ليس هناك مسلسل أخطاء بقدر ما هو مسلسل إنجازات احتلالية، تنتهي إلي التلبس بحلل أهلوية. يصير للتدمير الخارجي العسكري وكالات محلية مدنية تأخذ علي عاتقها كل المهمات القذرة التي كانت ستدمغ زبانية الاحتلال. من فلسفة الاستعمار الأمريكي الجديد، وتوأمه الصهيوني، أن تتولي الشعوب عينها إعادة تدمير ذاتها بذاتها. ويتم التركيز في هذه الفلسفة علي استهداف النتاج النهضوي الذي عليه أن يرفع الشعب من مستوي الكتل الدهماء إلي مستوي المجتمع المدني. فلم يتم إسقاط النظام العراقي لأنه ديكتاتوري، ولم يجرِ تفكيك كيان الدولة لأنها دولة ذلك النظام؛ ولم تتفشَّ حملات الاغتيالات للأساتذة الجامعيين أو تهجيرهم، هم ومعهم معظم الكفاءات العلمية والإبداعية والمهنية، وكل هذه الطبقة الصانعة للتكوين الحضاري والحداثي، لم تطلق كل هذه العملية المنظمة الشاملة في تحطيم الهرم الاجتماعي القائم، وتعريته من تكويناته المدنية المتقدمة، والهبوط ببنائه كله إلي قيعان الكتل الغُفْل من أية خاصيات متمايزة إنسانياً ثقافياً عن أصولها العضوية. لم يعمل الاحتلال عبثاً علي إعادة صياغة المجتمع العراقي خالياً مجرداً من كل تجاربه وإنتاجاته التمدينية، لكون هذا المجتمع من صناعة النظام القديم. بل لأمر واحد، وهو لكون العراق راح يتخطي قــروسطــــيته، ويشارف تخوم النماذج النهضوية المعاصرة. حتي كادت فئاته الواعية أن تكتشف أسرار التعامل مع عوامل النهضة وبحثها عن/ واتحادها بإمكانيات مجتمعها الموروثة والمكتسبة.كان ثمة نموذج للارتقاء يتابع تصاعده الذاتي بالرغم من عاهات التسلط الشخصاني الأحادي الذي ابتلُي به النظام السياسي العربي ككل، ووقوعه دائماً في دائرة الرقابة الأجنبية وتدخلاتها المستمرة الظاهرة والباطنة، بالعنف الصريح أو بالتوغل الاستخباري في خلايا صناعة القرارات الوطنية العليا. كان تدمير العراق كحضارة، وليس كنظام سياسي فحسب، يُراد له أن يتأصل ويسود كرمز انتقامي كبير لمن حوله، يصير شعاعَ تهديدٍ بتكراره في أوسع إطار لإقليمه. كل كيان دولتي في الإقليم أمسي يعدّ أيامه المتبقية قبل تقويضه. تلك هي نهاية أنظمة الدول، تمهيداً لأنظمة الملل والنحل. فالنموذج العراقي صار معكوساً من ريادة النهضة إلي ريادة الانحطاط. وبالتالي صار علي كل كيان قائم في الإقليم أن يتدبر مسيرة انحطاطه المحتوم بأدواته الخاصة، بتنشيط عقده المكبوته، ونحر وانتحار آخر الآمال بولادة مجتمعه المدني. فالهجمة الانتقامية لذروة الاستعمار أصبح لها هذا الهدف المركزي، وهو قطع طريق التطور نحو المجتمع المدني. كل أدوات الشغل لتحقيق هذا الهدف متوفرة أهلوياً وطنياً بانتظار الصاعق المفجر سواء بالغزو العسكري أو السياسي، مرتفقاً دائماً بجاهزيات الفتنة محلياً، وراثياً. لبنان، هو المحل المعلّي لاستضافة الغزو السياسي، واستنفاره لكل أعتدته الداخلية الجاهزة المجهزة بخزينٍ هائل متنوع من ذاكرات الفتن المتوارثة من جيل إلي آخر. فالأمريكي الغازي عسكرياً في العراق، والغازي سياسياً في لبنان لم يعد له ثمة من مهمة حقيقية وشديدة العلمية، سوي مسرحة البواطن المقموعة، واقتناصها أدوار اللاعبين (الحداثويين) في المجالات الجماهيرية العامة. ولعل الخاصية المميزة للفتنة اللبنانية الدائمة، المتناوبة الحضور من خلف أقنعة الشعارات المطروحة راهناً في هذا المنعطف السياسوي المستعصي أو ذاك، هي قدرتها الفائقة علي التفريغ السريع لكل صراع اجتماعي من حمولته السياسية المشروعة، وإلحاقه بالمتاريس الطائفية، والمذهبية حالياً خاصة؛ لا قوة للموقف السياسي دون إنجاده أو صده إلا بالشحن الطائفي. فالديمقراطية التي هي ميزة لبنان وامتيازه في مختلف أحواله المضطربة، مهدورة الحقوق والواجبات، لاضطرارها إلي عقد التحالفات المشبوهة مع أضدادها، مع بعض هذه الأضداد ضد الأخري من نوعها وسلالتها القمعية المتوارثة. رغم أن لبنان هو البلد العربي الوحيد الذي يتمتع بوجود ما لديمقراطية قادرة علي إنتاج قطبيْ الصراع المشروع بين الموالاة والمعارضة، إلا أنها محرومة من دينامية التغيير الطبيعي ما بين هذين القطبين. فلا الحكم يستجيب لمعارضة قوية ويقبل بالانسحاب الطوعي. ولا المعارضة قادرة علي فرض مشاركتها للسلطة أو تغييرها، إلا بهاجس ثورة شعبية لا تلبث حتي تغدو مدخلاً لفتنة مذهبية.لكن ما يضاعف من استعصاء المأزق اللبناني الحالي هو هذا التطور العجيب الذي سريعاً ما يجعل كل الحلول المطروحة تصير جزءاً من المشكلة، بما فيها هاجس الفتنة المذهبية نفسها التي راحت تخيف جميع الأفرقاء، إذ أنها لن تدع أحداً من مثيريها قادراً علي التحكم بأحداثها أو ضامنا للانتفاع بنتائجها، بعضها أو معظمها. حتي الوصاية الأمريكية لا يمكنها الادعاء بالسيطرة الكاملة علي دفة السفينة في بحر هائج مائج من صراع الأيادي المتداخلة إقليمياً ودولياً. حتي أمسي من السهل القول حول هذه الممارسة البائسة أن أمركة لبنان أمست تعادل إحباط ديمقراطيته الجديدة المولودة مع مرحلة استقلاله الثاني؛ ما يدفع إلي الحكم بأن انتقاص السيادة أمريكياً يعني الإطاحة مجدداً باستقلال هذا البلد، والقذف به إلي أتون حربه الأهلية الدائمة، كما لو كانت كل عودة لبنانية إلي مجتمعه المدني بمثابة هدنة بين فصلين من المسيرة الدامية عينها منذ ثلاثين عاماً، وإلي مستقبل مجهول.ہ مفكر عربي مقيم في باريس9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية